آراء و تحليلات
علاء عوض
علاء عوض

كاتب وباجث

علاء عوض يكتب: الرياض بين إهانة ترامب ورسم خريطة الظل

منذ بداية هذا العام، تتحرك الرياض في مسار مضاد تمامًا لمشروع ترامب وحليفه نتنياهو، ليس بالتصريحات، بل بالفعل الصلب على الأرض

مشاركة:
حجم الخط:

ترامب وبن سلمان والمؤخرة 

يبدو أن ترامب لم يعد يخفي غضبه المتراكم من ولي العهد السعودي و قرر أن يحوله إلى إهانة علنية فجّة، حين قال بوقاحة ليلة أمس
“لم أكن أعتقد أنه سيحتاج لتقبيل مؤخرتي… لكنه الآن يفعل، عليه أن يكون لطيفًا معي، ومن الأفضل له إن يظل كذلك .
هذا التصريح يعكس تصدع عميق غير معلن في العلاقة،
سببه الأبرز الرفض السعودي القاطع للتطبيع مع إسرائيل رغم إلحاح ترامب
فما يجري في الكواليس أخطر بكثير من مجرد موقف سياسي معلن.

تحركات سعودية مخالفة لترامب 

فمنذ بداية هذا العام، تتحرك الرياض في مسار مضاد تمامًا لمشروع ترامب وحليفه نتنياهو، ليس بالتصريحات، بل بالفعل الصلب على الأرض.
السعودية لم تكتفِ لرفض التطبيع، بل كانت وفق معطيات المشهد أول من وجّه ضربة مباشرة للمشروع الإماراتي–الإسرائيلي في القرن الإفريقي، عبر تصفية أبراج المراقبة الإماراتية الإسرائيلية،

وإجهاض مخطط إقامة كيان دولة جنوب اليمن كذراع صهيوني يتحكم في الممرات الملاحية، في بحر العرب، ذلك الشريان الحيوي الذي يربط باب المندب بمضيق هرمز.

رسالة السعودية لترامب 

الرسالة السعودية كانت واضحة: لا لسيطرة نتنياهو على مفاصل التجارة العالمية من بوابة الجنوب.

في الوقت نفسه، قطعت الرياض الطريق على أي محاولة للعبث بهذه المنطقة الحساسة أو استخدامها منصة لتصدير الفوضى إلى عمقها.

خاصة المنطقة الشرقية، أو إعادة إحياء مشاريع مثل “مملكة البحرين الكبرى” عبر أدوات إقليمية مرتبطة بتل أبيب.
لقد فُرضت الخطوط الحمراء

ولكن هذه المرة بالقوة وكما ضُربت الأذرع الإماراتية في اليمن، امتدت اليد السعودية لتُجهض المسار التالي في أرض الصومال، عبر ضغوط مكثفة حالت دون اعتراف أي دولة بـ”جمهورية أرض الصومال”

مما وضع نتنياهو في موقف بالغ الحرج، بعدما بدا كمن يعترف بدولة لا يعترف بها أحد سواه.
هنا يتضح أن غضب ترامب ليس وليد لحظة، بل هو غضب تراكمي من مسار سعودي مضاد للمشاريع التي يتبناها.

السعودية أول من استهدف أبو ظبي وليست إيران 

فلم تكن إيران أول من استهدف أبوظبي، عرّاب التطبيع ومركز مشروع “الديانة الإبراهيمية”

بل كانت السعودية هي من بدأت عملية الحصار الجيوسياسي للإمارات، عبر تفكيك شبكات النفوذ، وضرب المشاريع الممتدة من الخليج إلى القرن الإفريقي.
بذلك، كانت الرياض أول من أطلق النيران سياسيًا واستراتيجيًا على مشروع “إسرائيل الكبرى” وأذرعها الإقليمية.

الرياض تلتزم ضبط النفس 

لذا عندما اندلعت الحرب الإيرانية–الأمريكية في نهاية فبراير، بدا مشهد البحر الأحمر وكأنه خارج المعادلة تمامًا.
هدوء مسرح عمليات رتب لها مسبقا للقيام بوظيفة هامة عند اشتعال مضيق هرمز وغلقه واندلاع الحرب الإيرانية الأمريكية.

الرياض التزمت بأقصى درجات ضبط النفس، حتى عندما تعرضت القواعد الأمريكية في أراضيها ودول الخليج لهجمات إيرانية مباشرة، مكتفية ببيانات غاضبة، وإجراءات دبلوماسية محدودة شملت طرد الملحق العسكري الإيراني وعدد من أفراد البعثة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: هل الرياض غاضبة حقًا؟

بعيدًا عن المسرح الإعلامي، تبدو الإجابة أكثر تعقيدًا:
ربما لم تكن السعودية مجرد متلقٍ للأحداث…

بل أحد أبرز المستفيدين منها، وربما في صمت هي أحد صُنّاعها.
المعادلة تبدأ من الأرقام:
قبل الحرب، كان سعر برميل النفط أقل من 60 دولارًا… اليوم يقترب من 100.

لم تضرر كثيرا من غلق مضيق هرمز 

مع إغلاق مضيق هرمز، كانت السعودية الدولة الخليجية الوحيدة القادرة على الحفاظ على تدفق صادراتها، بفضل ميناء ينبع على البحر الأحمر، وخط الأنابيب الاستراتيجي الممتد من الشرق إلى الغرب بطول 746 ميل والذي مكّنها من تصدير نحو 8 مليون برميل يوميًا.
بكلمات أخرى: بينما اختنق الآخرون… كانت الرياض تتنفس اقتصادياً.
لكن المكاسب لم تكن اقتصادية فقط، بل جيوسياسية بامتياز.

السعودية تعيد التوازن في المنطقة 

فقد أعادت السعودية تشكيل توازنات المنطقة عبر بناء ما يمكن تسميته بـ”المحور السني” الذي يضم مصر وتركيا وباكستان، ليس فقط لموازنة إيران، بل أيضًا لردع طموحات نتنياهو
ولم يكن من قبيل المصادفة علي الاطلاق أن هذه الدول تحديدًا هي التي تقود جهود الوساطة لوقف الحرب، وكبح اندفاع ترامب ومنعه من تدمير محطات الطاقة الإيرانية
فهل هو تحرك عفوي بعيدا عن الرياض ؟
أم أنه بتنسيق غير معلن مع أحد أكبر المستفيدين من استمرار التوتر لأطول فترة ممكنة ؟

احساس بالخطر كان عاملا مهما 

في الواقع أن تلك الدول تعلم أن بعد ذبح ثور طهران سيكون الدور عليهم فتصريح سفير أمريكا في إسرائيل مايك هاكابي واضح وصريح بأن أمريكا تدعم حق إسرائيل التاريخي في الاستيلاء علي أرض المنطقة لاقامة إسرائيل الكبري كان ذلك قبل الحرب علي إيران بساعات .

السعودية تفهم هذه المعادلة جيدًا

ولذلك تسعى بهدوء محسوب إلى التخلص من الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، ذلك الوجود الذي ترسخ منذ حرب الخليج عام 1990.
والمفارقة أن إيران، عبر استهدافها القواعد الأمريكية في الخليج، تقدم للرياض الذريعة المثالية لإعادة النظر في هذا الوجود.

إيران تساعد في تطهير السعودية من القواعد الأمريكية 

إيران اليوم تقدم المبرر للرياض للتخلص من القوات الأمريكية بعد تدمير طهران للقواعد الأمريكية والردارات في دول الخليج ثبت أن تلك القوات حتي عاجزة عن حماية مؤخرة ترامب ونتنياهو.
بينما ترامب يزييف هذا الواقع وادعي بكل وقاحة أن علي ولي العهد السعودي أن يشكره ويقبل مؤخرته ويقوم علي الفور بالتطبيع مع إسرائيل .

هل سهلت السعودية لإيران ضرب قاعدة سلطان 

علي الفور جاء الرد علي تلك الإهانة من طهران وازعم أنها بتنسيق كامل مع الرياض
سمح لصورايخ إيران بالوصول السهل لقاعدة الأمير سلطان الجوية وتدمير عدد من الطائرات الأمريكية واصيب 20 جندي علي الاقل بينهم الكثير من الحالات الخطرة وحسب الإعلام الأمريكي كشفت تلك الضربة عن عجز في صواريخ أمريكا الاعتراضية .
اذا تقاعست الصواريخ الاعتراضية السعودية بما سمح بحدوث الضربة الاشد والأكثر تاثيرا منذ بداية الحرب والتي سببت حرج بالغ للبيت الأبيض.

مكاسب استراتيجية للسعودية 

وفي زاوية أخرى من المشهد، تحقق الرياض مكسبًا استراتيجيًا لا يقل أهمية:
فبعد استهداف مقار الشركات العالمية في الإمارات، ووصول الرسالة بأن دبي وأبوظبي لم تعودا بيئة آمنة للاعمال ، تتقدم الرياض كبديل إقليمي جاهز.
وهو ما يتسق مع مشروعها منذ 2021 للتحول إلى مركز اقتصادي عالمي.بديل للإمارات

كل هذه المؤشرات السابقة تقود إلى استنتاج صادم

السعودية، رغم خطابها العلني، قد تكون مؤيدًا غير مباشر لإيران في هذه الحرب، أو على الأقل مستفيدة إلى الحد الذي يجعلها غير معنية بوقفها سريعًا.
وهذا ما يفسر حالة البرود السياسي في الرياض، مقابل الغضب المتصاعد لدى ترامب ، الذي يريد من السعودية أن تدخل الحرب، وتطبع مع إسرائيل، وتدفع بقوات برية ضمن تحالف تقوده واشنطن لغزو السواحل الإيرانية.
لكن الرد السعودي يأتي دائمًا بشكل مختلف:
ليس فقط بالرفض… بل بالتلميح إلى أن الوجود العسكري الأمريكي نفسه أصبح عبئًا على أمن المملكة.
وهنا، نصل إلى جوهر المشهد:
ما يجري ليس مجرد حرب 

بل إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.
والرياض بهدوئها قد تكون اللاعب الأكثر ربحا… والأكثر استفادة … في آن واحد .
وإذا بدا هذا المشهد صادمًا للبعض، فالتاريخ لا يراه كذلك على الإطلاق.

هدوء السعودية قديم 

فما تفعله الرياض ليس خروجًا عن المألوف، بل هو تكرار لنموذج قوى كبرى أدارت الحروب من خلف الستار، وخرجت منها أكثر قوة دون أن تتحمل كلفتها المباشرة.
فحين اندلعت الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي
أمريكا لعبت على الحبلين بمهارة مذهلة؛ دعمت نظام صدام حسين استخباراتيًا وعسكريًا في مواجهة إيران، وفي الوقت ذاته، فتحت قنوات سرية لبيع السلاح إلى طهران في واحدة من أكثر فضائح السياسة الأمريكية تعقيدًا، والمعروفة باسم إيران كونترا
ثماني سنوات من الاستنزاف الكارثي، خرجت منها بغداد وطهران منهكتين، بينما كانت واشنطن قد عززت نفوذها، وأعادت تشكيل موازين القوى في الخليج
وعليه، فإن ما يبدو للوهلة الأولى تناقضًا في الموقف السعودي، قد يكون في قراءة أعمق جزءًا من استراتيجية تحقيق اكبر قدر ممكن من الأرباح الجيوسياسية والنفوذ
لذلك ترامب غاضب وتعمد إهانة ولي العهد السعودي أمس
حسب تحليلي لتصريح مهرج البيت الأبيض الرجل البرتقالي

شارك المقال: