طريق العذاب إلى حلاق البلدة
يحلق الاولاد مرة فى الشهر ويحلق أبى شعر رأسه مرة ويحلق ذقنه ويشذب شاربه أربع مرات أو كما يحب لو هناك منسبة حضور فرح أو سفرة لمصر.

صورة تعبيرية للمقال
كان المشوار إلى حلاق البلدة، بلدتنا – الباجور منوفية – من أبغض المشاوير إلى قلبى.
وما أتذكرة وانا بعد طفل فى نحو الخامسة، حين يطول شعرى وينسدل على جبهتى وأذنىً، أن يدعونى أبى لمصاحبته إلى دكان “عم معوض” الحلاق.
وهنا أسعى بكل قدرتى على التحايل للمراوغة وتأجيل المشوار الذى أكرهه.
فأصعد إلى السطوح أو أخرج لألعب مع أصدقائى فى الوسعاية أمام جامع سيدى صلاح.
ويمر يوم أو آخر حتى أجد أبى فجأة وقد أطبق بيد من حديد على معصمى ويسحبنى سحبا إلى الحلاق وأنا “أدقر” برجلى فى الأرض وأحاول التملص من يده وكأننى “جدى” يساق إلى الذبح.
فى أول الستينيات كنا نحلق جميعا أبى وستة من الأولاد الذكور إخوتى لمدة شهر كامل بربع جنيه – خمسة وعشرين قرشا –
يحلق الاولاد مرة فى الشهر ويحلق أبى شعر رأسه مرة ويحلق ذقنه ويشذب شاربه أربع مرات أو كما يحب لو هناك منسبة حضور فرح أو سفرة لمصر.
ولا تستهين بالخمسة وعشرين قرشا فى ذلك الوقت فهى فى الآخر نقد وفلوس
ففى تلك الأيام كان الفلاحين الفقراء يحلقون نظير بيضتين أو ثلاث، أو عدد من أكواز الذرة أو البطاطا أو شقتين عيش او عدة بتاوات مع كل حلقة.
أويحلقون هم وأولادهم العام كله “بالميسانية” أى كيلة قمح أو كيلتين ذرة مع كل حصاد للمحصول، وكان كل هذا يتم بنوع لا بحسابات دقيقة وإنما بالمحبة والتراضى والتسامح.
فى نحو سنة 62 كان أخواى الكبيرين قد أتما دراستهم الجامعية واستعدا للعمل.
فقال عم معوض لأبى: يا حامد أفندى الأستاذ صلاح والأستاذ لطفى اتخرجوا من الجامعة وربنا يباركلك فيهم، فلو سمحت لو ممكن بقى تزود الشهرية شوية؟
فرد أبى مبتسما وراضيا: حاضر يا أبو صبحى، حزودك على الربع جنيه ربع جنيه كمان وتبقى الشهرية خمسين قرش بحالهم، ابتهج عم معوض ودعا لأبى بالستر والعافية وطول العمر.
لم تكن هذه القروش ولا البيضات ولا كيلات القمح هم رزق عم معوض الوحيد.
فهو يجبر الكسور، ويغير على الجروح، ويكشف على المرضى ويصف الدواء، ويقوم بعملية الطهارة أو الختان للأولاد والبنات على السواء.
شاهدته بعينى وهو يعمل عملية “حجامة” لستى أو جدتى، إذ حلق من وسط رأسها ما مساحته قدر البريزة الفضية.
وراح فى هذا القدر من فروة الرأس يشرط بموسه الحامى شرطا عديدة جعلت الدم يسيل على وجهها.
وجاء بحمصة “شامية” كبيرة كالتى نستخدمها فى عمل الحلبسة ووضعها فى وسط تلك الشرط وربطها وألبسها طاقية محكمة، وطلب منها تغيير تلك الحمصة التى تشرب الدم ويزيد حجمها كل يوم.
كان دكان عم معوض أو صالونه غاية فى البساطة مجرد كرسيان ومرآه عريضة أمامهما أسفلها رف خشبى توضع عليه عدة الحلاقة.
وزجاجة كولونيا خمس خمسات وكأس المونيوم بفرشاة قصيرة وعريضة للبودر وقايش مثل الحزام العريض لسن الموسى.
ودكة صغيرة أمام الدكان ينتظر عليها الزبون إذا كان هناك زبونا آخر يعمل عم معوض فى رأسه.
وطبعا كان من المنطقى والضرورى أن يجلس أبى إلى عم معوض ليحلق رأسه وذقنه بسلاسة وسهولة عبر آلات – ماكينة حلاقة ومقص وموسى – حادة ونظيفة.
لذلك فقد كان من المنطقى أن يجدد عم معوض أدواته كلما ثلمت أو مر عليها شهور.
يقوم فى أحد أيام عطلته الأسبوعية يوم الاثنين بالسفر للقاهرة وشراء الأدوات الجديدة من محل خواجه يونانى معروف بالموسكى.
وكان يحرص على أن يحكى تفاصيل رحلته إلى الموسكى بالدقيقة لزبائنه الذين سلموا له رؤوسهم وأقفيتهم.
ولكنه كان مع أبى – إذا صادف أن اصطحبنى ورحت أنتظر دورى، كان عم معوض يسهب بذكر تفاصيل رحلته إلى مصر منذ عقود وتعلمه “الزيانة” فى محل عم له بالخاذندارة,
ويحكى كثيرا عن روض الفرج والساحل وسوق الخضار ومحلات السمين والسينمات.
وكأنه كان يرد على حكايات أبى الذى حصل على شهادته من معهد المعلمين العالى بإمبابة وعاش أربع سنوات الدراسة متنقلا بين إمبابة وشبرا والسيدة زينب.
كان من الطبيعى عندما يشترى عم معوض أدواته الجديدة إلا يحيل أدواته السابقة إلى الاستيداع ويرميها فوق سطح منزلة، خاصة وأنه كان يعمل بها حتى الأمس، فكان يعتبرها أدوات درجة ثانية يحتفظ بها ليحلق لزبائنه من الدرجة الثانية أيضا.
ومن الطبيعى أن يكون زبائن الدرجة الأولى الزبائن الذين يدفعون نقدا كأبى وخاصة وهو زبون دائم، ومن الممكن أن ينضم لزبائن الدرجة الأولى أيضا أخوى الكبيرين صلاح ولطفى فهما كبار وطلاب فى الجامعة وممكن أن يناقشوا أبى فى تغيير عم معوض.
أو على الأقل يفضلوا الحلاقة بالقاهرة وينصرفوا عنه تماما.
أما زبائن الدرجة الثانية فهم هؤلاء اللذين يحلقون بكيزان الذرة أو أزرار البطاطا أو البتاو.
وقد أدركت أنا بعد تفكير ومعاناة أن عم معوض يعتبرنى لا من زبائن الدرجة الأولى ولا حتى الدرجة الثانية بل يعتبرنى من زبائن الدرجة الثالثة اللذين يستحقون أدوات الدرجة الثالثة أيضا.
فأنا لا أدفع نقدا ولا عينا، وأنا لست وحيدا مدللا لكى اتحدث عن عذابى فى الحلاقة.
وأنا أصغر من أن أدعوا أبى لتغيير عم معوض وكان الناس فى ذلك الزمان ينظروا إلى تلك العلاقات التى تقوم على الرزق وتبادل المنفعة على أنها علاقات أبدية دائمة مستمرة مهما كانت الظروف.
ومع دخولى المدرسة الابتدائية التى تعاقب أصحاب الشعور الطويلة أجدنى مضطرا للحلاقة عند عم معوض الذى يجد هو نفسه أيضا مضطرا للحلاقة لى.
وكانت رؤسنا تخرج من تحت يد عم معوض وطول شعورنا جميعا نمرة واحد او نمرة اتنين على أحسن تقدير.
ولم يكن من حقى بناء على ماسبق أن أحدد لعم معوض الطول الذى أريده لشعرى.
وفى مرة تجرأت وقلت له: “أنا مش عاوزه قصير كده” فنهرنى قائلا: “ليه أنت عاوز تحلق كل أسبوع؟”
وفى إحدى المرات، وكنا قد شاهدنا وانبهرنا بفيلم اللص والكلاب، تشجعت بوجود بعض زملائى، وقلت لعم معوض: أنا أريد أن أعمل شعرى “كاريه” زى بتاع شكرى سرحان.
فلم يزد الرجل عن أن ضحك ضحكة عالية أعقبها بشخرة معتبرة
وجلست مذعنا على الكرسى وما إن يبدأ عم معوض باستخدام المقص حتى أشعر بأنه لا يقص شعرى بل ينتفه نتفا فأتأوه تأوها مكتوما.
وإزاء تجاهل عم معوض لما أشعر به من ألم يرتفع صوتى: أى أى أى، ومع استخدام ماكينة الحلاقة والتى ليست أحسن حالا من المقاص أشعر بشعر رأسى يلتف حول سلاحها.
وتروح الماكينة تقرص أطراف إذنى فأتأوه مرة ثانية
أما الموسى فلم يكن يحز شعرى وإنما يشده معه تاركا بشلا صغيرة خلف أذنى، وأجدنى فى مواجهة أسلحة عم معوض الفاسدة مضطرا للانكماش والانحناء على نفسى.
وعندما يشعر عم معوض بأن رأسى قد نزلت بعيدا وتكاد تختفى بين كتفى وإن هذا الوضع سيدفعه بالتالى للانحناء.
فإذا به يركلنى فى ظهرى بركبته ركلة هائلة تجعل ظهرى وقد انفرد ورأسى وقد عاد للانتصاب من جديد لتتكرر نفس العملية بحذافيرها ثلاث أو أربع مرات.
وأخير أخرج من تحت يدى عم معوض وأنا أتشهد ولا أعرف متى يخلصنى الله من هذا العذاب الدائم






