رحلة إلى قاع الهامور:حينما يصبح الشعب هو الطُعم (3-3)
الشعب لم يعد يعيش في قاع الهامور فحسب، بل أصبح يدرك أنه هو "الطُعم"، أياً كان من رماه في الماء.. عدواً كان أم حبيباً.

صورة تعبيرية للمقال
من «سلطع برجر» إلى «طعمية القاع»
لم تعد الفواتير والأسعار هي الشيء الوحيد الذي يجعل المواطن المصري يشعر بأنه “يغرق”
فقد قرر الشعب بكامله وبكامل إرادته الحرة أن يرتدي بدلة غطس افتراضية، ويترك سطح الأرض بما فيه من فواتير كهرباء وإيجارات متأخرة، ليهبط بالقرارات والشنط إلى «قاع الهامور»!
ظهور جروب (قاع الهامور) فجأة وانتشاره الكاسح، ليجمع حوالي مليوني شخص في ساعات قليلة، لم يكن مجرد صدفة رقمية أو موجة كوميكس عابرة.
بصفتي مراسلاً لموقع «آخر الكلام» قررت أن أحمل ميكروفوني المقاوم للماء وأغوص خلف هذا التريند الجارف.
لم أكن أبحث عن “سبونج بوب” أو “بسيط نجم” بل كنت أبحث عن إجابة لسؤال أعمق:
لماذا وجد كل هؤلاء المصريين أنفسهم مستعدين للانضمام فوراً؟
هل هي رحلة ترفيهية؟
أم أن (قاع الهامور) كشف عن حالة مجتمعية كانت تبحث عن عنوان تتجمع تحته؟
عاجل من قاع الهامور: «آخر الكلام» تصدر أول طبعة مبللة (2-3)
د. محمد فؤاد: يغوص في قاع الهامور ليؤسس مكتب آخر الكلام (1)
المحطة الأولى: مقهى «دلو الصداقة» عمال الترحيل والبطالة البحرية
كانت محطتي الأولى عند “شمشون” في مطعم دلو الصداقة، وهناك وجدت “عم حنفي” (المقاول الذي تحول إلى سمكة قراميط من كثرة الانتظار)
سألته بصفتي صحفياً: «يا عم حنفي، إيه اللي رماك على المر ده؟
إيه اللي جابك قاع الهامور؟»
نفخ دخان الشيشة (التي كانت عبارة عن فقاعات هواء تخرج من قاع صدفة قديمة) وقال بمرارة تكاد تعكر مياه المحيط:
“يا باشا، فوق السطوح الفاتورة بتجيلك باليورو، والغاز بيقطع كل شوية، إنما هنا في قاع الهامور، الأكسجين مجاني، والضغوط أخف لأن الضغط الجوي تحت الماء بيعادل ضغط الديون.
فالواحد تعود! الجروب ده ملمناش عشان بنحب الكرتون، الجروب ده لمّنا لأننا كلنا، بمختلف طبقاتنا، حاسين إننا بقينا “طُعم” في صنارة كبيرة مش عارفين مين ماسكها.
على الأقل هنا بنضحك وإحنا بنتاكل!”
أدركت حينها أن الهروب للقاع ليس ترفاً، بل هو لجوء سياسي واقتصادي لعالم كرتوني.
الشعب لم يعد يعيش في قاع الهامور فحسب، بل أصبح يدرك أنه هو “الطُعم”، أياً كان من رماه في الماء.. عدواً كان أم حبيباً.
المحطة الثانية: مدرسة مدام نفيخة لتعليم قيادة «القوارب»
الطبقة المتوسطة وحلم الميكروباص المائي
على كورنيش القاع، وقفت أمام مدرسة مدام نفيخة، حيث تتزاحم الطبقة المتوسطة الحالمة بالحصول على رخصة قيادة “قارب عجل”
التقيت بالمهندسة “مرفت” وهي محاسبة سابقة في شركة استثمارية، وكانت ترتدي خوذة غطس مطرزة بالخرز.
سألتها عن سر وجودها هنا، فابتسمت بابتسامة باهتة تشبه قنديل البحر:
”فوق، كنت بصحى الساعة 6 الصبح عشان أركب ميكروباص أعمى، وأدفع نص مرتبى بنزين ومواصلات، وفي الآخر أبص في المراية ألاقي نفسي عجوزة قبل أواني”
هنا في قاع الهامور، إحنا لقينا مسمى لحالتنا.
المليونين اللي دخلوا الجروب دول مش بيهزروا، دول بيعملوا “علاج جماعي” بالكوميديا الساخرة.
إحنا نزلنا القاع لأن فوق مابقاش فيه مكان نتنفس فيه.. القاع أرحم، حتى لو كنا مجرد سمك زينة بيتفرجوا علينا»
كانت كلماتها تحمل سخرية جارحة؛ سخرية شعب قرر أن يضحك على مآسيه بتحويلها إلى “كوميكس” وميمز، ليثبت أن الانتماء للقاع أصبح أسهل من محاولة الطفو على السطح.

المحطة الأخيرة: بيت شفيق حبار.. صالون المثقفين المكتئبين ومرارة «الطُعم»
أرقى محطة في جولتي كانت أمام منزل “شفيق حبار” الموسيقي الفاشل الذي يمثل الحالة المزاجية لكل صحفي ومثقف مصري في 2026.
وجدته جالساً يعزف على كلارينيت مغطى بالطحالب، وينظر نظرات حائرة نحو الأعلى (حيث السطح المضيء الذي هرب منه الجميع)
اقتربت منه بلطف وقلت: «يا استاذ شفيق، كيف تجد الحياة في القاع بعد هذا النزوح الجماعي؟»
نظر إليّ نظرة المودع وقال بصوت حزين، يقطر فلسفة ومرارة:
“يا بني، قاع الهامور ليس مكاناً جغرافياً، ولا هو مجرد جروب على السوشيال ميديا.. قاع الهامور هو حالة الانفصال التام عن الواقع التي وصل إليها الملايين.
نحن نتجمع هنا لنثبت لأنفسنا أننا لسنا وحدنا في هذا الغرق.
الأزمة الحقيقية ليست في النزول للقاع، الأزمة أننا جميعاً ندرك أننا مجرد “طُعم” معلق في سنارة.
ونحن نضحك مع السمكة التي ستلتهمنا. السخرية هنا هي صرخة مكتومة، وكل “هاهاها” على الجروب هي في الحقيقة تنهيدة يأس”
عندما تصبح السخرية طوق النجاة الأخير
خرجت من جولتي في قاع الهامور وميكروفوني يقطر مياهًا وملوحة، وأنا أدرك تماماً عمق هذه الظاهرة الرقمية.
المصريون لم يذهبوا إلى قاع الهامور حباً في الكرتون أو بحثاً عن الترفيه السطحي.
بل لأنهم وجدوا في هذا القاع الافتراضي مرآة تعكس واقعهم الصعب.
تجمعُ الملايين في ساعات معدودة هو استفتاء شعبي غير معلن على حالة التعب العام.
لقد نزلنا إلى قاع الهامور هرباً من سخونة الواقع، فوجدنا أن الماء البارد لا يطفئ نيران الأزمات، بل يجعلنا نرى بوضوح أننا نحن “الطُعم” في لعبة أكبر منا جميعاً. ولكن على الأقل.
يمنحنا هذا القاع مساحة لنضحك على أقفيتنا معاً، قبل أن تبتلعنا حيتان المحيط.
سؤال للقارئ: بعد أن أدركت أنك لست سوى “طُعم” في هذا المحيط الشاسع، هل ستستمر في الضحك داخل قاع الهامور، أم ستحاول فك نفسك من السنارة والسباحة نحو السطح.
رغم كل العواصف؟






