لبنان بين التصعيد والتفاوض: كيف يُعاد تشكيل دولة تحت الضغط؟
في القرى الجنوبية، لم يعد الليل زمنًا للراحة، بل مساحة مفتوحة للقلق، أصوات الطائرات لا تغادر السماء، والبيوت التي كانت عامرة بالأمس أصبحت نقاطًا على خريطة الاستهداف.

صورة تعبيرية للمقال
مدخل إنساني: حين يصبح الوطن خبرًا عاجلًا
في القرى الجنوبية، لم يعد الليل زمنًا للراحة، بل مساحة مفتوحة للقلق.
أصوات الطائرات لا تغادر السماء، والبيوت التي كانت عامرة بالأمس أصبحت نقاطًا على خريطة الاستهداف.
عائلات تحمل ما تستطيع، وتغادر على عجل، لا تعرف إن كانت ستعود، ولا متى طفل يسأل عن مدرسته، وأم تبحث عن دواء، ورجل يقف أمام منزله للمرة الأخيرة دون أن يدرك إن كان يودّعه.
هنا، لا تبدأ السياسة من القاعات ولا من البيانات، بل من هذا المشهد البسيط:
حياة يومية تُقتلع ببطء تحت وقع صراع لا يملكه أصحابها
ومن هذه النقطة تحديدًا، يبدأ فهم ما يجري في لبنان اليوم.
أبطال وخونة (2) النهايات المريحة
د. محمد الغمري يكتب: هم الحرب البرية ضد إيران
د. محمد الغمري يكتب: ترامب “الكابوي” حين تتحول الأسطورة إلى ترند
د. محمد الغمري يكتب: اختبار لبنان
1. تصعيد محسوب يعيد رسم قواعد اللعبة
ما يجري في لبنان يمكن فهمه ضمن ما يمكن تسميته بمنطق المسار المركب، حيث لا يُحسم الصراع بضربة واحدة، بل عبر تراكب الضغط العسكري والسياسي والزمني لإنتاج تحول قسري في بنية الفاعلين والدولة.
لم يعد ممكنًا النظر إلى ما يجري بوصفه مجرد تصعيد عسكري عابر، أو حتى جولة جديدة من الصراع مع إسرائيل. فالمشهد الراهن يكشف عن نمط أكثر تركيبًا، حيث تتحول الضربات إلى سياسة مستمرة، لا إلى ردود فعل مؤقتة.
خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت وتيرة العمليات الإسرائيلية بشكل شبه يومي، مستهدفة الجنوب والبقاع وأطراف الضاحية، مع توسع واضح في بنك الأهداف ليشمل بنى لوجستية وقيادات ميدانية وشبكات إمداد.
النزوح الكبير ورد حزب الله
وتشير تقديرات ميدانية إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى، إلى جانب نزوح عشرات الآلاف من السكان من المناطق الحدودية، مع تضرر ملحوظ في البنية التحتية والخدمات الأساسية⁶.
في المقابل، لم يتوقف حزب الله عن الرد، لكنه حافظ على سقف محسوب، عبر صواريخ محدودة المدى وطائرات مسيّرة، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
هذا التفاوت بين شدة الضربات وطبيعة الرد يكشف أن الطرفين يتحركان داخل قواعد اشتباك غير معلنة، تُبقي الصراع نشطًا دون تفجيره.
المفارقة الأكثر دلالة أن هذا التصعيد يجري بالتوازي مع مسار تفاوضي نشط بوساطة أمريكية. إسرائيل تواصل عملياتها بينما تدخل في محادثات، في حين تسعى الدولة اللبنانية إلى وقف إطلاق النار كمدخل لأي اتفاق.
وفي تصريح رسمي لوزارة الدفاع الإسرائيلية (أبريل 2026)، تم التأكيد على أن:
“العمليات ستستمر حتى يتم ضمان إزالة التهديد على الحدود الشمالية”¹
وهو ما يعكس بوضوح أن التفاوض لم يعد بديلًا عن الحرب، بل أداة ضمنها.
هذا النمط يعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا: لم تعد إسرائيل تسعى فقط إلى ردع حزب الله، بل إلى تفكيك البيئة التي ينتج فيها.
الضربات لم تعد محصورة في خطوط التماس، بل امتدت إلى العمق، واستهدفت شبكات مرتبطة بإيران، في ما يشبه إعادة هندسة تدريجية للمشهد الأمني في لبنان.
2. لبنان في قلب الصراع الإسرائيلي–الإيراني
ما يحدث في لبنان لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع بين إسرائيل وإيران، فلبنان يمثل بالنسبة لطهران خط تماس متقدم وورقة ردع استراتيجية، بينما تنظر إليه إسرائيل كأقرب ساحة يمكن من خلالها تقليص النفوذ الإيراني.
لذلك، فإن مستوى التصعيد في لبنان لا يُحدد داخليًا فقط، بل يرتبط بإيقاع التفاعل بين واشنطن وطهران.
تشير تقديرات مشروع التهديدات الحرجة (أبريل 2026) إلى أن وتيرة عمليات حزب الله شهدت تراجعًا نسبيًا خلال فترات التهدئة غير المباشرة مع إيران، وعادت للارتفاع مع تعثر المسارات التفاوضية.
كما ترى تحليلات مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (أبريل 2026) أن إسرائيل تستثمر هذه اللحظة لإعادة ترتيب ميزان القوة في لبنان، مستفيدة من الضغط الإقليمي والظرف الدولي.
وفي تقرير صادر عن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (أبريل 2026)، جاء أن:
“إسرائيل تتعامل مع الجبهة الشمالية كجزء من صراع ممتد مع إيران، لا كملف منفصل يمكن احتواؤه مؤقتًا”
كما يشير الباحث الأمريكي ناثان براون (2026) إلى أن إسرائيل تتحرك ضمن ما يسميه “منطق الحرب الطويلة”، حيث لا يُنظر إلى المواجهة باعتبارها حدثًا مؤقتًا، بل كمسار ممتد لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
بل إن التقدير الأكثر صراحة في هذا السياق يتمثل في أن:
لبنان لم يعد ساحة صراع فقط، بل تحول إلى أداة تفاوض مباشرة في معادلة الصراع الإيراني–الإسرائيلي
وفي هذا السياق، تتضح حدود الدور الأمريكي، فوفق تصريحات وتحليلات رسمية خلال مارس–أبريل 2026، تعمل واشنطن على إدارة مستوى التصعيد دون إنهائه، بحيث يبقى ضمن سقف يمنع الانفجار الشامل، لكنه يسمح بإحداث تغييرات تدريجية في ميزان القوى⁵.
3. دولة تحت الاختبار ومسار مفتوح على الحسم أو الانفجار
في الداخل اللبناني، تتكشف الأزمة في صورتها الأكثر حدة. الدولة تعلن بوضوح رغبتها في حصر السلاح واستعادة القرار السيادي، لكنها تفتقد الأدوات اللازمة لفرض ذلك، فهي تتحرك سياسيًا ودبلوماسيًا، لكنها لا تملك القوة التنفيذية التي تجعل قراراتها نافذة.
في المقابل، لا يخوض حزب الله معركة عسكرية فقط، بل معركة على تعريف دوره. فهو لا يريد حربًا شاملة، لكنه يرفض في الوقت نفسه أن يُعاد اختزاله كفاعل محلي محدود. هذا التوازن الدقيق يعكس محاولة للحفاظ على موقعه الإقليمي دون دفع كلفة وجودية
لكن المشكلة لم تعد في غياب القرار، بل في أن القرار نفسه أصبح يُنتج خارج الدولة.
هل يمكن أصلًا لدولة لا تحتكر السلاح أن تستعيد سيادتها تحت الضغط الخارجي؟
الإجابة الواقعية، حتى الآن، تشير إلى أن ما يحدث ليس استعادة سيادة، بل إعادة تعريف قسري لها.
يمكن اختزال اللحظة في معادلة حاكمة:
“ضغط إسرائيلي على بنية النفوذ الإيراني
• إدارة أمريكية للتصعيد دون حسم
• تمسك إيراني بلبنان كورقة استراتيجية
• عجز داخلي عن فرض القرار
= انتقال قسري غير محسوم في بنية الدولة اللبنانية”
هذا المسار لا يتجه في المدى القريب إلى حرب شاملة، كما لا يبدو أنه يقود إلى تسوية سريعة.
السيناريو الأكثر ترجيحا
السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار الاستنزاف المنضبط: ضربات متواصلة، ردود محسوبة، وتفاوض مفتوح، لكن هذا التوازن الهش يحمل في داخله خطر الانفجار.
هناك ثلاث إشارات حاسمة يجب مراقبتها:
• اتساع الضربات لتشمل البنية المدنية بشكل منهجي
• انتقال حزب الله إلى ردود نوعية تكسر قواعد الاشتباك
• حدوث اختراق في التفاوض الإقليمي مع إيران
بهذا المعنى، لا يمر لبنان بمرحلة أزمة، بل بمرحلة إعادة تعريف بنيوي لشكل الدولة ووظيفتها.
في النهاية، لا يتحرك لبنان اليوم وفق قراره الداخلي، بل داخل إيقاع إقليمي تُضبط ملامحه بين إسرائيل وإيران، وتديره الولايات المتحدة. وهذا التحول لا يجري بالتوافق… بل بالضغط.
لبنان لا يُعاد تشكيله اليوم… بل يُعاد تعريفه تحت الإكراه.





