مقالات
د. محمود عبد اللطيف
د. محمود عبد اللطيف

د. محمود عبد اللطيف يكتب: انتحال صفة المعلم جريمة لا يراها أحد… من يحمي عقول أبنائنا؟

المعلم الذي درس وتخصص وتدرب وقضى سنوات في اعداد نفسه لممارسة المهنة، لماذا يجب ان يتساوى مهنيا مع شخص يستطيع ان يعلن عن نفسه معلما لمجرد انه يملك بعض المعرفة او الشهرة؟

مشاركة:
حجم الخط:

الطبيب المزيف خطر على جسد واحد، أما المعلم غير المؤهل فقد يكون خطرا على جيل كامل

تخيلوا شخصا لا يحمل التأهيل الطبي المطلوب يفتح عيادة، ويستقبل المرضى، ويقدم نفسه باعتباره طبيبا.

ماذا سيحدث؟

غضب مجتمعي، بلاغات، تحرك من الجهات المختصة، تحقيقات، وربما محاكمة اذا توافرت اركان الجريمة وفقا للقانون.

وتخيلوا شخصا ينتحل صفة قاض او مستشار، ويستغل ثقة المواطنين، ويوهمهم بقدرته على حل قضاياهم مقابل المال.

هنا ايضا يتحرك المجتمع، وتتحرك الجهات المختصة، لان الجميع يدرك ان انتحال الصفة المهنية ليس امرا بسيطا.

لكن دعونا نطرح السؤال الذي يبدو اننا لا نريد سماعه:

ماذا لو وقف شخص غير مؤهل امام عشرات الطلاب، وقدم نفسه باعتباره معلما؟

لماذا لا نتعامل مع المسألة بالجدية نفسها؟

لماذا لا نرى في الامر خطرا على مستقبل الطلاب؟

ولماذا ما زال البعض يتعامل مع مهنة التعليم وكأنها مجرد قدرة على شرح معلومة او جذب الطلاب؟

من يحمي عقول ابنائنا؟

التعليم ليس مهنة من لا مهنة له

المعلم ليس شخصا يعرف المعلومة فقط.

ولو كان الامر كذلك، لما احتجنا الى كليات التربية، ولا الى علوم المناهج وطرق التدريس، ولا الى علم النفس التربوي، ولا الى القياس والتقويم، ولا الى التدريب العملي، ولا الى كل هذه السنوات التي يقضيها المتخصص حتى يصبح مؤهلا لممارسة التعليم.

المعلم الحقيقي يتعلم ماذا يدرس، وكيف يدرس، ولمن يدرس.

يتعلم كيف يتعامل مع طالب ضعيف، وكيف يحفز الطالب المتفوق، وكيف يكتشف مواطن الضعف، وكيف يقيس مستوى الفهم، وكيف يراعي الفروق الفردية، وكيف يحول المعرفة الى تجربة تعليمية يفهمها الطالب ويستفيد منها.

ولهذا فإن امتلاك المعلومة لا يعني امتلاك مهنة التعليم.

والقدرة على التحدث امام الطلاب لا تعني القدرة على تربيتهم وتعليمهم.

والشهرة لا تعني التأهيل.

وعدد المتابعين لا يساوي شهادة مهنية.

الخطر الحقيقي لا يظهر في اليوم الاول

المشكلة في التعليم غير المؤهل ان اضراره قد لا تظهر فورا.

قد يخرج الطالب من الحصة وهو سعيد.

قد يظن ولي الامر ان ابنه استفاد.

وقد يبدو كل شيء على ما يرام.

لكن ماذا لو كانت المعلومة خاطئة؟

ماذا لو كانت طريقة الشرح تقتل التفكير؟

ماذا لو اعتاد الطالب الحفظ دون الفهم؟

ماذا لو تم بناء اساس علمي ضعيف استمر معه سنوات؟

هنا لا نتحدث عن خطأ عابر.

نحن نتحدث عن انسان في مرحلة التكوين.

وما يتم زرعه في عقل الطفل اليوم قد يصعب اقتلاعه غدا.

ولهذا فإن خطورة التعليم غير المؤهل ليست دائما في الضرر الذي نراه، بل في الضرر الذي قد لا نكتشفه الا بعد سنوات.
من يحمي المعلم المؤهل؟

هناك جانب اخر لا يقل اهمية.

المعلم الذي درس وتخصص وتدرب وقضى سنوات في اعداد نفسه لممارسة المهنة، لماذا يجب ان يتساوى مهنيا مع شخص يستطيع ان يعلن عن نفسه معلما لمجرد انه يملك بعض المعرفة او الشهرة؟

اذا سمحنا بهذا، فنحن لا نضر الطالب وحده.

بل نرسل رسالة خطيرة الى المجتمع:

لا حاجة للتأهيل… يكفي ان تسوق نفسك جيدا.

وهذه رسالة كارثية اذا وصلت الى مهنة التعليم.

لان التعليم يجب ان يقوم على الكفاءة قبل الشهرة، وعلى التأهيل قبل التسويق، وعلى المسؤولية قبل الربح.

ليست المشكلة في التعليم الخاص… المشكلة في غياب الضوابط

ولكي نكون منصفين، فالمطالبة بتنظيم ممارسة التعليم لا تعني مهاجمة كل من يقدم دروسا او محتوى تعليميا، ولا تعني التضييق على من يعمل وفقا للقانون.

المطلوب ابسط واوضح من ذلك:

ضوابط واضحة.

من يحق له ممارسة التعليم؟

ما المؤهلات المطلوبة؟

ما الجهات المسؤولة عن الرقابة؟

كيف يتم التحقق من المؤهلات؟

وماذا يحدث عندما يقدم شخص نفسه للناس باعتباره معلما دون ان يستوفي المتطلبات القانونية والمهنية؟

هذه الاسئلة يجب ان تكون لها اجابات واضحة.

لان تركها بلا اجابات يعني ترك الباب مفتوحا للفوضى.

المعلم هو البداية

هناك حقيقة يجب الا ننساها.

الطبيب الذي نحرص على الا ينتحل احد صفته، جلس يوما امام معلم.

والمهندس جلس امام معلم.

والقاضي جلس امام معلم.

والاستاذ الجامعي نفسه كان يوما طالبا يتلقى المعرفة من معلم.

اذن المعلم ليس مهنة عادية تقع في نهاية السلم.

المعلم هو اول السلم.

هو الذي يضع الاساس الذي تبنى عليه بقية المهن.

فكيف نحمي المهن التي تخرج من رحم التعليم، ثم نتعامل مع التعليم نفسه وكأنه اقل اهمية؟

رسالة الى الدولة والمجتمع

نحن بحاجة الى موقف واضح.

نحتاج الى حماية مهنة التعليم من الفوضى، والى وضع ضوابط مهنية وقانونية واضحة، والى رقابة فعالة، والى محاسبة كل من تثبت مخالفته للقوانين ذات الصلة.

وفي الوقت نفسه، يجب حماية الطالب وولي الامر من الاستغلال، وحماية المعلم المؤهل من التعدي على مكانته المهنية.

لا نريد عقوبات عشوائية.

ولا نريد اتهامات بلا دليل.

ولا نريد ملاحقة لمجرد الاختلاف.

نريد قانونا واضحا يطبق بعدالة على الجميع.

لا تنتظروا حتى يضيع جيل

اخطر ما في هذه القضية ان ثمن الخطأ قد لا يدفعه من ارتكبه.

قد يدفعه الطالب.

ثم اسرته.
ثم الجامعة.
ثم سوق العمل.
ثم المجتمع كله.

جيل كامل قد يحمل فجوات معرفية لم يكن سببا فيها.

ولهذا يجب ان نعيد طرح السؤال بصوت مرتفع:

اذا كان المجتمع يحمي صحة ابنائه من الطبيب غير المؤهل، ويحمي حقوقهم من منتحل صفة المحامي او القاضي، فمن يحمي عقولهم من التعليم غير المؤهل؟

المسألة ليست لقب “معلم”

وليست منافسة على وظيفة.

وليست حربا على احد.

انها قضية مستقبل.

فالمعلم لا ينقل المعلومات فقط.

المعلم يشارك في بناء شخصية.

ويبني طريقة تفكير.

ويزرع ثقة او يهدمها.

ويفتح بابا للمستقبل او يغلقه.

ولهذا فان حماية مهنة التعليم ليست رفاهية.

ومن يستهين بمن يقف امام عقول ابنائنا اليوم، قد يكتشف غدا ان الثمن لم يكن حصة ضائعة… بل جيلا كاملا.

شارك المقال: