إبداع
علي محمد علي
علي محمد علي

كاتب وروائي

رواية علي محمد علي: الراعي (9)

لحظة، شعر أن ما صنعه بيده لم يعد مجرد امتداد له، بل صار قادرًا أن يقف وحده، لا يعارض، لكنه لا يحتاج، فابتلع الفكرة قبل أن تكتمل، وأعاد نظره إلى القطيع

مشاركة:
حجم الخط:

” هو و الهيجن”

كان “أبو الفضل بيه” يراقب من بعيد، لا يتدخل، لا يعلّق، يرى المحاولات، الفشل الذي يتكرر دون انكسار، ثم ذلك التماسك المفاجئ، تلك اللحظة التي لم يحتج فيها عبدون أن يفعل شيئًا، ومع ذلك تحرك كل شيء، فثبتت ملامحه.
لكن شيئًا خفيًا تحرك في داخله، قلق بارد، ليس من الخطأ، بل من هذا الصواب الكامل، من هذه السرعة التي لم يُخطط لها، من استجابة لم تُطلب بصوت.

للحظة، شعر أن ما صنعه بيده لم يعد مجرد امتداد له، بل صار قادرًا أن يقف وحده، لا يعارض، لكنه لا يحتاج، فابتلع الفكرة قبل أن تكتمل، وأعاد نظره إلى القطيع، كأن الأمر كله تحت السيطرة.

أما عبدون، فكان واقفًا في مكانه، ثابتًا، لا يختبر نفسه هذه المرة، بل يختبرهم، ينظر، فتتحرك الرؤوس، يثبت، فيستقيم المسار، لا يفكر كيف يحدث ذلك، ولا يسأل، كأن السؤال نفسه صار شيئًا زائدًا، لا مكان له في نظام تعلّم أن يعمل… دون أن يشرح نفسه.

علي محمد علي يحكي: ميلاد روايته الجديدة الراعي (1)

رواية علي محمد علي الراعي (8)

رواية علي محمد علي الراعي (7)

رواية علي محمد علي الراعي (6)

زيارة غير عادية للسيد 

ذات يوم، جاء السيد إليه على غير عادته، لم يطل الوقوف، كأن الجسد لم يعد يحتمل، نظر إلى عبدون طويلًا، ثم قال بصوت خافت يحمل ما تبقى من رغبة: هناك سباق للهيجن… أريد أن تكسب جمالي مرة، قبل أن أموت.

لم يسأل عبدون عن الموعد، ولا عن التفاصيل، اكتفى أن ينظر إليه، نظرة ثابتة، فيها من الثقة ما يكفي لأن تكون إجابة، ثم قال بهدوء لا يخلو من حسم: ومن غيري يكسب.

توقفت عين السيد عنده لحظة، ثم ابتلع ريقه، كأن الجملة لم تطمئنه بقدر ما كشفت له شيئًا لم يكن يريد أن يراه.

تصميم لرواية الراعي عن طريق الذكاء الاصطناعي
تصميم لرواية الراعي عن طريق الذكاء الاصطناعي

يوم السباق 

وجاء يوم السباق، الصحراء ممتدة كعادتها، لا نهاية لها، والسادة يجلسون في مقصورة مرتفعة، يراقبون المشهد من بعيد، سياراتهم مصطفّة خلف خط الانطلاق، تنتظر اللحظة، كما تنتظر العيون ما سيحدث، وقفت الجمال، متوترة، تطرق الأرض بأقدامها، والفرسان فوقها، كلٌ يحمل رغبته في الفوز، أو خوفه من الخسارة.

انطلقت الصافرة

تحرك الجميع دفعة واحدة، ارتفع الغبار، واختلطت الأصوات، واندفعت السيارات خلفهم، تلاحق السباق من مسافة، لكن عبدون لم يكن بينهم كما كانوا، لم يبدأ معهم، بل بدأ قبلهم بلحظة لا تُقاس، كأن جسده سبق الإشارة، أو كأن الإشارة خُلقت له وحده.

تقدم منذ البداية، لا بصراع، ولا بمحاولة، بل بثبات غريب، كأن المسافة تعرفه، وتُفسح له الطريق، لم يلتفت، لم يراقب أحدًا، لم يحتج أن يفعل، كان يعرف أنهم خلفه، كما يعرف القطيع أين يقف، وكلما اقتربت النهاية، لم تضق المسافة كما يحدث عادة، بل اتسعت، وكأن الفوز لم يعد نتيجة، بل وضعًا طبيعيًا لا يُناقش.

فرحة السيد بالانتصار 

في المقصورة، لم يحتمل السيد المشهد، لم تكن الفرحة وحدها، كان فيها شيء آخر، شيء يشبه النهاية، ارتجف جسده، حاول أن يثبت نظره، أن يرى اللحظة كاملة، لكن القلب سبقه، وسقط قبل أن يكتمل المشهد.

وصل عبدون أولًا، بلا مفاجأة

نزل عن الجمل بهدوء، كأن شيئًا لم يحدث

كأن ما كان متوقعًا قد تم فقط، دون زيادة

وحين التفت، رأى الجسد ممددًا، بلا حركة، فاقترب، لم ينحنِ، لم يلمس، اكتفى بنظرة قصيرة، كأنه يودّع فكرة لا شخصًا

ثم قال بصوت منخفض، لا يسمعه إلا من كان قريبًا بما يكفي: الآن يبدأ سباق آخر… لا تحتاج فيه أن تكسب.

شارك المقال: