د. مجدي قرقر يكتب: نشأة التفسير الموضوعي وأهميته (4)
القول بحداثة التفسير الموضوعي إنما ينصرف إلى نشأته علمًا مستقلًا له مصطلحه ومنهجه وضوابطه، أما أصوله التطبيقية وممارساته الأولى فتعود إلى عهد النبوة والصحابة

صورة تعبيرية للمقال
مناهج تفسير القرآن
تناولنا في ثلاث مقالات سابقة مناهج تفسير القرآن، أساليب تفسير القرآن الكريم، خلفية المفسرين، وأنواع لتفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
وأشرنا إلى أن تفاسير القرآن الكريم تنقسم إلى نوعين إما بالمأثور وإما بالرأي (الدراية) وقد يضاف إليهما التفسير الإشاري.
وانتقل بنا الحديث إلى أن هناك أربعة أساليب للتفسير (التفسير التحليلي، التفسير الإجمالي، التفسير المقارن، والتفسير الموضوعي)
وتطرقنا إلى مفهوم كل منهم، كما تطرقنا إلى تعدد التفاسير وفقا للخلفية العلمية للقائم بالتفسير. وفي المقال الأخير عرضنا بالتفصيل لأنواع التفسير الموضوعي.
د. مجدي قرقر يكتب: مناهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (3)
د. مجدي قرقر يكتب: مناهج تفسير القرآن
نشأة التفسير الموضوعي
لا شك أن مصطلح التفسير الموضوعي مصطلح حديث عندما تقرر تدريسه كمقرر في قسم التـفـسـير بكلية أصول الدين جامعة الأزهر منذ أقل من مائة عام.
ومن ثم، فإن القول بحداثة التفسير الموضوعي إنما ينصرف إلى نشأته علمًا مستقلًا له مصطلحه ومنهجه وضوابطه، أما أصوله التطبيقية وممارساته الأولى فتعود إلى عهد النبوة والصحابة، كما يقول الشيخ الدكتور محمد بن عبد العزيز الخضيري أستاذ علوم ودراسات القرآن بالمملكة السعودية كما يلي:
” تفسير القرآن بالقرآن:
وهو التفسير الأول والأهم ضمن التفسير بالمأثور إلا أنه بالقطع هو لب التفسير الموضوعي وأعلى ثمراته كما يقول الدكتور الخضيري.
وجمع الآيات التي تناولت قضية واحــدة والجمع بين دلالاتها والتنسيق بينها كان أبرز ألوان التفسير التي كان النبي -صلى الله عـلـيــــه وسلم- يربي أصحابه عليها.
وكما أشرنا في مقال السابق أن عبد الله بن مسعود رضـي الله عنه قال:
لما نزلت هذه الآية “الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ” (الأنعام 82) شق ذلك على الناس فقالوا: (يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه؟
قال: إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح “إن الشرك لظلم عظيم” (13 لقمان) رواه البخاري ومسلم.
ومن هذا القـبـيل ما كان يلجأ إليه الصحابة -رضوان الله عليهم- من الجـمـع بين الآيات الـقـرآنية التي يُظنُّ بينها تعارضٌ.
وقد وضع العلماء قاعدة في أصول التـفـسير تقتضي بأن أول مــا يرجع إليه المفسر القرآن الكريم، فما أُجمل في موضع قد فُصِّل في موضع آخر، وما أُطلق في سورة قد جاء ما يقيِّده في سورة أخرى، وما ورد عامًا قد يرد ما يخصِّصه في موضع آخر، وهــذا اللون من التفسير هو أعلى مراتب التفسير وأصدقها إذ لا أحد أعلم بكلام الله من الله
– آيات الأحكام:
قام الفقهاء بجمع آيات كل باب من أبواب الفقه على حدة، وأخذوا في دراستها واستنباط الأحكام منها، والجمع بين ما يظهر التعارض، وذكروا ما نص عليه ومـــــا استنبط من القرآن بطريق الإشارة والدلالة الخفية، ونحو ذلك، وكله داخل تحت مسمى التفسير الموضوعي.
الأشـبــاه والنظائر:
- وهو تتبع اللفظة القرآنية، ومـحـاولة مـعـرفة دلالاتـهـــا المختلفة، وهو تتبع اللفظة القرآنية في مواضع ورودها، ومحاولة الوقوف على دلالاتها المختلفة في سياقاتها المتنوعة. مثال ذلك: كلمة “خير” وردت في القرآن على ثمانية أوجه حـسـبـما ذكره الدامغاني في كتابه “إصلاح الوجوه والنظائر” (ص 168 -169) وهي:
- المال: “…. وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ” (272 البقرة)
- الإيمان:
- “ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ” (الأنفال 23).
- الإسلام:
- “مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ”(105 البقرة).
- أفضل:
- “وأَنتَ خَـيْــرُ الرَّاحِمِينَ” (109 & 118المؤمنون) ، “وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ” (109 يونس).
- وأيضا العافية، والأجر، والطعام، والظفر والغنيمة والطعن في القتال، وهو ما لا يسمح بتفصيله مساحة المقال.
وهذه نماذج تكشف عن تنوع الدلالة بحسب السياق، وهو ما يجعل تتبع اللفظ القرآني في مواضع وروده خطوة أساسية في البحث الموضوعي.
- وهذا كما ترى لون من التفسير الموضوعي، وهو أول وسيلة يلجأ إليها الباحثون في البحث عن مـوضـــوعات القرآن حيث يجمعون ألفاظ ذلك الموضوع من سور القرآن ثم يتعرفون على دلالة اللفظ في أماكن وروده.
الدراسات في علوم القرآن:
- اهـتــم العلماء بموضوعات علوم القرآن، ومن بين هذه الموضوعات والدراسات: لونٌ ينصبُّ على دراسة الآيات التي يجمع بينها رابط موضوعي، وجمعها والنظر في دلالاتها كآيات النسخ والقسم والمشكل والجـــدل والأمثال وغير ذلك، ومؤلفاتهم في ذلك يعز على الباحث حصرها وهي أشهر من أن تذكر.
ولشدة العناية بهذا الفن من التفسير قام جمع من الباحثين بوضع فـهـرســـة للقرآن على حسب الموضوعات، ككتاب “تفصيل آيات القرآن الحكيم” وهو معجم موضوعي وضعه المستشرق الفرنسي جول لابوم (Jules La Beaume) ونقله إلى العربية وحققه العالم اللغوي البارز محمد فؤاد عبد الباقي.
ويُعد مرجعاً هاماً لفهرسة آيات القرآن بحسب الموضوعات، إضافة إلى كتاب “المستدرك” الذي وضعه المستشرق “إدوار مونتيه” وهو أيضا فهرس لمواد وموضوعات القرآن الكريم.
أهمية التفسير الموضوعي
تظهر أهمية التفسير الموضوعي في حاجتنا إلى تدبر القرآن وربطه ببعضه البعض وأيضا بقضايا العصر.
ومن بين أوجه التفسير الموضوعي يعدد الدكتور محمد بن عبد العزيز الخضيري ما يلي:
- إبراز وجوه جديدة من إعجاز القرآن الكريم– غابت عن علماء التفسير السابقين -مواكبة لمعطيات التقدم الفكري والحضاري، فيسجل عندها سبق القرآن إليها، ويدلل بذلك على كونه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه الذي لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي غرائبه ودلائل إعجازه.
- التأكيد على أهمية تفسير القرآن بالقرآن، الذي هو أعلى وأجل أنواع التفسير، وبالتفسير الموضوعي ندرك أهمية هذا اللون من التفسير ونُكفى بذلك الوقوف عند كثير من مشكل القرآن أو مواطن الخلاف بين علماء الأمة في تفسير آياته.
- إسهام التفسير الموضوعي للقرآن الكريم في تلبية حاجات الإنسان المتغيرة والتعامل مع الأفكار الجديدة والنظريات العلمية الحديثة بتتبع آيات القرآن، ومحاولة استنباط ما يجب نحو كل ذلك.
إثــراء الـمعلومات حول قضية معينة.
- ويتم تحقيق ذلك من خلال التـفـسـيـــر الـمـوضـوعـي بحيث تتبين لذوي الشأن أدلة جديدة، ورؤى مستفيضة، وتفتيق لشيء من أبعاد القضية المطروحة.
- تأصيل الدراسات وتصحيح مسارها فلقد نالت بعض علوم القرآن حظاً وافــــــراً من البحث والدراسة، إلا أن هناك علوماً أخرى برزت حديثا تحتاج إلى تأصيل بضبط مسارها حتى يؤمن عثارها مثل ما يسمى بـ (الإعجاز العلمي في القرآن)
- فـقـد كثر الكاتبون حوله إلا أنه بحاجة إلى مزيد من الضبط المنهجي والقواعد العلمية؛ حتى يُتجنَّب فيه الإفراط والتكلف من جهة، والتفريط في دلالات القرآن من جهة أخرى.
وهناك علوم ودراسات قائمة منذ القدم لكن الـمسـار الذي تنتهجه يحتاج إلى تصـحـيح وتعديل وإعادة تقويم، كعلم التاريخ الذي أخذ منهجاً في سرد الوقائع والأحداث من غير تعرض لسنن الله في الكون والمجتمع، علماً بأن هذه السنن قد أبرزتها آيات القرآن خلال قصصه بشكل واضح.
وهناك انحرافات مبثوثة في كتب التاريخ تخالف ما نص عـلـيـه في القرآن الكريم، ومن هنا تتأكد أهمية التفسير الموضوعي في استقصاء منهج القرآن في عرض القضايا ودراستها، والكشف عن السنن التي تنتظمها؛ بما يسهم في تصحيح ما قد يعتري بعض الدراسات الإنسانية من قصور أو انحراف في الرؤية.
أهمية التفسير الموضوعي
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم قديم الجذور، إذ أن أصوله التطبيقية وممارساته الأولى تعود إلى عهد النبوة والصحابة.
ولقد شهد هذا العلم تطورًا تاريخيًا بدء بتفسير القرآن بالقرآن، ثم جمع آيات الأحكام، وتبعها علم الأشباه والنظائر وتتبع الألفاظ، والدراسات القرآنية ذات الموضوع الواحد.
وفي منتصف القرن العشرين ظهرت الفهرسة الموضوعية للقرآن، ثم أصبح التفسير الموضوعي علمًا ومنهجًا مستقلًا منذ ثمانينات القرن الماضي ومازال تطور هذا العلم مستمرا حتى وقتنا الحالي.






