منى شماخ تكتب: هل نعود إلى عصر ما قبل السياسة؟
تراجع قدرة السياسة على إدارة النزاعات، وتقدم منطق القوة بوصفه الأداة الأكثر تأثيرًا في تشكيل الواقع الدولي

الأمم المتحدة (أرشيف )
في كل مرة أتابع فيها تطورًا جديدًا في المنطقة أو في العالم، يزداد اقتناعي بأننا لا نعيش فقط أزمة في العلاقات الدولية، بل أزمة في مفهوم وقواعد السياسة نفسها.
فما نشهده اليوم لا يشبه العالم الذي عرفناه لعقود، حيث كانت الخلافات تُدار عبر التفاوض.
كانت المؤسسات الدولية تُمنح – ولو شكليًا – دورًا في احتواء النزاعات.
وكانت القوى الكبرى تحرص على إضفاء غطاء سياسي أو قانوني أو أخلاقي على سياساتها.
أما الآن، فيبدو أن كل ذلك يتراجع أمام مشهد أكثر بساطة وأكثر قسوة:
من يملك القوة يفرض ما يريد، ومن لا يملكها يُطلب منه التكيف مع النتائج.
يكفي أن ننظر إلى عدد من الملفات الدولية خلال السنوات الأخيرة لنلاحظ كيف تراجع منطق السياسة لصالح منطق القوة.
ففي غزة، بدا العالم عاجزًا عن تحويل القانون الدولي وقرارات المؤسسات الدولية إلى آليات فعلية لوقف الحرب وحماية المدنيين.
وبينما كانت الإدانات والنداءات تتوالى، كانت الوقائع على الأرض تُحسم بالقوة العسكرية.
و رغم اتهام المحكمة الجنائية الدولية لبنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وصدور مذكرات توقيف بحقهما، ظلت مذكرات التوقيف حبيسة الأدراج، بينما بقي المتهمون أحرارًا يمارسون أدوارهم السياسية والعسكرية.
وبقي السؤال الحقيقي:
هل يمتلك النظام الدولي الإرادة والقدرة على تنفيذ ما يصدر عن مؤسساته القضائية؟
منى شماخ تكتب: حين تتحول الحلول إلى فواتير إضافية
منى شماخ تكتب: علمانيون: هل انتهت الفكرة أم انتهى عقد الإيجار؟
وهنا تتجلى الأزمة بوضوح
فحين تصبح قرارات أعلى المؤسسات القضائية الدولية رهينة الحسابات السياسية وموازين القوى.
فإن الرسالة التي تصل إلى العالم هي أن القانون لا يُطبق بعدالة، وإنما بانتقائية تقررها موازين المصالح والنفوذ، وهو ما يشير إلى انتهاء صلاحية القانون نفسه.
في الملف الإيراني، تراجعت فرص الحلول السياسية أمام منطق الردع والتهديد والضربات المتبادلة.
وأصبح الحديث عن القوة العسكرية أكثر حضورًا من الحديث عن التسويات الدبلوماسية القادرة على معالجة جذور الأزمة.
في فنزويلا.
كشفت سنوات الصراع السياسي كيف أصبحت القوى الكبرى تتعامل مع الأزمات الداخلية للدول من منظور المصالح والنفوذ والتوازنات لا باعتبارها قضايا تتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها، كما كان يتم الترويج له سابقًا .
هذه الأمثلة.
و ما يحدث في أوكرانيا وغيرها من بؤر الصراع تشير إلى اتجاه واحد:
تراجع قدرة السياسة على إدارة النزاعات، وتقدم منطق القوة بوصفه الأداة الأكثر تأثيرًا في تشكيل الواقع الدولي.
لم يعد السؤال:
ما هو الحل السياسي الممكن؟
بل: من يملك القدرة على فرض رؤيته على الأرض؟
الأخطر من ذلك أن القانون الدولي نفسه أصبح عاجزًا عن أداء وظيفته.
فالمواثيق موجودة، والمؤسسات قائمة، والقرارات تصدر، لكن تأثيرها الفعلي يتضاءل كلما تعارضت مع مصالح القوى الكبرى.
ولم تعد الولايات المتحدة وغيرها من القوى المؤثرة في النظام الدولي تبذل الجهد نفسه لإخفاء مصالحها خلف سرديات الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو نشر القيم .
بل أصبح الحديث عن المصالح والنفوذ والممرات التجارية ومناطق التأثير أكثر صراحة من أي وقت مضى.
وكأن العالم يتخلى تدريجيًا عن اللغة السياسية التي سادت لعقود ليعود إلى منطق القوة في صورته الأكثر مباشرة.
ربما بدأ هذا المسار مع نهاية الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم، لكنه تسارع بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة مع صعود قوى جديدة، وتراجع فعالية المؤسسات الدولية، واتساع نطاق الصراعات المفتوحة.
المشكلة أن عالمًا تحكمه القوة وحدها هو عالم أكثر اضطرابًا وأقل استقرارًا.
فالقوة تستطيع فرض الوقائع، لكنها لا تستطيع إنتاج العدالة، ولا بناء الشرعية، ولا معالجة الأسباب الحقيقية للصراعات.
ولهذا فإن ما يبدو انتصارًا للقوة اليوم قد يتحول غدًا إلى مصدر جديد للفوضى وعدم الاستقرار.
يبقى السؤال:
هل نعيش مرحلة عابرة من اختلال التوازنات الدولية ستستعيد بعدها السياسة دورها وتنتصر لمبادئها ؟
أم أننا أمام تحول تاريخي أعمق، يتراجع فيه منطق السياسة والتفاوض لصالح منطق القوة وفرض الأمر الواقع؟
إذا كان الأمر كذلك، فنحن لا نشهد مجرد أزمة عابرة، بل إعادة تشكيل عميقة للقواعد الدولية التي تأسس عليها النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فأي نظام عالمي جديد ستفرزه هذه التحولات؟






