مقالات
سالم رخا
سالم رخا

كاتب صحفي

من مؤامرة الإفرنج إلى شفاء العوضي

م يعد المشهد مجرد "تريند" عابر على فيسبوك، بل تحول إلى مظاهرة بصرية؛ حيث تداول الآلاف صوراً لسيارات عُلقت عليها صورة الدكتور ضياء العوضي بجوار الشيخ الشعراوي.

مشاركة:
حجم الخط:

 سيكولوجية الجماهير المصرية بين المشرط والأسطورة

في شوارع القاهرة، حيث يختلط ضجيج المحركات بدعوات العابرين، برزت على زجاج الميكروباصات والسيارات “أيقونة” جديدة تزاحم صور الأولياء وشيوخ الزمان.

لم يعد المشهد مجرد “تريند” عابر على فيسبوك، بل تحول إلى مظاهرة بصرية؛ حيث تداول الآلاف صوراً لسيارات عُلقت عليها صورة الدكتور ضياء العوضي بجوار الشيخ الشعراوي.

هذه الحالة ليست نجاحاً طبياً، بل هي انفجار لبركان كامن من سيكولوجية الجماهير التي تبحث دائماً عن *”المخلص”* حينما يستبد العجز وتتعقد سبل النجاة.

1. الذاكرة الجريحة: لعنة “كلوت بك” ومؤامرة الأعضاء

لكي نفهم لماذا يقدس البسطاء ضياء العوضي اليوم، علينا أن نعود إلى القرن التاسع عشر. حين أنشأ محمد علي باشا مدرسة الطب بمساعدة الفرنسي “كلوت بك”، اندلعت في أزقة القاهرة حالة من الذعر الجماعي. سرت إشاعة مرعبة تقول إن الأطباء “الإفرنج” يسرقون أعضاء المصريين في المستشفيات لبيعها أو لاستخدامها في أعمال السحر.
هذا الهلع لم يكن مجرد جهل، بل كان مقاومة ثقافية” ضد سلطة باردة تحاول تشريح الجسد المصري وإخضاعه لمنطق غريب عنه. الجمهور الذي “جَنّ” بضياء العوضي اليوم هو الحفيد الشرعي لهؤلاء الذين هربوا من “قصر العيني” قديماً ليلجأوا إلى “الحكيم” الشعبي. العوضي بالنسبة لهم هو “الحكيم” الذي يملك الشجاعة ليقول للناس: “المسألة بسيطة، والحل في أيديكم”، وهو خطاب يدغدغ كبرياء الجماهير التي تشعر بالتهميش أمام برودة الأطباء “الأكاديميين”.

2. سوسيولوجيا الزجاج: الميكروباص كـ “ضريح متنقل”

الميكروباص في مصر ليس وسيلة مواصلات، بل هو “مؤشر قياس” للرأي العام الحقيقي. عندما يقرر السائق تعليق صورة ضياء العوضي، فهو يعلن *”صك اعتماد شعبي”

الشعراوي:* مثّل “الطب الروحي” الذي بسّط الغيب.
العوضي: مثّل “الطب الجسدي” الذي بسّط المعجزة.
وضع الصورة على السيارة هو “إعلان انتماء” لكتلة بشرية تؤمن بأن “الحقيقة” لا توجد في نشرات الأخبار أو أروقة النقابات، بل عند هؤلاء الذين يكلموننا بلغة “المصطبة”. لقد تحول زجاج السيارات بفضل فيسبوك إلى معرض فني “للمظلومية والشفاء”

3. دراما الاغتيال: حينما يرفض الجمهور “الموت الطبيعي”

تتغذى جماهيرية العوضي على نظرية المؤامرة التي تجري في دماء العقل الجمعي. في سيكولوجية الجماهير، لا يموت الأبطال بشكل طبيعي أبداً. عندما رحل العوضي بشكل مفاجئ، لم يصدق الناس شهادة الوفاة، بل بحثوا عن “القاتل الخفي”.
المنطق الذي يغذي صور السيارات الآن يقول: “رجل يحارب مافيا المليارات (شركات الأدوية)، ويقدم بدائل رخيصة.. لا يمكن أن يموت إلا مقتولاً”. هذا “الاغتيال المتخيل” منح العوضي صك قداسة نهائياً؛ فالموت الغامض هو الختم الذي يحول “الروشتة” إلى “نص مقدس” لا يقبل الجدل، لأن من دفع حياته ثمناً لكلمته لا يمكن أن يكون مخطئاً.

 فيسبوك وتعميد الوليّ الجديد

لعب “فيسبوك” دور “كنيسة العصر الحديث” في حالة العوضي. الصور المنتشرة للسيارات التي تحمل صورته لم تكن مجرد صور، بل كانت “تلقيناً” جمعياً. كل “مشاركة” (Share) للصورة كانت بمثابة “آمين” في صلاة جماعية.
في هذه المساحة الرقمية، اختلطت نصائح العوضي الطبية بالأدعية الدينية، لتنتج حالة من “اليقين العاطفي”. الجماهير هنا لا تدافع عن طبيب، بل تدافع عن “حلم الشفاء” الذي سُرق منها بفعل “المؤامرة” المزعومة.

ترامب يختار الدم للبقاء

د. محمد فؤاد: اختراق “المنطقة المحرمة”

هل كانت السودان جزء من مصر؟ (11)

5. الأيقنة: المثلث المقدس في الوعي الشعبي

تعليق الصورة على الميكروباص هو إعلان عن انضمام العوضي لـ “نادي الخالدين” بجوار الشعراوي وعبد الناصر. هذا النادي لا يدخله إلا من استطاع “تمثيل” الغلابة وتحدي “السيستم”.
نحن نعيش في زمن السيولة اللامعة حيث لا شيء مضمون؛ الاقتصاد، الصحة، المستقبل. في هذه الحالة، يرتد الإنسان إلى “البدائية المنظمة”، حيث يختار قائداً أو وليّاً يضع فيه كل أحلامه. الميكروباص الذي يحمل صورته اليوم هو “ضريح متنقل”؛ الناس التي لم تستطع حماية “جسده” من الموت، تحمي الآن “ذكراه” من النسيان.
السيناريو الذي لا ينتهي

إن حالة “التقديس” التي نراها لضياء العوضي هي *”احتجاج صامت”* ضد منظومة يراها الناس بعيدة عن أوجاعهم. من مؤامرة “الإفرنج” القديمة إلى “شفاء” العوضي الحديث، يظل الجسد المصري ساحة للمعركة بين “العلم الرسمي” و”اليقين الشعبي”.
لقد تحول الطبيب من مجرد ممارس للمهنة إلى شهيد لليقين، وصار زجاج السيارات هو الكتاب الذي يقرأ فيه البسطاء قصتهم المفضلة: قصة البطل الذي أراد لنا الشفاء.. فاغتاله العالم لأنه كسر قواعد اللعبة.

شارك المقال: