مقالات
محمد حماد
محمد حماد

كاتب صحفي

محمد حماد يكتب: الإمبراطورية المهزوزة ترامب يتوعد شركاءه

وكتبت أيضًا عن استنزاف الصيغة القديمة لتداول الحكم بين الحزبين الكبيرين، رغم التغير العميق الذي أصاب القاعدة الانتخابية الأمريكية نفسها

مشاركة:
حجم الخط:

كتبت كثيرًا عن تخبط صانع السياسة الأمريكية، وعن “اللحظة الأمريكية” المليئة بقلق الأفول، وعن الداخل الأمريكي الذي يكشف يومًا بعد آخر انقسامات حادة تتجاوز مجرد التنافس الحزبي التقليدي.

وكتبت أيضًا عن استنزاف الصيغة القديمة لتداول الحكم بين الحزبين الكبيرين، رغم التغير العميق الذي أصاب القاعدة الانتخابية الأمريكية نفسها، واختلاف مصالحها ورؤاها وتصوراتها لمكانة الولايات المتحدة ودورها في العالم.

ولذلك لا أتعامل مع التصريحات الأخيرة للرئيس دونالد ترامب بوصفها مجرد انفعال سياسي عابر، ولا باعتبارها فقط امتدادًا لأسلوبه الصدامي المعروف، بل أراها انعكاسًا للحظة أمريكية أوسع: لحظة تشعر فيها القوة الأكبر في العالم بأن قدرتها القديمة على إدارة النظام الدولي بهدوء وتوافق لم تعد مضمونة كما كانت.

محمد حماد يكتب: هل يفعلها ترامب؟

محمد حماد يكتب: كيف نفهم ترامب ونتعامل معه؟

ومن هنا تحديدًا يمكن فهم الدلالة الحقيقية للتهديد الأمريكي العلني تجاه سلطنة عُمان.

فحين يهدد رئيس أمريكي دولة خليجية حليفة وشريكة استراتيجيًا، لعبت لعقود دور الوسيط الهادئ والحليف الموثوق، فإن المسألة تتجاوز حدود التصريح الصادم إلى ما هو أعمق: تغير الطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى حلفائها، وتغير الطريقة التي تمارس بها نفوذها في العالم.

الإمبراطوريات الواثقة من نفسها لا تحتاج عادة إلى تهديد أصدقائها علنًا. أما حين تبدأ لغة التهديد في التمدد حتى داخل دوائر الحلفاء، فذلك يكشف غالبًا عن قلق أكبر يتجاوز الواقعة نفسها.

لكن لفهم خطورة ما جرى فعلًا، لا يكفي التوقف عند طبيعة التصريح أو حدته، بل يجب النظر أيضًا إلى الطرف الذي وُجه إليه التهديد نفسه.

فسلطنة عُمان ليست دولة دخلت في مواجهة مفتوحة مع واشنطن، ولا طرفًا تموضع داخل المحور المعادي للولايات المتحدة، بل ربما كانت طوال العقود الماضية واحدة من أكثر العواصم الخليجية قدرة على الحفاظ على التوازنات الدقيقة: حليف أمريكي موثوق، وفي الوقت نفسه قناة تواصل هادئة مع إيران، ووسيط حاضر دائمًا حين تُغلق الأبواب بين الخصوم.

ولهذا بدا التهديد الأمريكي وكأنه يتجاوز مجرد الخلاف حول مضيق هرمز أو الحرب مع إيران، ليكشف عن تحول أعمق في طريقة إدارة واشنطن لتحالفاتها نفسها.

ففي الماضي كانت الولايات المتحدة تدير نفوذها عبر مزيج من الحماية والاحتواء وبناء الثقة طويلة المدى مع الحلفاء.

أما اليوم، فيبدو أن منطقًا مختلفًا يتقدم تدريجيًا: منطق الإلزام السياسي والضغط المباشر، حتى داخل الدوائر الحليفة.

وهنا تحديدًا تظهر العلاقة بين “اللحظة الأمريكية” الداخلية وبين السلوك الخارجي لواشنطن.

فالدولة التي تعاني استقطابًا داخليًا حادًا، وتراجعًا في الثقة بمؤسساتها التقليدية، وإنهاكًا اقتصاديًا وسياسيًا من أعباء القيادة الدولية، تصبح أكثر ميلًا إلى إدارة العالم بعقلية القوة العاجلة، لا بعقلية التوازنات المستقرة طويلة المدى.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تهديد ترامب لعُمان: ليس باعتباره حادثة معزولة، بل بوصفه تعبيرًا عن مرحلة تشعر فيها الولايات المتحدة بأن قدرتها على فرض إرادتها عبر النفوذ الهادئ تتآكل تدريجيًا، فتحاول تعويض ذلك بمزيد من الضغط، واستعراض القوة.

وربما لهذا السبب تحديدًا لم يعد القلق الخليجي مقتصرًا على الخوف من إيران أو اضطرابات الإقليم، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بطبيعة التحول الجاري داخل الولايات المتحدة نفسها.

ورأى الخليج خلال السنوات الأخيرة كيف تخلت واشنطن عن حلفاء في لحظات حرجة، وكيف فتحت تفاوضًا مع خصوم حلفائها دون إشراكهم الكامل، وكيف أصبحت أولويات السياسة الأمريكية مرتبطة أكثر بالمنافسة مع الصين، وبأزمات الداخل الأمريكي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا بفكرة الالتزام التقليدي بأمن المنطقة كما كان الحال لعقود.

ولهذا لم يكن مفاجئًا أن تبدأ دول الخليج في إعادة ترتيب حساباتها بهدوء.

تقارب اقتصادي متصاعد مع الصين، وانفتاح سياسي وعسكري على روسيا، ومحاولات لخفض التوتر مع إيران بدل البقاء في حالة صدام دائم، بالتوازي مع استمرار العلاقات الأمنية مع واشنطن.

وهي كلها تحركات لا تعني القطيعة مع الولايات المتحدة، بقدر ما تعكس إدراكًا متزايدًا بأن العالم الذي قامت عليه الهيمنة الأمريكية المطلقة بعد الحرب الباردة لم يعد قائمًا بالصورة نفسها.

لكن المعضلة الحقيقية تبقى في مكان آخر.

فحتى الآن لا توجد منظومة عربية مشتركة قادرة على تحويل هذا القلق الفردي إلى مشروع استراتيجي جماعي. لا توجد إرادة سياسية موحدة تسمح ببناء توازن إقليمي مستقل، ولا تصور عربي متكامل لكيفية التعامل مع عالم يتغير بسرعة، وتتصاعد فيه المنافسات الدولية الكبرى.

ولهذا تبدو كل دولة عربية مضطرة إلى إدارة مخاوفها وحدها، والبحث منفردة عن أفضل صيغة لحماية مصالحها وسط توازنات معقدة ومفتوحة على احتمالات كثيرة.

ومن هنا يصبح السؤال الأخطر في المرحلة المقبلة: إذا تحولت الضغوط الأمريكية في ملفات مثل التطبيع أو الترتيبات الأمنية إلى صيغة “الإلزام السياسي”، فهل تستطيع الدول العربية أن تتحرك جماعيًا؟ أم أن كل عاصمة ستدخل وحدها إلى غرفة التفاوض، بحثًا عن أفضل شروط النجاة؟

التاريخ الحديث لا يقدم إجابة مطمئنة كثيرًا. فالعمل العربي المشترك ظل في أغلب اللحظات الكبرى أقرب إلى لغة البيانات منه إلى بناء موازين قوة حقيقية.

ومع ذلك، فإن ما جرى مع سلطنة عُمان يكشف حقيقة مهمة ربما تتجاوز حدود الأزمة الحالية نفسها: أن النفوذ الأمريكي، مهما بقي قويًا عسكريًا، بدأ يواجه مشكلة متزايدة في الحفاظ على صورته القديمة بوصفه مصدرًا للطمأنينة لدى الحلفاء.

وهذه ليست مسألة رمزية كما قد تبدو.

فالإمبراطوريات لا تقوم فقط على حاملات الطائرات والقواعد العسكرية، بل تقوم أيضًا على الثقة. وعلى اقتناع المحميين بأن بقاءهم داخل المظلة الكبرى يمنحهم أمانًا واستقرارًا ومجالًا للحركة.

وعندما يبدأ هذا الشعور في التآكل، تبدأ التحالفات نفسها في فقدان تماسكها تدريجيًا، حتى لو ظلت قائمة شكليًا.

ولهذا ربما لا يكون أخطر ما في تهديد ترامب لعُمان أنه كشف قسوة الخطاب الأمريكي، بل أنه كشف هشاشة الثقة التي كانت تمنح هذا الخطاب ثقله وهيبته.

لا جدال في أن الولايات المتحدة لا تزال القوة الأكبر في العالم، لكنها تبدو اليوم أقل ثقة، وأكثر عصبية، وأشد ميلًا لاستخدام لغة الضغط المباشر حتى مع الشركاء.

المشكلة لم تعد في حجم القوة وحده، بل في الطريقة التي تُستخدم بها هذه القوة، وفي مقدار القلق الذي أصبح ظاهرًا خلفها.

وفي التاريخ، لم تبدأ الإمبراطوريات في خسارة نفوذها يوم ضعفت عسكريًا فقط، بل يوم بدأ حلفاؤها يشعرون أن الاحتماء بها قد يتحول في أي لحظة إلى خوفٍ منها.

ملاحظة مهمة:

(أدرك جيدًا ان تعبير مثل الحلفاء أو الشركاء لا ينطبق على طبيعة العلاقة بين أمريكا والدول طالبة الحماية، أو تلك التي تتحدث عن علاقة مميزة مع واشنطن، ولكني استخدمتها حسب التعريفات المتداولة إعلاميًا لبيان عمق المأساة بين الكاوبوي ومن يُسمون حلفاؤه)

#محمد_حماد

شارك المقال: