عبده المصري: ما يستحق البقاء في ذاكرة الشعر (2-2)
كنت أقرأ كثيرًا، وربما أحببت الرواية أكثر من الشعر، وبحكم دراسة الحقوق وداء السياسة، قرأت في الاقتصاد والقانون. الغريب أنني بعد رسوبي في السنة الأولى، صرت أنجح بتقدير جيد

الشاعر عبده المصري على مقهى من مقاهي مصر
(4)
مدينةٌ مهدّمة تقريبًا، رغم جهود الإعمار الحثيثة.
في بعض الشوارع الرئيسية والمدارس، كانت بقايا الحرب والتهجير واضحة، وآثار القنابل والدانات بادية على البيوت. حتى بيتنا ناله نصيبٌ منها. كلّ ذلك كان يذكّرك أن الحرب مرّت من هنا. عاد أغلب الجيران، بينما استقرّ بعضهم في مدن الهجرة واختار حياةً جديدة.
كنتُ شابًا في بدايات المراهقة، أستعد لدخول المرحلة الثانوية بمدرسة الإسماعيلية الثانوية، التي تحوّل اسمها لاحقًا إلى مدرسة السادات الثانوية العسكرية. اكتشفت قدماي طريق قصر الثقافة، والمكتبة تحديدًا، لأعاود قراءة ما تيسّر من الأدب والتاريخ والروايات. بكيتُ مع أحمد عاكف حين تلقّى خبر وفاة أخيه الأصغر رشدي في رواية «خان الخليلي»، وانفتح لي عالم نجيب محفوظ، وعشقت نساء «السكرية». ظلّت محاولات كتابة الشعر تطاردني، وأنا أطارد ما كتبه شوقي، وحافظ، وأبو تمام، والبحتري، قراءةً ليست عميقة، لكنها كافية لأدّعي معرفتي بالشعر.
بدأ كلّ شيء يتغيّر مع حضوري «أمسية الأحد الأدبية» التي كانت تنظمها جريدة «القناة»، الجريدة المحلية الصادرة عن محافظة الإسماعيلية. هناك التقيت آخرين أكبر مني، يكتبون الشعر والقصة القصيرة والرواية والمسرح، ويدخلون في نقاشاتٍ جادّة حول الأدب. كانوا يناقشون أعمالنا، يصوّبون الأخطاء، ويرشدوننا إلى كتب النقد.
من خلالهم تعرّفت على طه حسين ناقدًا أدبيًا، وعلى الدكتور محمد مندور. وقرّرت وقتها إعادة دراسة الأدب العربي في مراحله المختلفة، بعد أن أرشدني الأستاذ فؤاد طلبة إلى كتاب «المنتخب من أدب العرب»، المقرّر على طلبة التوجيهية في أربعينيات القرن الماضي.
كان كشفًا عظيمًا أن تعاين عن قرب تجارب الشعر العربي من العصر الجاهلي حتى بدايات الحداثة. وكان من بين أساتذتي شاعرُ العامية، الموظف الكبير بهيئة قناة السويس، الذي علّمني العَروض وأهداني كتاب «الكافي في العروض والقوافي»، لضبط إيقاع ما أكتب. صحيحٌ أنني تجاهلت كلّ ما تعلّمته لاحقًا، وكتبت قصائد لم أرَ فيها جبلًا على ظهر سمكة، لا سخريةً، بل تحدّيًا لشاب يرى نفسه شاعرًا، ولم يكن كذلك في الحقيقة. كلّ هذا تغيّر حين قصدتُ قصر الثقافة بحثًا عن دواوين «أبوللو» والمدرسة الرومانسية، لألتقي هناك بأستاذي وصديقي لاحقًا، نحاس راضي.
جلسنا معًا في مقهى قريب، نتحدّث عن الأدب والكتابة وتحولات الشعر. أهداني ديوان «وش مصر» لزين العابدين فؤاد، فتغيّرت رؤيتي للكتابة، وحاولت أن أكون شاعرًا يكتب بالعامية المصرية عن هموم الناس وأشواقهم وأوجاعهم.
نجحت أحيانًا، وفشلت كثيرًا، لكنني حاولت دائمًا أن أكون نفسي.
هل لذلك علاقة بالشعر؟
(5)
بدأ الأستاذ نحاس راضي، وكان مسؤول النشاط الثقافي بقصر ثقافة الإسماعيلية، في تكوين نادي أدب مختلف عمّا كان يجري في «أمسية الأحد» بجريدة القناة. كان نادي الأدب بقصر ثقافة الإسماعيلية القديم منفتحًا على تجارب جديدة في الكتابة، ولم يقتصر على الشعر والقصة والنقد فحسب، بل كان فضاءً لمناقشة التجارب المسرحية والسينمائية والفن التشكيلي، مع استضافة نقّاد كبار للحديث عن مدارس الفن العالمي.
في شتاء عام 1976، استُضيف شعراء جماعة «إضاءة 77»: حلمي سالم، أمجد ريان، حسن طلب، وماجد يوسف. كانت أمسية بدّلت توجّهاتي الفنية تمامًا، لا سيما حين عرضت ما كتبته في كشكولي على الشاعر أمجد ريان. كتب لي تعليقًا على النصوص التي كنت أظنّها أعظم وأجمل مما يتصوّر الآخرون، خاصة وقد نُشر بعضها فعلًا في الصحف، ونُشر لي مقال كامل دون حذف في باب «نادي القلوب الوحيدة» بمجلة صباح الخير.
كنت قد نلت شهرةً محدودة في المدرسة، ربما بتأثير مسرحية مدرسة المشاغبين، ورغبة أصدقائي في أن يكون بينهم شاعر.
لكن ما كتبه أمجد، فيما يشبه البيان الشعري، ظلّ معي طويلًا: أن الشعر ضرورة، وأن على الشاعر أن يرى السينما والمسرح والفن التشكيلي، وأن القصيدة ليست لغة فقط، بل رؤية منحازة للجمال المطلق. وأن على الكاتب ألا يكتفي بالكتابة، بل أن يكون لديه ما يضيفه. وأن رحلة الشاعر هي البحث عن صوته الخاص، وتنقيته من ظلال الآخرين.
حاولت بعدها أن أكتب كتابة مختلفة، لكن ذلك استدعى إعادة قراءة الشعر العربي الحديث. أحببت صلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، وأمل دنقل، والسياب، ومحمود درويش، وسميح القاسم. وقعت في غرام الشابي، ومحمد الجيار، ونازك الملائكة. وحين قرأت الماغوط، انقلب العالم تمامًا. سألت نفسي: هل هذا شعر؟ نعم، شعر صافٍ، لكنه ليس الشعر الذي تعلّمناه.
بدأت رحلة جديدة في البحث عن معنى الشعر، وحقيقته التي لم أصل إليها أبدًا. كلما تصوّرت أنني اقتربت، اختفى خلف ستارة دانتيل، يحرّكها الهواء، ويخفي أكثر مما يُظهر.
هل لهذا علاقة بالشعر؟

(6)
انتهت مرحلة الدراسة الثانوية،
وكنت أرى نفسي — تقريبًا — يساريًّا في السياسة وفي الكتابة. أكتب قصائد عالية الصوت عن الناس وهمومهم، تستجلب التصفيق، لكنها تخاصم الشعر الذي كنت أطارد ظله في ما أقرأه وأراه.
انتقلت إلى القاهرة طالبًا بكلية الحقوق. السياسة التي حاولت خوض غمارها وفشلت، قادتني إلى معرفة الشاعر محمد بدوي، الطالب آنذاك بكلية الآداب. في بيته بشارع بنت المعمار، في حي السيدة زينب، تعلّمت الكثير وقرأت أكثر. هناك تعرّفت إلى الصديق الكبير حسين حمودة، الذي أضاف لي معارف أوسع عن الشعر والحياة.
كنا أصدقاء لا نفترق: بيت محمد بدوي، أو بيت عمر الصاوي وأشرف عامر في الوراق. يتحوّل الليل إلى مساحات صاخبة من النقاش والجدل، ونقدٍ لا يرحم، يصحّح الأخطاء ويرشد التجارب. في الصباح، صارت مدرجات قسم اللغة العربية بكلية الآداب — جامعة القاهرة — مكاني المفضّل. أستمع لمحاضرات عبد المنعم تليمة، وعبد المحسن طه بدر، ونقاشات مدحت الجيار، وسيد البحراوي.
إلى أن قادتنا أقدامنا إلى بيت الشاعر الكبير فؤاد حداد، القريب من مدينة الطلبة. كانت رحلة أخرى مع الشعر: أستاذ لا يكتب الشعر، بل يعيشه. يبهرُك بقدرته على توليد المعاني من العدم، وخلق الإيقاع من مجرد تحريك حرف مكان حرف. كنت أجلس أمامه لأسمع وأتعلّم، وأخشى أن ألقي عليه قصيدة.
أنا مجرد تلميذ في حضرة الأستاذ.
(7)
صرت صعلوكًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى
أتنقّل بين مسرح الطليعة، وكلية الفنون الجميلة، ومعهد السينما. لي أصدقاء أزورهم ونجلس معًا. نذهب إلى المركز الثقافي الإيطالي لمشاهدة أفلام بازوليني، وإلى الفرنسي والروسي لمتابعة التجارب المسرحية الجديدة. أذهب شبه يوميًّا إلى سور الأزبكية، أبحث عن الكتب، وأحاول شراء الجيد منها في كل الفنون. شاركت في إصدار نشرات أدبية بطريقة الماستر، نشرت فيها نصوصًا أظن أن بعضها كان جيدًا.
صارت مقهى «علي بابا» و«إستر» مكاني حتى الصباح. أصدقاء أغلبهم فنانون تشكيليون وسينمائيون، وبعض الشعراء والموسيقيين. من بينهم الشاعر الكبير صلاح الراوي، المتخصص في الأدب الشعبي، الذي أضاف لي معرفة واسعة بشعر العامية المصرية، من ابن قزمان حتى الشعر الحلمنيشى.
كنت أقرأ كثيرًا، وربما أحببت الرواية أكثر من الشعر، وبحكم دراسة الحقوق وداء السياسة، قرأت في الاقتصاد والقانون، الغريب أنني بعد رسوبي في السنة الأولى، صرت أنجح بتقدير جيد دون مجهود كبير، رغم حياة الصعلكة والسهر والقراءة. كنا نعدّ مجلات حائط تناصر الثورة الفلسطينية أو تفضح الفساد، وننال نصيبنا من مطاردات الأمن وهراواته، ومن عنف الجماعات المتأسلمة التي كانت تضربنا بضمير، وكأنها تؤدي طقسًا دينيًا.
في تلك الأيام قادتني قدماي إلى «الغوري» و«بيت نجم» في حوش قدم. بيتٌ أدخله دون دعوة: أسهر، وآكل، وأشرب، وأسمع الغناء والحكايات. أبيت أحيانًا عند محمد علي أو الشيخ إمام. كنا أصحاب مكان في بيت الغورية، وضيوفًا في بيت الأبنودي بالزمالك. من هؤلاء الكبار تعلّمت أن أكون أنا، وأن أتخلّص من أصوات الآخرين، مهما كان قدر محبتهم وتأثيرهم. كان تداخل صوت شاعر واحد كافيًا لأمزّق قصيدة نالت استحسانًا كبيرًا. ربما أندم الآن على ما مزّقته، أو على ما تركته ينام في كراتين النسيان، في غرف طلابٍ باتت بعيدة جدًا.
هل لذلك علاقة بالشعر؟

(8)
الآن، وقد أصدرت عددًا من دواوين الشعر، ولديّ مثلها لم يُنشر، وبعضها تجارب قصائد نثرية بالفصحى،
أتساءل:
هل ما كتبته يمكن أن يُسمّى شعرًا؟
وهل فيما نُشر أو لم يُنشر ما يستحق البقاء في ذاكرة الشعر؟
وهل لكل ما مضى…عبد
رابط المقال المختصر:





