آراء و تحليلات
عمرو صابح
عمرو صابح

كاتب وباحث

عمرو صابح يكتب: هل تقود الولايات المتحدة الشرق الأوسط إلى سباق تسلّح نووي؟

في 22 يوليو 2026، أعلنت الولايات المتحدة والسعودية التوصل إلى اتفاق للتعاون النووي المدني، يفتح المجال أمام الشركات الأمريكية للمشاركة في تطوير البرنامج النووي السعودي، ويضع إطارًا لتعاون يمتد لعقود.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تعد الولايات المتحدة واثقة بأن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج قادرة وحدها على حماية حلفائها، وربما تكون هذه إحدى أهم النتائج الاستراتيجية التي كشفتها الحرب الأمريكية على إيران.

فعلى مدى عقود، شيدت واشنطن استراتيجيتها الخليجية على شبكة ضخمة من القواعد العسكرية والطائرات والسفن ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، إلى جانب آلاف الجنود المنتشرين في دول الخليج العربي.

وكان وجود هذه القوات يعني، في الحسابات الأمريكية والخليجية، أن أي تهديد إيراني سيواجه بقوة أمريكية قادرة على الردع والاعتراض والانتقام.

عمرو صابح يكتب: قصة سرقة عقد الملكة نازلي

لكن الحرب قلبت هذه المعادلة.

فالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول الخليج العربي، والتي ظلت لعقود تمثل العمود الفقري للوجود العسكري الأمريكي وحائط الحماية الأول لحلفاء واشنطن الخليجيين، تعرضت خلال الحرب لضربات إيرانية واسعة.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية وتقارير التحليل العسكري حجمًا أكبر من الأضرار التي تعرضت لها منشآت أمريكية في الخليج مقارنة بما أعلنته واشنطن في البداية، فيما وصفت تقارير بعض القواعد بأنها أصبحت شبه غير صالحة للاستخدام.

لكن الأخطر من حجم الأضرار نفسها كان الدرس الاستراتيجي الذي خرجت به واشنطن من الحرب:

القواعد الأمريكية في الخليج لم تعد ملاذًا آمنًا يمكن الاعتماد عليه بصورة مطلقة لحماية الولايات المتحدة وحلفائها إذا اندلعت حرب شاملة مع إيران.

لقد أثبتت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية أن الوجود العسكري الأمريكي الضخم في الخليج يمكن استهدافه وتعطيله.

وأن نشر عشرات الآلاف من الجنود والطائرات والمنظومات الدفاعية في قواعد ثابتة وقريبة من إيران قد يتحول، في زمن الحرب، من مصدر قوة إلى نقطة ضعف.

ولهذا بدأت واشنطن في إعادة التفكير في شكل وجودها العسكري في الخليج، وظهرت داخل وزارة الدفاع الأمريكية مناقشات حول تقليص الوجود العسكري بعد الحرب وإعادة النظر في القواعد التي تعرضت للضربات.

ومن هنا يمكن فهم التحول الأمريكي تجاه السعودية.

فبدلًا من أن تعتمد واشنطن إلى الأبد على وجود عسكري أمريكي مباشر للدفاع عن الخليج، يبدو أنها تبحث عن صيغة جديدة تقوم على تسليح الحلفاء وتعزيز قدرتهم على الردع والدفاع عن أنفسهم.

وهنا يدخل الملف النووي السعودي إلى قلب المعادلة.

في 22 يوليو 2026، أعلنت الولايات المتحدة والسعودية التوصل إلى اتفاق للتعاون النووي المدني، يفتح المجال أمام الشركات الأمريكية للمشاركة في تطوير البرنامج النووي السعودي، ويضع إطارًا لتعاون يمتد لعقود.

وفي 25 أغسطس، أحالت إدارة الرئيس دونالد ترامب الاتفاق إلى الكونغرس الأمريكي لمراجعته باعتباره اتفاق تعاون نووي مدني لمدة 30 عامًا، وفق الإجراءات المنصوص عليها في قانون الطاقة الذرية الأمريكي.

ظاهريًا، لا شيء استثنائيًا في ذلك.

السعودية تريد إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية، وتنويع مصادر الطاقة، والاستفادة من موارد اليورانيوم الموجودة لديها.

لكن خلف المفاعلات ومحطات الكهرباء يوجد السؤال الأخطر: من يملك حق تخصيب اليورانيوم؟

فالملف الأكثر حساسية في الاتفاق ليس المفاعل النووي نفسه، وإنما دورة الوقود النووي.

وبحسب ما أوردته تقارير عن الاتفاق، لا يتضمن النص المنشور منعًا صريحًا للسعودية من امتلاك قدرات التخصيب أو إعادة معالجة الوقود.

كما يتضمن الاتفاق إمكانية إجراء دراسة جدوى تمتد لعامين بشأن إنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل السعودية.

وقد أثار ذلك مخاوف خبراء منع الانتشار النووي وأعضاء في الكونغرس من احتمال اتساع القدرات النووية الحساسة في السعودية.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

فامتلاك مفاعل نووي لإنتاج الكهرباء شيء، وامتلاك دورة وقود نووي متقدمة شيء آخر تمامًا.

يمكن للسعودية أن تستورد الوقود النووي جاهزًا، كما تفعل دول عديدة، لكن امتلاك القدرة على تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعودية يعني امتلاك تكنولوجيا نووية حساسة للغاية؛

تكنولوجيا يمكن استخدامها في الأغراض السلمية، لكنها تمنح الدولة في الوقت نفسه قدرة كامنة يمكن أن تصبح ذات قيمة عسكرية إذا تغير القرار السياسي.

وهذا هو الفارق الذي يجب ألا يغيب عن النقاش.

القنبلة ليست هي الخطر الوحيد.

الخطر يبدأ عندما تصبح القنبلة ممكنة.

وتظهر أهمية هذه النقطة عند مقارنة الاتفاق السعودي بالاتفاق الأمريكي مع الإمارات.

فأبوظبي قبلت ما عُرف بـ«المعيار الذهبي» في التعاون النووي الأمريكي، وهو التزام الدولة بعدم تخصيب اليورانيوم محليًا وعدم إعادة معالجة الوقود النووي المستهلك.

والمقصود بالمعيار الذهبي ليس التخلي عن الطاقة النووية أو عن المفاعلات المدنية، وإنما التخلي عن أكثر أجزاء دورة الوقود حساسية.

فالدولة تستطيع بناء وتشغيل مفاعلات لإنتاج الكهرباء واستيراد الوقود النووي الجاهز، لكنها تتعهد بألا تمتلك قدرات محلية لتخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود المستهلك، وهما نشاطان يمكن أن يوفرا مواد وخبرات ذات أهمية كبيرة لأي برنامج عسكري مستقبلي.

وبالتالي، فإن «المعيار الذهبي» يمثل أحد أكثر القيود صرامة في اتفاقات التعاون النووي الأمريكية، لأنه يفصل بين امتلاك الطاقة النووية المدنية وبين امتلاك دورة الوقود الحساسة التي قد تمنح الدولة قدرة نووية كامنة.

وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا لواشنطن:

لماذا كانت القاعدة الذهبية مناسبة للإمارات، لكنها أصبحت قابلة لإعادة التفاوض مع السعودية؟

الإجابة لا توجد في التكنولوجيا النووية وحدها، وإنما في السياسة.

فالولايات المتحدة لا تفتح للسعودية باب التكنولوجيا النووية بمعزل عن الحسابات السياسية الأوسع.

في 23 يوليو 2026، أي بعد يوم واحد من الإعلان عن الاتفاق النووي، أعلن الرئيس دونالد ترامب أن المضي في الاتفاق مشروط بانضمام السعودية إلى اتفاقات إبراهام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وأكدت الإدارة الأمريكية لاحقًا، عند إحالة الاتفاق إلى الكونغرس، أن موقف الرئيس لم يتغير، وأن الاتفاق لن يمضي قدمًا ما لم تنضم السعودية إلى اتفاقات إبراهام.

وهنا تتحول الصفقة من اتفاق نووي إلى مقايضة استراتيجية كبرى.

السعودية تريد التكنولوجيا النووية.

أمريكا تريد السعودية داخل المنظومة الأمريكية.

إسرائيل تريد تطبيعًا تاريخيًا مع الرياض، وضمانات بألا يتحول البرنامج النووي السعودي إلى تهديد استراتيجي لها.

وهذه المعادلة تفسر لماذا أصبح البرنامج النووي السعودي مرتبطًا بمشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط الذي تقوده واشنطن.

فالسعودية هي الدولة العربية الأثقل وزنًا سياسيًا واقتصاديًا في الخليج

وبالتالي فإن انتقالها من حالة عدم التطبيع إلى إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل سيكون تحولًا استراتيجيًا كبيرًا.

ولهذا تريد إدارة ترامب أن تجمع في صفقة واحدة عدة ملفات:

التطبيع السعودي الإسرائيلي، والتعاون النووي، والشراكة الأمنية، والاستثمارات، وإبقاء السعودية داخل المدار الأمريكي.

لكن الرياض لا تنظر إلى المسألة بهذه البساطة.

فالسعودية تربط التطبيع مع إسرائيل بمسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية، وهو ما يجعل الصفقة الثلاثية بين واشنطن والرياض وتل أبيب أكثر تعقيدًا.

وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن هذا الشرط السعودي يمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام إتمام التطبيع.

وفي الوقت نفسه، تخشى واشنطن أن تنجرف الرياض بصورة أكبر نحو الصين وروسيا، خصوصًا مع اتساع العلاقات السعودية مع بكين وموسكو خلال السنوات الأخيرة.

كما أن التهديد العسكري الإيراني للسعودية يظل أحد أهم الأسباب لسعي المملكة إلى امتلاك التكنولوجيا النووية.

وهنا تعود الحسابات العسكرية إلى الواجهة.

فواشنطن تريد إعادة بناء منظومة أمنية جديدة في الخليج بعدما كشفت الحرب مع إيران حدود الاعتماد على القواعد والقوات الأمريكية وحدها، بينما تريد السعودية امتلاك قدرة أكبر على ردع طهران.

وإذا لم تعد الحماية الأمريكية وحدها كافية، فإن منح الحلفاء قدرات ردع أكبر يصبح جزءًا من إعادة توزيع أعباء الأمن الإقليمي.

وهنا يكتسب البرنامج النووي السعودي أهمية تتجاوز إنتاج الكهرباء.

فامتلاك مفاعلات متقدمة، واستغلال اليورانيوم المحلي، وتطوير قدرات في دورة الوقود، يعني بناء قاعدة علمية وتقنية تمنح الرياض قدرة نووية كامنة.

وفي مارس 2018، قال الأمير محمد بن سلمان إن السعودية ستسعى إلى امتلاك سلاح نووي إذا امتلكت إيران سلاحًا مماثلًا. واليوم لم يعد السؤال:

هل تريد السعودية محطة نووية؟

بل: إلى أي مدى تريد امتلاك التكنولوجيا والبنية التحتية التي تمنحها خيار التحول إلى قوة نووية إذا تغيرت موازين المنطقة؟

ولا يعني ذلك أن واشنطن ستسلم الرياض قنبلة نووية، لكن السماح لها بتطوير قاعدة نووية متقدمة قد ينقل جزءًا من عبء الردع من الولايات المتحدة إلى حليف قادر، مستقبلًا، على امتلاك خيار نووي مستقل.

والاتفاق المطروح اتفاق تعاون نووي مدني، والسعودية تؤكد التزامها بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وقد جددت الرياض هذا الالتزام في 26 أغسطس 2026.

لكن الالتزام بالمعاهدة لا يلغي السؤال الاستراتيجي.

فمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تقوم على معادلة واضحة: الدول غير النووية تتعهد بعدم امتلاك السلاح النووي، في مقابل حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، بينما تلتزم الدول النووية بالسعي إلى نزع السلاح.

والمادة العاشرة من المعاهدة تتيح للدولة الانسحاب إذا رأت أن أحداثًا استثنائية مرتبطة بالمعاهدة أضرت بمصالحها العليا، مع الالتزام بإجراءات الإخطار المنصوص عليها.

فإذا امتلكت السعودية دورة وقود نووية متقدمة، واستمرت إيران في تطوير قدرات التخصيب، وظلت إسرائيل محتفظة بترسانتها النووية، فقد يطرح السؤال نفسه في دول المنطقة:

لماذا تلتزم دول لا تملك السلاح بقيود معاهدة عدم الانتشار، بينما يمتلكه آخرون أو يقتربون من امتلاكه؟

قد يبدأ السؤال سياسيًا، ثم يتحول إلى هاجس أمني، ثم إلى قرار استراتيجي، وعندها لا تكمن الخطورة في خروج دولة واحدة من المعاهدة، بل في انهيار الثقة في النظام النووي الإقليمي والدولي كله.

وهنا تدخل إثيوبيا في الحسابات.

فهي تخوض صراعًا جيوسياسيًا مع مصر والسودان حول مياه النيل وسد النهضة، وتعمل في الوقت نفسه على بناء قاعدة للطاقة النووية المدنية.

وفي سبتمبر 2025، وقعت مع روسيا خطة عمل لتطوير مشروع محطة نووية بالتعاون مع «روساتوم»

واستمرت المفاوضات في ديسمبر بشأن محطة كبيرة بالتكنولوجيا الروسية، مع خطط إثيوبية لبناء مفاعلين بقدرة 1200 ميجاوات لكل منهما.

ولا توجد أدلة على أن إثيوبيا تسعى حاليًا إلى تصنيع سلاح نووي، لكن سباقات التسلح لا تُبنى على النوايا وحدها، بل على القدرات والبيئة الأمنية.

فإذا تحول الشرق الأوسط إلى منطقة تضم دولًا نووية أو دولًا تقترب من العتبة النووية، فستعيد دول أخرى، ومنها تركيا ومصر وإثيوبيا، حساباتها.

فالسباق النووي لا يبدأ عادة بإعلان امتلاك القنبلة، بل يبدأ بالمفاعل، ثم الوقود، ثم التخصيب، ثم المعرفة والخبرة والبنية التحتية، حتى تتشكل القدرة التي تجعل السلاح ممكنًا.

ولهذا قد يصبح السؤال الأخطر في المنطقة ليس: من يملك القنبلة؟

بل: من يستطيع صنعها؟

وعندما يصبح امتلاك هذه القدرة هدفًا استراتيجيًا لعدة دول، تكون واشنطن قد فتحت بالفعل أخطر باب في الشرق الأوسط: باب السباق النووي.

شارك المقال: