مقال بوك
محمد بدر الدين
محمد بدر الدين

كاتب وناقد صحفي

محمد بدر الدين يكتب: نور الشريف محارب في معارك الجيل

نور الشريف هو بطل فيلمي "أهل القمة" 1981، و"سواق الأتوبيس" 1983، وعندنا أن لهذين الفيلمين مكانة خاصة مميزة من ناحيتين

مشاركة:
حجم الخط:

“نور” القاهرة والناس 

عشرة عمر.. بالنسبة لجيل بأكمله، منذ إطلالته الأولى علينا، فتى يافعاً مستبشراً، فناناً مبشراً، في حلقات الدراما التليفزيونية “القاهرة والناس”، التي كان ينتظرها ويتابعها بشغف المصريون أخريات ستينيات القرن العشرين.

أسست لاسم وقيمة محمد فاضل مخرجاً، وعاصم توفيق ومصطفى كامل مؤلفين، لا يوجد عمل إبداعي في تاريخ الدراما التليفزيونية لدينا، اقترب من المصريين عامة والطبقة المتوسطة خاصة، مثل “القاهرة والناس”

في كل حلقة قضية، حقيقية معاشة، بإبداع درامي وجمالي صادق بسيط بقدر ما هو عميق وأخاذ، من خلال أسرة تشبهنا تماماً، المصريين ككل وشرائحهم المتوسطة على وجه أكثر تطابقاً.

الأب محمد توفيق هو أب آخر لنا نحن أيضاً، وعزيزة حلمي أمنا، وكريمة مختار عمتنا.

ونور الشريف وإخوته والذين معه من جيله، (فاطمة مظهر، نادية رشاد، أشرف عبد الغفور، بوسي، نورا..) هم نحن.

ولذلك فقد ظل لهؤلاء الواعدين وحتى أصبحوا نجوماً، موقعاً خاصاً لدينا.

وحتى البنت التي أحبها “نور” (ولا أتذكر الاسم لأنها للأسف لم تستمر في التمثيل ولم أسمع عنها بعدها..) فقد كانت أول حب في حياتي بدوري (توحداً مع “نور”)

كانت من شريحة اجتماعية غيره، لعلها الأرقى في الطبقة المتوسطة

لكن الأهم أنها كانت مثالاً نموذجياً للرقي الإنساني والنقاء والبراءة والتلقائية، وللصفاء الكامل من غير عقد من أي نوع.

كانت ملامح وإيماءات ونظرات الممثلة الشابة التي اختارها فاضل للدور، تعبر عن كل هذه المعاني حتى من غير أن تتكلم!.

نور الشريف بعد حلقات العمل التليفزيوني العظيم (الحميم) “القاهرة والناس” هو الشاب الشقي المقبل على الحياة والمغامرات في أفلام السبعينيات، بقدر ما هو الفتى المتأمل المرهف في “قصر الشوق” (كمال عبد الجواد الذي قال نجيب محفوظ أنه أكثر شخصية في كل أدبه تعبر عن سيرته وملامحه الداخلية)

محمد بدر الدين يكتب: المعلم النبيل محمد عودة

وتتنوع أعمال نور عن أدب نفس المبدع العملاق

والذي قال عنه نور:

“بجيب محفوظ شيخي.. وأنا أحد المريدين”، ومنذ شخصية الفتى المأزوم في رواية نسيج وحدها لعلها العمل السيكولوجي الوحيد في أدب محفوظ، إلى “ملحمة الحرافيش” مروراً “بأهل القمة” السياسي و”قلب الليل” الفلسفي.

“نور” هو الذي خاض مع جيلنا وأجيال مصر المعاصرة كل معاركنا، ابتداء من الدفاع عن وجه الوطن وجماهيره العريضة المطحونة في وجه غول الشر القادم المتغلغل من رأس السلطة إلى أصغر موضع وقدم للفساد، باسم الانفتاح منذ عام 1974، وما هو إلا عودة لشرور راس المال الناهب بلا رادع وسيطرته على الحكم.

والذي قضت عليه ثورة ناصر في 1952

واليوم يجئ زحف يهوذا المدعوم بالدخيل الشره ليعيدوا إلى ما كان كل شئ وكل شر ونهب!!

لذلك فإن “نور” هو أكثر وأوضح ممثل في حياتنا إعلاناً وتأكيداً لانتمائه “الناصري” بقدر ما أن “نور” في تقديرنا هو أكثر وأعمق الممثلين ثقافة لدينا، بكل الأبعاد والمعاني الدقيقة لكلمة الثقافة.

نور الشريف هو بطل فيلمي “أهل القمة” 1981، و”سواق الأتوبيس” 1983، وعندنا أن لهذين الفيلمين مكانة خاصة مميزة من ناحيتين.

أولاً من الناحية الفكرية السياسية، فهما من أولى الأفلام المتصدية المتحدية لشرور غول الانفتاح وحيتان الاستغلال والهيمنة على كل المستويات، العائدة لتنتقم، ولتطيح بكل قيمة إنسانية.

وثانياً من الناحية الفنية الجمالية، ففيلم “أهل القمة” (محفوظ/ علي بدرخان/ سعاد حسني) هو أعلى إرهاصة بمقدم موجة تجديد السينما الكبرى التي بدأت مع الثمانينيات، وكانت أولى بداياتها القوية فيلم “سواق الأتوبيس” (عاطف الطيب/ بشير الديك/ ميرفت أمين).

بدأ الطيب الموجة مع رفقائه من فرسانها محمد خان،خيري بشارة، رأفت الميهي/ داود عبد السيد.

وكان الفرسان إلى جانب الإخراج في كل عنصر وميدان، وفي التمثيل كان “نور” في مقدمة الفرسان.

كما أفتتح “القوس” في سينما الطيب بـ “سواق الأتوبيس”، كان نور معه أيضاً في القوس الأخير (ليلة ساخنة) وبينهما قضية “قلب الليل” بتأملاتها وإطلالتها الفلسفية.. ومعركة “ناجي العلي” بكل احتدامها وضراوتها.

إذا كان “أهل القمة” قد مر بصعوبة، وبمحاولة لنور شخصياً واتصاله برئيس الجمهورية، فهو فيلم آخر أعوام السادات (1981)

فإن “ناجي العلي” حورب كما لم يحورب فيلم آخر في عهد مبارك الطويل.

إلى حد تخصيص إحدى مؤسسات الصحافة الثلاث الكبرى للدولة (الأخبار) كأداة لمحاربة الفيلم وتشويه كل المساهمين فيه، مع تركيز مروع على “نور” كبطل ومنتج.

إلى حد أن رأس المؤسسة (سعدة) لم يتوقف ولقرابة ستة شهور عن لعن ونعت نور الشريف بكل نقيصة وبالعمالة، والخيانة للوطن الذي هو في عرفهم طبعاً “الحاكم”، بل جميع الحكام العرب، فقد كانت رسوم “العلي” كلها ضد الحكام العرب كلهم، ونهجهم الاستسلامي “الكامب ديفيدي”.

وقد ظل بطل ورمز “العلي” المضئ هو ناصر وحده، ولم يكن ذلك يرضي أحداً من أول رئيس إلى آخر ملك وأمير وشيخ نفطي!!

أيامها أول مرة ألتقي نور الشريف ونتحاور.

حينما جاءنا جمعية نقاد السينما المصريين (36 شارع شريف) ليشكرنا على “مساندتنا القوية بلا حدود له وللفيلم” قال وقلنا الكثير.

وأذكر أن مما قلت: إننا نساند “ناجي العلي” الفيلم ومبدعيه، و”ناجي العلي” الرسام وإبداعاته، لأن قضيتنا هي تحرير هذا الوطن وحرية التعبير والإبداع فيه بهدف التقدم الحقيقي على كل مستوى.

مع داود عبد السيد خاض الشريف نفس المعركة ضد التخلف والنهب في البلاد، وبهدف تقدمها ونهوضها (الصعاليك/ البحث عن سيد مرزوق)

كما أبدع نور مع شيخ المبدعين يوسف شاهين

مؤدياً في مرة شخصية شاهين نفسها (حدوتة مصرية، الذي يصفه: أصعب أدواري)

ومرة أخرى  في (المصير) شخصية ابن رشد آخر فلاسفة أمتنا من الطراز العملاق الاستثنائي، بقدر ما هو رمز التنوير والنهوض الحضاري الإنساني.

أدى نور الشريف سيرة حياة أعلام ومشاهير عديدين

ومن أبرزهم أيضاً في مسلسلين:

الراشد الخامس الخالد عمر بن عبد العزيز، وأسطورة الأمة العربية الإسلامية هارون الرشيد.

لكن ظل بالنسبة له: “حلم الأحلام” أن يؤدي شخصيتين: “الحسين” و”جمال عبد الناصر”.

كان قاب قوسين أو أدنى من الحلم الأول، أنجز كل بروفات العرض المسرحي ومجهوداتها (عن نص الشرقاوي البديع ذائع الصيت بجزئيه وبإخراج متألق لسيد الإخراج المسرحي كرم مطاوع)

وفي ليلة العرض الأولى جاءت جحافل التحجر و”التتر الجدد” لتوقف كل شئ.

تحت سطوة موقف المؤسسة الأزهرية التي في حال يرثى لها، والتي تحتاج ليس للتجديد بل وأن “ترثى” لتولد من جديد!!

أما جمال عبد الناصر.. فقد ظل بالنسبة لنور الشريف حلمه وفيلمه القديم، الدائم، صعب التحقق بعيد المنال، في ظل أنظمة معادية لكل ما يمثله ناصر وكل من يمثلهم.

وهو حلم قديم لديه وأسبق بكثير حتى من “ناصر 56″، الذي مر بصعوبة وبمعجزة لا تتكرر في نفس الظروف!

وكان “نور” سعيداً بها و”بأحمد زكي” الذي كان يصفه عادة بتواضع جميل حقيقي: (زكي أفضلنا).

أذكر أني خلال حوار صحفي طويل مع مخرج الأمة العظيم الشهيد مصطفى العقاد، في إحدى زياراته لمصر، أثناء دورة لمهرجان القاهرة.

سألته عن حلمه بدوره في إخراج فيلم عن “جمال عبد الناصر”

فقال: “مشكلتي في أمرين: الأول التمويل.

لكن الأهم من أين نأتي بممثل يقنع الناس بعبد الناصر؟

إنني أجهز حالياً مشروع فيلمي عن صلاح الدين الأيوبي، هذا ممكن، لكن جمال عبد الناصر بروحه وملامحه وإيماءاته و”الكاريزما” الاستثنائية لديه، لا يزال يعيش بين الناس، قريب عهد بالنسبة لهم، نابض ومؤثر جداً وآسر.. ليس كالأيوبي أو أي شخص تاريخي آخر لم يعرفوه ويعايشوه هكذا..”

فقلت للعقاد:

“أعرف أن لدى نور الشريف مشروعاً مثل مشروعك، أمل تحقيق فيلم عن ناصر، يليق بناصر وبتجربته، لماذا لا ينضم مشروع كليكما للآخر؟”

قال لي: “هذا كلام مهم، يستحق التفكير فعلاً وبحثه..”

لكن لم تمهل المبدع العملاق، نفس قوى التخلف والعنف باسم الدين، وأردته تفجيراتها الشيطانية شهيداً في العاصمة الأردنية ذات آونة سوداء قاصمة.

واليوم يغمض “نور” عينيه، ويسافر بعيداً تاركاً فينا إبداعات تكفي وزيادة ومن كل بستان.

وكانت آخر زهرة (أو فيلم الوداع) بعنوان “بتوقيت القاهرة”:

الفيلم المرهف بمعالجته وشخوصه، بالدور الذي أداه “نور”، في ذروة تألقه وخبرته، شخصية المسن الباحث عن الحب والجمال والذاكرة، وشخصية الحسناء وعشق العمر التي لا يكف رغم الإعياء و”الزهايمر” عن البحث عنها.

في ظل ملابسات وسفه نفس التيار باسم الدين، الذي بات حتى يفتي ويطلب من هذه الحسناء الممثلة المعتزلة، أن يتم طلاقها بجد، من أي ممثل قامت بدور زوجته في أي فيلم!!

وقد أدت الدور برقي واقتدار ميرفت أمين، رفيقة مشوار نور الشريف الإبداعي، والعمل ضمن أكبر نسبة من الأفلام تجمع بين نجمة ونجم كبيرين.

منذ أفلام مبكرة لهما قبل أكثر من أربعة عقود، إلى “فيلم الوداع”.
وبعد.
نور: لم نكن نعرف أننا نحبك إلى هذا الحد.

شارك المقال: