د. محمد المهدي يكتب: ماذا حدث داخل العقل المصري أمام الأرجنتين؟
العقل المهاجم يبحث عن الفرص، أما العقل المدافع عن مكسبه فيصبح أكثر حذرًا وأكثر خوفًا من الخطأ.

الفريق المصري في كأس العالم (وسائل التواصل)
سيكولوجية الانهيار في الدقائق الأخيرة
ليست كل الهزائم متشابهة فهناك هزائم نتقبلها لأنها نتيجة تفوق واضح للمنافس، وهناك هزائم تترك جرحًا نفسيًا عميقًا لأنها تأتي في اللحظة التي يبدأ فيها العقل بتذوق طعم الانتصار.
ومن هذا النوع كانت خسارة المنتخب المصري أمام الأرجنتين في مونديال 2026
فالمصريون لم يشعروا فقط بأن فريقهم خسر مباراة، بل شعروا بأن حلمًا كان بين أيديهم ثم تسرب فجأة في اللحظات الأخيرة.
وإذا قارنا بين أداء ميسي وأداء محمد صلاح فسنجد فارقا هائلا فميسي يتحرك بديناميكية عالية ويبذل جهدا خارقا ليحول الهزيمة إلى نصر بينما محمد صلاح كانت حركته محدودة ولا يبدو عليه علامات الإهتمام والشراسة التي كانت على وجه ميسي.
وربما انتقلت هذه الروح ( روح الطمأنينة المبكرة بالنصر) إلى باقي الفريق فعاش في غمرة سعادة النصر قبل انتهاء المباراة فنزلت عليه الأهداف كالمطر وخسر المباراة
من منظور علم النفس الرياضي
فإن ما حدث لا يمكن تفسيره بعامل واحد فالانهيارات الكبرى غالبًا ما تكون نتيجة تفاعل عدة عوامل نفسية وبدنية وفنية في وقت واحد. لكن العامل الأكثر إثارة للاهتمام هو ما يسمى “الانتقال المبكر إلى عقلية النصر”.
فحين يقترب الإنسان من تحقيق هدف كبير يبدأ عقله لا شعوريًا في التعامل مع الإنجاز باعتباره قد تحقق بالفعل.
وهنا تتغير طريقة التفكير والانفعال والتركيز دون أن يشعر بذلك.
في هذه المرحلة لا يعود اللاعب يقاتل من أجل الفوز، بل يبدأ في الدفاع عن الفوز. والفرق بين الحالتين كبير جدًا.
فالعقل المهاجم يبحث عن الفرص، أما العقل المدافع عن مكسبه فيصبح أكثر حذرًا وأكثر خوفًا من الخطأ.
وعندما يزداد الخوف تتراجع الجرأة، وعندما تتراجع الجرأة يزداد الضغط النفسي، وعندها تبدأ الأخطاء الصغيرة التي تفتح الباب أمام الانهيار.
وإذا كان الفريق كله قد تعرض لهذا الضغط، فإن العبء الأكبر يقع عادة على القائد.
وهنا تبرز حالة محمد صلاح فالقائد لا يحمل فقط مسؤولية الأداء الفني، بل يحمل أيضًا العبء الانفعالي للفريق كله.
وعندما تبدأ المباراة في الانفلات من بين يدي الفريق، يجد نفسه في صراع نفسي معقد: هل يهدئ زملاءه؟ هل يضغط هجوميًا؟
هل يحتج على الحكم؟ هل يحافظ على تماسك المجموعة؟
إنها لحظات تتزاحم فيها عشرات القرارات خلال ثوان معدودة .
.
وقد يكون من الظلم تحميل صلاح مسؤولية ما حدث، لكنه بحكم مكانته أصبح رمزًا للحلم المصري كله.
ولذلك فإن الجماهير لا ترى فيه مجرد لاعب، بل ترى فيه تجسيدًا لطموحاتها وآمالها.
وعندما يخسر الفريق، تنتقل الصدمة الجماعية إليه بصورة تلقائية، حتى لو كان أداؤه جيدًا.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل ما حدث يعكس جانبًا من الشخصية المصرية؟
الإجابة العلمية تقتضي الحذر، لكن لا يمكن تجاهل ملاحظة تتكرر في أكثر من مجال.
فالمصري قادر على بذل جهد هائل في البدايات، وقادر على تحقيق إنجازات مبهرة عندما يكون الهدف واضحًا وقريبًا.
لكن التحدي الأكبر أحيانًا يكون في إدارة مرحلة ما بعد النجاح الأولي.
ولعل هذا ما جعل بعض المراقبين يقارنون بين ما حدث في المباراة وبين بعض المحطات التاريخية في الحياة السياسية المصرية.
ففي أكثر من مناسبة بدا وكأن الوصول إلى الهدف الأول قد ولد شعورًا بأن المهمة اكتملت، بينما كانت المراحل الأصعب لا تزال تنتظر.
إنها ظاهرة نفسية معروفة تسمى “وهم اكتمال المهمة”، حيث يخلط العقل بين الاقتراب من الهدف وتحقيقه فعليًا.
أما الجدل التحكيمي الذي صاحب المباراة، فهو جزء من المشهد النفسي أيضًا.
فعندما يتعرض الإنسان لصدمة كبيرة يبحث عقله تلقائيًا عن تفسير خارجي يخفف من وطأة الألم.
لذلك تتجه الأنظار إلى الحكم أو تقنية الفيديو أو أي عامل خارجي.
وقد يكون بعض هذا الجدل مشروعًا، وقد تكون بعض القرارات قابلة للنقاش، لكن التركيز الحصري على هذه العوامل قد يحجب عنا الدرس الأهم.
والدرس الأهم ليس أن الأرجنتين كانت أقوى، ولا أن الحكم كان منحازًا أو غير منحاز، وإنما أن النجاح لا يتحقق عند الدقيقة الثمانين أو الخامسة والثمانين أو حتى التسعين، بل عند إطلاق صافرة النهاية.
وهذه قاعدة لا تخص كرة القدم وحدها، بل تخص السياسة والإدارة والثورات والعلاقات الإنسانية وكل مشروع في الحياة.
لقد خسرت مصر مباراة، لكنها ربحت درسًا نفسيًا بالغ القيمة:
لا تحتفل بالنصر قبل أن يكتمل، ولا تتوقف عن القتال لأنك أصبحت قريبًا من الهدف. ففي كثير من الأحيان تكون أخطر لحظات الرحلة هي تلك التي نظن فيها أن الرحلة قد انتهت .






