فورين أفيرز: أزمة هرمز قد تدخل مرحلة أخطر وتعيد رسم جغرافيا الطاقة العالمية
قد يؤدي استمرار إغلاق مضيق هرمز وتصاعد القتال إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، خصوصًا مع تراجع المخزونات وزيادة الطلب وارتفاع أسعار الديزل ووقود الطائرات، بينما تواجه أوروبا ضغوطًا إضافية لتأمين الطاقة قبل الشتاء.

حذرت مجلة فورين أفيرز من أن أزمة مضيق هرمز قد تدخل مرحلة أكثر خطورة إذا استمر إغلاق الممر المائي
وتصاعد القتال في المنطقة، مشيرة إلى أن الهدوء النسبي في أسواق النفط خلال الأشهر الماضية لا يعني انتهاء مخاطر أزمة الطاقة.
وفي تحليل للكاتبين جيسون بوردوف وميغان إل. أوسوليفان، ترى المجلة أن الأسواق العالمية استفادت حتى الآن
من مجموعة استثنائية من العوامل التي حدّت من تأثير اضطراب إمدادات الطاقة، إلا أن هذه العوامل بدأت تضعف تدريجيًا.
وتحذر المجلة من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام،
خصوصًا مع تراجع المخزونات وازدياد الضغوط على أسواق المنتجات النفطية، وفي مقدمتها الديزل ووقود الطائرات.
لماذا لم ترتفع أسعار النفط بصورة أكبر؟
هل يحق لأي طرف فرض رسوم على عبور مضيق هرمز؟
رغم استمرار اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لفترة طويلة، لم تشهد أسعار النفط حتى الآن الارتفاعات التي توقعها كثير من المحللين عند بداية الأزمة.
وتفسر «فورين أفيرز» ذلك بوجود عدة عوامل ساعدت الأسواق على امتصاص الصدمة.
فقد دخلت أسواق النفط الأزمة وهي تتمتع بمستويات مرتفعة نسبيًا من المعروض والمخزونات. وفي الوقت نفسه، استثمرت دول خليجية، خصوصًا السعودية والإمارات، في إنشاء مسارات بديلة لنقل جزء من النفط بعيدًا عن مضيق هرمز.
كما ساهمت الحكومات والشركات في تخفيف الضغوط من خلال الاحتفاظ بمخزونات استراتيجية وتجارية يمكن استخدامها عند حدوث اضطرابات في الإمدادات.
وبالتالي، لم تنتقل صدمة المضيق إلى الأسواق العالمية بالحجم الذي كان متوقعًا في البداية.
الصين ساعدت في تخفيف صدمة النفط
إلى جانب المخزونات والمسارات البديلة، لعبت الصين دورًا مهمًا في المحافظة على توازن سوق النفط العالمي، وفق تحليل المجلة.
فقد خفضت بكين وارداتها النفطية، مستفيدة من قدرتها الكبيرة على إدارة مخزوناتها وتكرير النفط وإعادة تصدير جزء من المنتجات النفطية.
وساعد انخفاض الطلب الصيني على تخفيف جزء من الضغط على السوق العالمية، خصوصًا في مرحلة كانت فيها إمدادات النفط تواجه اضطرابات كبيرة.
لكن هذه القدرة على امتصاص الصدمة ليست بلا حدود.
ترامب: حركة سفن النفط تستأنف عبر مضيق هرمز
المرحلة الثانية من أزمة هرمز قد تكون أكثر تكلفة
ترى «فورين أفيرز» أن الظروف التي ساعدت الأسواق على تجاوز الأشهر الماضية أصبحت أكثر هشاشة.
فالمخزونات تتراجع، والطلب على الطاقة يتعافى، بينما أصبحت بعض طرق نقل النفط البديلة أكثر عرضة للمخاطر.
وفي الوقت نفسه، تتعرض البنية التحتية للطاقة للهجمات، وقد يحتاج إصلاح بعض المنشآت المتضررة إلى سنوات.
لهذا السبب، يحذر التحليل من أن المرحلة التالية من أزمة مضيق هرمز قد تكون أكثر تأثيرًا من المرحلة الأولى.
وتزداد المخاطر إذا تحول الصراع إلى مواجهة عسكرية أوسع، أو امتد إلى دول أخرى في المنطقة، أو استمر تعطيل حركة السفن عبر المضيق لفترة طويلة.
الخطر لا يتعلق بالنفط الخام فقط
ولا تقتصر المخاوف على أسعار النفط الخام.
فأسواق المنتجات النفطية تواجه بالفعل ضغوطًا أكبر، خصوصًا في الديزل ووقود الطائرات.
وتشير المجلة إلى أن أسعار هذه المنتجات ارتفعت بصورة أكبر من الزيادة التي توحي بها أسعار النفط الخام وحدها، في إشارة إلى أن أزمة التكرير والإمدادات أصبحت عنصرًا أساسيًا في الأزمة.
وهذا يعني أن التأثير الاقتصادي قد يظهر في قطاعات النقل والصناعة والطيران والزراعة، حتى في حال بقيت أسعار النفط الخام أقل من مستويات الذروة التي شهدتها أزمات طاقة سابقة.
أوروبا تواجه اختبارًا جديدًا قبل الشتاء
وتبرز أوروبا باعتبارها إحدى أكثر المناطق عرضة لتداعيات أزمة الطاقة.
فارتفاع أسعار المنتجات النفطية يضيف ضغوطًا جديدة على القارة، في وقت تحتاج فيه الدول الأوروبية إلى إعادة بناء مخزونات الغاز الطبيعي استعدادًا لفصل الشتاء.
وبحسب تحليل «فورين أفيرز»، فإن ارتفاع تكلفة الطاقة وصعوبة إعادة ملء المخزونات قد يتركان أوروبا في وضع أكثر هشاشة أمام الضغوط الجيوسياسية.
وتزداد المشكلة تعقيدًا إذا استمرت أزمة هرمز بالتزامن مع ارتفاع الطلب على الطاقة خلال أشهر الشتاء.
لماذا لا تعكس أسعار النفط حجم الأزمة بالكامل؟
تحذر المجلة من الاعتماد على أسعار النفط العالمية باعتبارها المؤشر الوحيد لتقييم تأثير أزمة هرمز.
فالسعر العالمي قد يبدو مستقرًا نسبيًا، بينما تتحمل بعض المناطق تكلفة أكبر بكثير.
وخلال الأزمة، تعرضت دول في آسيا وأوروبا لضغوط مرتبطة بارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات والحاجة إلى تقنين الاستهلاك، في حين تمتعت الولايات المتحدة والصين بقدرة أكبر على مواجهة الصدمة بسبب موقعهما في النظام العالمي للطاقة وامتلاكهما أدوات أوسع للتكيف.
وبذلك، فإن الرقم المعلن لسعر النفط لا يعكس بالضرورة حجم الضرر الذي تتعرض له الاقتصادات والمستهلكون في مختلف أنحاء العالم.
هرمز يعيد رسم جغرافيا الطاقة
ولا تتوقف أهمية الأزمة عند تأثيرها المباشر على أسعار النفط.
فاضطراب مضيق هرمز يعيد طرح سؤال أوسع حول جغرافيا الطاقة العالمية ومدى قدرة الدول على حماية إمداداتها عندما تتعرض الممرات البحرية الرئيسية للخطر.
وتشير «فورين أفيرز» إلى أن الاستثمارات التي نفذتها الحكومات والشركات خلال السنوات الماضية في المخزونات الاستراتيجية والبنية التحتية البديلة أثبتت أهميتها خلال الأزمة الحالية.
لكن استمرار الأزمة لفترة أطول قد يستنزف هذه الاحتياطيات ويقلل قدرة النظام العالمي على امتصاص صدمات جديدة.
العالم ليس محصنًا ضد أزمة طاقة جديدة
وترى المجلة أن الأشهر الماضية لا تثبت أن الاقتصاد العالمي أصبح محصنًا ضد أزمات الطاقة.
على العكس، فإن قدرة الأسواق على الصمود تعكس نجاح الاستثمارات السابقة في أمن الطاقة، إلى جانب دور قوى السوق والسياسات الحكومية في الحد من تأثير الصدمة.
لكن هذه القدرة تحتاج إلى إعادة بناء مستمرة.
فإذا استمرت الدول في استهلاك الاحتياطيات دون تعويضها، أو تأخرت الاستثمارات في البنية التحتية البديلة، فقد تصبح الأسواق أكثر تعرضًا لأي اضطراب جديد.
صدمة هرمز قد تمتد إلى الاقتصاد العالمي
وتكمن الخطورة الأساسية في أن أزمة المضيق لا تعمل بمعزل عن بقية أسواق الطاقة.
فارتفاع تكلفة النفط والديزل ووقود الطائرات يمكن أن ينتقل تدريجيًا إلى تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، ثم إلى أسعار السلع الاستهلاكية.
وفي أوروبا، قد تتداخل هذه الضغوط مع أزمة تخزين الغاز قبل الشتاء، بينما تواجه الاقتصادات الآسيوية تحديات مرتبطة بتأمين إمدادات الطاقة اللازمة للصناعة والنقل.
وبالتالي، فإن استمرار أزمة هرمز قد يحول اضطرابًا جيوسياسيًا إقليميًا إلى صدمة اقتصادية عالمية أوسع.
ما الذي يجب أن تفعله الحكومات؟
ترى «فورين أفيرز» أن الدرس الأهم من الأزمة الحالية يتمثل في ضرورة عدم التعامل مع انخفاض الأسعار النسبية للنفط باعتباره دليلًا على انتهاء الخطر.
فقد نجحت المخزونات، والطرق البديلة، والاستثمارات في أمن الطاقة، وتغير أنماط الطلب في تخفيف الصدمة.
لكن استمرار الأزمة يمكن أن يستنزف هذه الأدوات تدريجيًا.
لذلك، تحتاج الحكومات إلى إعادة تقييم مخزونات الطاقة، وتوسيع خيارات الاستيراد والنقل، وتعزيز حماية البنية التحتية، والاستثمار في مصادر طاقة تقلل الاعتماد على الممرات البحرية شديدة الحساسية.
رابط المقال المختصر:





