ماسبيرو: من خزينة الدولة الرابحة إلى مقصلة الديون والخصخصة المبطنة

صورة تعبيرية للمقال
أولاً: الخطيئة الكبرى.. كيف كان ماسبيرو يدر المليارات؟
في حقب السبعينيات والثمانينيات ومطلع التسعينيات، لم يكن اتحاد الإذاعة والتلفزيون عبئاً على موازنة الدولة.
بل كان “بقرة حلوب” ووزارة رابحة تعود أرباحه بالملايين (من العملة الصعبة أحياناً) إلى الخزانة العامة للدولة.
كانت شاشات ماسبيرو هي المنصة الإعلانية الحصرية في مصر والمنطقة العربية.
كانت فواصل الإعلانات في مبنى الإذاعة والتلفزيون تدر عوائد ضخمة تكفي لتمويل التوسع التقني، وإنتاج الدراما التاريخية، ودفع مكافآت العاملين دون اللجوء لطبع النقود أو الاقتراض.
د. محمد فؤاد يكتب: نقابة مهندسة خارج التاريخ
ثانياً: من تسبب في الانهيار؟
عصر الاستنزاف والبيروقراطية الموجهة (عقود التسعينيات وما بعدها):
تحت إدارة أسماء مثل صفوت الشريف ومن جاءوا بعده على رأس وزارة الإعلام وقيادة المبنى، تحول ماسبيرو إلى “عزبة سياسية” للترضيات وتعيين أهل الثقة على حساب أهل الكفاءة.
جرى اغراق المبنى بالاف الموظفين غير المؤهلين دون حاجة حقيقية، حتى وصل التضخم الهيكلي إلى ما يزيد على 34 ألف موظف، تحولت رواتبهم ومعاشاتهم إلى قنابل موقوتة تُدفع بالاستدانة.
سياسة التجفيف الممنهج لصالح الإعلام الخاص:
لم يكن تراجع ماسبيرو مجرد صدفة تكنولوجية، بل كان نتيجة إرادة سياسية واقتصادية متعمدة لتجفيف منابع الإعلانات الرسمية وتحويلها تدريجياً لصالح شبكات إعلامية وقنوات خاصة مملوكة لرجال أعمال مقربين من السلطة في أواخر عهد مبارك وبعده.
تم تسليم “تورتة” الإعلانات على طبق من فضة للقطاع الخاص، وبقي ماسبيرو محكوماً بقيود القطاع الحكومي مع حرمان مصادر دخله الحقيقية.
جريمة الاقتراض الانتحاري من بنك الاستثمار القومي:
بدلاً من هيكلة حقيقية تنقذ المؤسسة، لجأت الإدارات المتعاقبة (بدعم صمت حكومي مطبق) إلى حل شيطاني: الاقتراض الشهري لسداد الرواتب.
كان بنك الاستثمار القومي يمنح قروضاً لتمويل “الاستهلاك الجاري” لا “الاستثمار الإنتاجي”
وتراكمت الفوائد المركبة حتى وصلت إلى الرقم الفلكي (88.3 مليار جنيه) وهو ما يعكس تواطؤاً إدارياً ومالياً استمر عقوداً في ترحيل الأزمات بدلاً من حلها جراحياً.
إدخال “الشركات السيادية” وتفريغ محتوى الدولة:
في مرحلة لاحقة، وبدلاً من إنقاذ التلفزيون الرسمي وتمكينه بذاته، جاءت ضربة أخرى عبر توقيع بروتوكولات احتكار مع كيانات خاصة (مثل شركة “المتحدة” للخدمات الإعلامية التابعة للأجهزة السيادية) لإدارة المحتوى والشاشات الرئيسية.
وتهميش الكوادر التاريخية داخل المبنى، مما أدى إلى تفريغ ماسبيرو من مضمونه السيادي وتحويله إلى مبنى شبه مهجور يدير الصدى ولا يصنعه.

ثالثاً: خلف كواليس التسوية التاريخية.. أين ذهبت الأصول؟
إعلان تسوية الـ 88.3 مليار جنيه مع بنك الاستثمار القومي ليس “هدية” مجانية، بل هو عملية إبراء ذمة مالية على أنقاض أصول الدولة.
السؤال الذي تتهرب الحكومة من إجابته بوضوح:
ما هي الأراضي والعقارات والأصول الاستراتيجية التي تم التنازل عنها لوزارة المالية أو بنك الاستثمار مقابل هذه التسوية؟
لقد تم استخدام أصول ماسبيرو العقارية والتاريخية لسداد فاتورة أخطاء إدارية لم يرتكبها موظفو المبنى البساطة، بل ارتكبتها منظومة سياسية وإدارية تعاملت مع الإعلام الرسمي كعبء يجب التخلص منه أو تقليص دوره.
رابعاً: النتيجة الحتمية المرة
اليوم، وبعد إسقاط المديونية الدفترية، يقف ماسبيرو عارياً من أدواته، بلا إيرادات ذاتية حقيقية.
بلا أرشيف يتم استثماره بمعزل عن الشركات الاحتكارية، ومعلقاً بين مطرقة معاشات لم تُحسم نهايتها وسندان هيكلة إدارية مجهولة المصير.
المتسببون واضحون:
سياسات عهد أهدرت الموارد، وإدارات جبانة رحّلت الأزمات، وحكومات تعمدت إسقاط الإعلام العام لتفسح المجال لكيانات احتكارية جديدة.
فهل تنجح التسوية الحالية في تصحيح المسار، أم أنها مجرد تصفية حسابات أخيره لعصر الإعلام القومي برمته؟






