مقالات
السفير معصوم مرزوق
السفير معصوم مرزوق

دبلوماسي وسفير سابق

معصوم مرزوق يكتب: أمريكا تستهدف بنك مصر !

أعلن بنك مصر أن الإجراء هو "إشعار بمقترح تشريعي" (NPRM) وهناك مهلة قانونية ممتدة لـ 30 يوماً لتقديم الطعون والردود القانونية من قبل البنك قبل صدور القرار النهائي.

مشاركة:
حجم الخط:

إن ما صدر عن وزارة الخزانة الأمريكية بشأن البنك المصري في الإمارات، هو إجراء يتم وفق ما يسمي “شبكة مكافحة الجرائم المالية” (FinCEN)

ويعد مجرد مقترح حكومي بموجب المادة 311 من “قانون باتريوت” الذي يقضي بـ منع وقطع وصول فروع بنك مصر في دولة الإمارات إلى النظام المالي الأمريكي ومنعها من إجراء أي معاملات بالدولار عبر البنوك المراسلة .

ويدخل هذا الإجراء ضمن حملة أمريكية تُدعى “عملية المنبوذ الاقتصادي” (Operation Economic Outcast)

بعد اتهام واشنطن لفرع البنك المصري بتمرير معاملات مالية بقيمة 1.8 مليار دولار لصالح شركات واجهة مرتبطة بشبكات الظل المصرفية الإيرانية.

والسؤال الأول الذي يثيره هذا الإجراء

هو ما يمثله هذا من زاوية أن فرع البنك المذكور، يعد ضمن النظام القانوني لدولة الإمارات، وأي تدخل خارجي في أحد مكونات هذا النظام يعد بشكل ما انتهاك لسيادة الإمارات.

وهو ما أكده المصرف المركزي الإماراتي في بيانه الرسمي عقب القرار بأن “فروع بنك مصر العاملة في دولة الإمارات خاضعة للقوانين والأنظمة المعمول بها في الدولة”

وبناءً على ذلك، قام المركزي الإماراتي باتخاذ إجراء سيادي محلي فوري ببدء تفتيش خاص وعاجل ومراجعة متعمقة لمعاملات الفرع للتحقق من مدى التزامه بأنظمة مكافحة غسل الأموال المحلية.

معصوم مرزوق يكتب: إحتواء “الإحتواء”!

ولكن تجدر الإشارة من ناحية أخري

أن أمريكا في هذه الحالة تمارس سيادتها على عملتها الوطنية (الدولار) وعلى نظامها المالي الداخلي.

فأي معاملة مالية حول العالم تتم بالدولار الأمريكي يجب أن تمر عبر بنك مقاصة (مراسل) داخل الأراضي الأمريكية.

وبالتالي، من حق واشنطن قانوناً تحديد من يسمح له باستخدام نظامها المالي الداخلي ومن يُمنع منه.

وتستخدم أمريكا وزنها الإقتصادي الضخم في فرص عقوبات خارج الحدود (Extraterritorial Sanctions)  حيث تضع الكيانات الأجنبية أمام خيارين:

إما الالتزام بالشروط الأمريكية المقيدة للتعامل مع دول مثل إيران، أو الحرمان التام من استخدام الدولار والنظام المالي العالمي .

ولكن تجدر ملاحظة أن القرار الأمريكي ليس نهائياً بعد

حيث أعلن بنك مصر أن الإجراء هو “إشعار بمقترح تشريعي” (NPRM) وهناك مهلة قانونية ممتدة لـ 30 يوماً لتقديم الطعون والردود القانونية من قبل البنك قبل صدور القرار النهائي.

كما أكد البنك المركزي المصري أن هذا الإجراء محدود فقط بفرع الإمارات والمعاملات الدولارية، ولا يؤثر مطلقاً على المقر الرئيسي لبنك مصر في القاهرة أو بقية البنوك المصرية.

أما فيما يتعلق بتداعيات هذه الخطوة علي العلاقات المصرية الإيرانية، ففي تقديري لا يُتوقع أن تتأثر العلاقات المصرية الإيرانية بشكل مباشر أو سلبي بهذا الإجراء، بل إن السياق السياسي والدبلوماسي الحالي يشير إلى العكس تماماً.

فالإجراء تقني مالي وليس توجها سياسياً مصرياً

وتدرك طهران تماماً أن هذا الإجراء صدر بقرار أحادي من وزارة الخزانة الأمريكية وليس بقرار أو رغبة من الحكومة المصرية أو البنك المركزي المصري.

وأن بنك مصر (فرع الإمارات) ربما وقع في شرك العقوبات الأمريكية نتيجة تعاملات تجارية ومالية لشركات واجهة (Front Companies)

وهو أمر يتكرر مع بنوك دولية عديدة تتعامل بالدولار، ولا يعكس موقفاً سياسياً عدائياً من مصر تجاه إيران.

ومن ناحية أخري يمكن ملاحظة زخم مسار التقارب الدبلوماسي المستمر، حيث يأتي هذا الإجراء الأمريكي في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية الإيرانية تطورا تاريخياً وتقارباً دبلوماسياً كبيراً.

فقد شهدت الفترة الأخيرة خطوات جادة نحو تطبيع كامل للعلاقات

شملت:
لقاءات رفيعة المستوى بين مسؤولي البلدين ، والتنسيق المشترك بشأن الملفات الإقليمية، لا سيما الأوضاع في قطاع غزة ومنع اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، مع الرغبة المتبادلة في رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

ولابد من تفهم أن هذا المسار الاستراتيجي محكوم بملفات أمنية وسياسية كبرى تفوق حجم قضية تنظيمية مصرفية لفرع بنك خارج الأراضي المصرية.

ومن منظور طهران، يعتمد الاقتصاد الإيراني منذ سنوات طويلة على شبكات معقدة من الشركات الواجهة(Front Companies) والحسابات المصرفية الالتفافية حول العالم لتجاوز العقوبات الأمريكية.

وتدرك الإدارة الإيرانية أن اكتشاف هذه الشبكات من قبل الاستخبارات المالية الأمريكية (FinCEN) واستهداف البنوك التي تمر عبرها المعاملات هو “مخاطرة متوقعة”

وضريبة للمنظومة المصرفية الالتفافية، ولا يعني أن الدولة المستضيفة للبنك تقود حراكاً ضد إيران.

وقد جاء الرد الفوري الصادر من البنك المركزي المصري وبنك مصر حاسما ، حيث أكد على عزل الأزمة وحصرها في نطاق “المعاملات الدولارية لفرع الإمارات فقط”

هذا الإعلان السريع يبعث برسالة طمأنينة للأسواق وللشركاء التجاريين بأن الدولة المصرية ملتزمة بالمعايير الدولية لضمان سلامة جهازها المصرفي الرئيسي في القاهرة، دون إقحام الملف في تجاذبات سياسية مع أي أطراف إقليمية.

وفيما يتعلق بكيفية تعامل مصر مع هذا الإجراء 

تجدر الإشارة إلي أن إن مهلة الـ 30 يوماً المتاحة هي فترة قانونية تسمى “فترة التعليق العام” (Public Comment Period)

وتبدأ رسمياً بمجرد نشر مقترح وزارة الخزانة في السجل الفيدرالي الأمريكي. خلال هذه الفترة، ولا يُعد الإجراء عقوبة نافذة، بل هو “إشعار بمقترح تشريعي” (NPRM) .

وقد يكون علي السلطات المصرية أن تبادر لتفادي صدور القرار النهائي بقطع حسابات المراسلة بالدولار، بأن يقوم بنك مصر بالتعاون مع السلطات النقدية والدبلوماسية اتخاذ سلسلة من الخطوات القانونية والرقابية الحاسمة مثل:

تقديم الدفوع القانونية والمذكرات الاعتراضية المناسبة، و بإعداد مذكرات قانونية تفصيلية للرد على تقرير شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية.

وكذلك علي بنك مصر ( فرع الإمارات ) أن يقدم مستندات تثبت طبيعة المعاملات المذكورة (التي جرت بين عامي 2024 و2026)

لإثبات ما إذا كانت تخص عملاء شرعيين يمتلكون تراخيص تجارية نافذة في دولة الإمارات، وتوضيح أن البنك لم يتعامل عن علم مع “شركات واجهة” تابعة للحرس الثوري الإيراني.

وبالتوازي مع القرار الذي صدر من مصرف الإمارات المركزي ببدء تفتيش عاجل، يجب أن يقوم بنك مصر بعملية فحص داخلي موسع للمعاملات لـ 103 شركات أشارت إليها وزارة الخزانة الأمريكية.

وفي حال ثبوت أي تلاعب أو غموض في بيانات أي من هذه الشركات، يتم تجميد حساباتها فوراً وإنهاء التعامل معها كإجراء لإثبات “حسن النية” والالتزام أمام الجانب الأمريكي.

وقد أعلن البنك المركزي المصري أن هناك قنوات اتصال مباشرة مفتوحة حالياً بالتعاون مع وزارة الخارجية المصرية مع الجانب الأمريكي.

ولابد أن تهدف هذه اللقاءات المشتركة إلى شرح أبعاد الموقف، ومحاولة الوصول إلى تسوية قانونية.

أو اتفاق مشروط يضمن إغلاق الملف ودياً دون تمرير القرار بشكل نهائي، خاصة وأن فروع بنك مصر بالإمارات مستمرة حالياً في عملها وخدمة عملائها بشكل طبيعي تماماً.

علي أن يكون الهدف الأساسي من هذه الخطوات هو إقناع الخزانة الأمريكية بـ سحب المقترح.

وهو أمر حدث تاريخياً مع بنوك أخرى استطاعت تسوية أوضاعها وإثبات جديتها في الامتثال قبل انقضاء المهلة وصدور القرار النهائي.

وأخيرا تجدر الإشارة إلي أن الإمارات أعلنت يوم 19 أغسطس وقف الأنشطة التجارية والمعاملات المالية مع إيران “حتى إشعار آخر” 

أي أنه رغم وجود حالة الحرب كانت العلاقات الإقتصادية بين البلدين مستمرة

وقد حرصت الخارجية الإماراتية علي التخفيف من حدة ذلك الموقف ، حيث أصدرت بيانا تضمن:

 ” أن أبوظبي تؤكد مجددًا التزامها بالحوار والتعاون والتكامل الإقليمي، باعتبارها وسائل أساسية لتعزيز السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة” .

وأخيرا ، أظن أنه ليس مطلوبا من أحد أن يكون ملكيا أكثر من الملك ، أو كما يقال بالإنجليزية Don’t be more royalist than the king .

وليس لدي شك أن لمصر تقديرها الإستراتيجي الخاص بأهمية مستقبل العلاقات مع الدولة الإيرانية ، خاصة فيما يتعلق ببناء نظام أمن إقليمي متوازن ، يضمن توازن القوي في المنطقة وتحقيق السلام .

شارك المقال: