إبداع
علي محمد علي
علي محمد علي

كاتب وروائي

رواية علي محمد علي : الراعي (16)

أجاب عمر بحماسة مضبوطة، كمن يحاول أن يشارك سحر لحظة لم تُرَ: هو شيء ممتع… متى توافر الحب.

مشاركة:
حجم الخط:

عودة عمر 

عاد عمر إلى المكان، واستقر على كرسيه أمام عبدون، ابتسامة هادئة تزين وجهه، فالتفت إليه عبدون وسأله بصوت خافت، لكنه واضح: كيف كان الزواج… والعرس؟

أجاب عمر بحماسة مضبوطة، كمن يحاول أن يشارك سحر لحظة لم تُرَ: هو شيء ممتع… متى توافر الحب.

ثم بدأ يشرح له، بتفصيل دافئ، مدى التفاهم مع المرأة التي اختارها قلبه، كم الرحمة والمودة بينهما.

كيف أن كل يوم معًا يولد شعورًا جديدًا بالسكينة، وفي كل كلمة له، كان عبدون يسمع، لكنه لم يكن هناك تمامًا.

سارح بخياله مع أمل، يتخيل حركاتها، ابتسامتها، طريقة كلامها، طريقة وقوفها تحت شمس الصحراء، حتى ظن أن الزمن توقف لحظة.

رواية علي محمد علي: الراعي (15)

رواية علي محمد علي: الراعي (14)

التقط عمر فجأة خيط الصمت: مولانا… رحت فين؟

ابتسم عبدون، وعيناه ما زالتا تراقبان وجه عمر: لا أبدًا… أنا فقط أنصت لك.
ارتفع حاجب عمر قليلاً، نظرة استفسار، وقال: لا والله، شكل إنصاتك المرة دي مش مريحني.
تقدم عبدون خطوة أخف، صوته أصبح أهدأ، كأنه يعترف لنفسه قبل أن يعلن: في الحقيقة… أنا بفكر أسيب هنا.
قال عمر، بعينين لامعتين قليلًا، وكأن السؤال يحمل تحديًا: أخيرًا… وناوي على إيه؟
تنفّس عبدون ببطء، ثم رد، وكأن قراره لم يكتمل بعد: أ… لا… لسه بفكر، ولم أتخذ القرار بعد.
ابتسم عمر، بلمحة حزم ودفء: بس على الله تكون حاجة تستاهل.

هزّ عبدون رأسه، وكأن القدر وحده يتحكّم: يفعل الله ما يريد.

قال عمر، وهو يبتسم بمكر قليل: المرة القادمة سأحضر لك رجلًا كنت قد اتفقت معه على العمل هنا.
رفع عبدون رأسه، نظرة فيها فضول واهتمام: عظيم… دعنا نتعرف عليه عن قرب.
ظلّ الصمت بينهما لحظة، لكن المشهد كان حيًّا، كل كلمة، كل نظرة، تفتح مساحة جديدة للفكر، للخيال، وللاختبارات القادمة التي تنتظر عبدون، بعيدًا عن الطاعة، بعيدًا عن الماضي، نحو شيء… لم يحدد بعد.
خرج عبدون في موعد عودة أمل، وما إن رأته حتى توقفت، كأن لحظة الصحراء تجمّدت حولهما، ثم قالت بصوت دافئ لكنه صادق: كل يوم كنت أبحث عنك.

ابتسم عبدون ابتسامة قصيرة، صوته هادئ لكنه حازم: أنا موجود.

مالت برأسها، وعينها تتفحصه: كيف أصبحت؟
قال، وهو ينظر بعيدًا للحظة: وكأن عقلي اتخذ القرار… لكن قلبي ما زال حائرًا.
حدّقت فيه للحظة، ثم قالت بحزم ودفء: لما كل هذا؟ أنا أعدك بحياة أفضل.
ارتفع حاجب عبدون، ونظرة فضول تختلط بالحذر: وما المقابل؟
تراجعت قليلًا، مصدومة من صراحته، ثم قالت: لا شيء… لمجرد أنك إنسان، وأنا إنسانة، وأحببت أن أساعدك.
تنفّس عبدون ببطء، صوته صار أعمق: علمتني الصحراء أن كل شيء له ثمن… فما الثمن الذي تطلبينه؟
ابتسمت ابتسامة هادئة، لكنها مليئة بالثقة، وقالت: اسمع يا عبدون، سأكون صريحة معك… منذ أن رأيتك أول مرة وأنا أجد فيك شيئًا لا أعرفه، شيئًا يشدني إليك، لا أعرف ما هيته، دعني أكون صريحة… أنا راهنت نفسي عليك.

ارتعش صوته قليلًا، لكنه احتفظ بثقله: على ماذا؟

نظرت إليه، عينها تلمع بالفضول والحزم: إما أن تكون متحضرًا، متمدنًا، أو أن أكون أنا بدائية… أو قل بدوية، صحرواية.
ابتسم عبدون، نظرة فيها تقدير للتحدي: هذا تحدٍ كبير.
أومأت برأسها، عينيها تثبتان فيه، قالت: أراك مستعدًا له.
توقف عبدون للحظة، فكر في كلماتها، شعر بثقل التحدي، لكنه بدا طبيعيًا له، كأن جزءًا منه كان يتوقع اختبارًا كهذا، وقال بثقة تزداد قليلًا مع كل كلمة: هذا تحدٍ كبير… لكن… ليس مهم أن أكون مستعدًا… المهم أنت.
ابتسمت، ضحكت ضحكة قصيرة، حقيقية، لمسة من الدهشة والفضول في عينيها، بينما الهواء حولهما صار أثقل قليلًا… الصحراء صامتة، لكنها تحمل لحظة توقيت دقيقة، حيث كل كلمة وكل نظرة وضعت أساسًا لما سيأتي بعد، اختبار صامت لعبدون… واكتشاف علمي حقيقي لأمل.

عوض

أتى عمر هذه المرة ومعه شخص يُدعى عوض، وكان عبدون يراقب كل حركة جديدة بحذر، شرع في تعليمه كل الأمور الظاهرية في المكان، أشياء يمكن أن يراها أي عابر، لكنه احتفظ لنفسه بكل البواطن، كل الأسرار والخفايا التي يعرفها عن الملك والقطيع والنظام الذي حكم المكان منذ زمن.
عوض كان رجلاً طيبًا، مسالمًا، صبورًا، حديثه مستمر عن زوجته وأبنائه، عن حياته اليومية، وعن الاتفاق الذي أبرمه مع عمر بيه بأن يعمل خمسة عشر يومًا في الملك، ثم يأخذ مثلها إجازة مع أولاده وزوجته، وكأن النظام والإنسانية يمكن أن يجتمعا معًا.

حكايات عمر وعوض 

تأثّر عبدون بتلك الحكايات، تأثيرًا غير مباشر، ليس بالكلمات وحدها، بل بطريقة هدوئه واستقراره في الحديث عن حياته.

ذكر عمر أن شخصًا ثالثًا سيأتي متأخرًا بعد أن يتعلم عوض كل ما يتعلق بالملك، وها هو في اليوم الخامس عشر بالتمام والكمال، جاء عمر بيه ومعه هذا الشخص الثالث، ويدعى “خلف”

الوداع 

تركه عمر مع عوض، وأخذ عبدون ناحية السيارة، حيث أحضر له بعض الملابس الجديدة، وفتح له شنطة تحتوي على مائتي ألف جنيه، وقال بصوت ثابت وجاد:
هذا تعويض بسيط لك، لما بذلته وقدمته لنا من خدمات، وإن احتجت أي شيء آخر، أنت تعرف مكاني وكيف تصل إلي.

سلم عبدون عليه، أخذ أشياءه، وذهب إلى المنزل، اغتسل ببطء، ارتدى ملابسه الجديدة، كل قطعة تشعره بثقل وحرية معًا، ثم وقف ينظر نظرة طويلة إلى المكان.

كل زاوية وكل ظل فيه يذكّره بما عاشه وبما قد يأتي

سالت دمعة واحدة على خده، حرة، خفية، لكنها محمّلة بكل المشاعر، بالامتنان، بالحزن، بالرحيل، وبالصحراء التي احتضنته، ثم التفت، وأخذ طريقه نحو المجهول، وانصرف… وحمل قلبه معه، أثقل وأقوى من أي وقت مضى.

الموعد 

فوجدها في الموعد، واقفة كما هي، هادئة، كأنها كانت تعلم أنه سيأتي، لم تسأله أين كان، لم تناقشه، لم تحاصره بالكلام، فقط نظرت إليه نظرة قصيرة، ثم أشارت برأسها نحو السيارة، ففهم، وصعد دون كلمة، وانطلقت به، وهو صامت، يحتضن شنطة المال بين ذراعيه كأنها الشيء الوحيد الثابت في عالم بدأ يتغيّر فجأة.

كانت تقود بثقة، لا تلتفت إليه، وكأن كل شيء قد رُسم سلفًا، وهو ينسحب داخل نفسه، غارقًا في ذكريات عمرٍ كامل، الصحراء، القطيع، العريشة، صوت الريح، ووجوهٍ مرّت ثم اختفت، حتى توقفت السيارة داخل جراجٍ واسع، أنيق، مغلق، كأن العالم في الخارج أُغلق ببابٍ ثقيل.

ظل جالسًا، لم يتحرك، كأن جسده لم يصل بعد.

قالت بصوت خافت، دافئ، لكنه حاسم: حمدًا لله على السلامة.
التفت إليها ببطء، كمن عاد من مسافة بعيدة، ثم فتح الباب ونزل، وقف لحظة ينظر حوله، كل شيء منظم، نظيف، صامت، لا يشبه شيئًا مما عرفه، فتبعها دون اعتراض، صعدا السلم معًا، خطواته أبطأ قليلًا، وكأن كل درجة تخلعه من شيءٍ قديم، ولم يعترضهما أحد، لا صوت، لا حركة، كأن المكان معدّ له وحده.

فتحت باب غرفة فوق السطح، ودخلت أولًا، ثم أفسحت له الطريق، فدخل.

توقف.

الغرفة مرتبة بعناية، تفاصيلها محسوبة، السرير، الضوء، الرائحة، كل شيء يحمل لمسة أنثوية واضحة، لكنه لم يعرف كيف يسميها، فقط شعر بها، كشيء غريب… وناعم في آنٍ واحد.
قالت بهدوء: هذا بيتك الجديد.
ظل واقفًا، لا يلمس شيئًا، لا يجلس، كأنه يخشى أن يفسد هذا النظام بمجرد وجوده.
أكملت: لتسترح الليلة… وغدًا نكمل حديثنا.

 

 

شارك المقال: