حرائق المحلات والمولات تفتح ملف السلامة التجارية في مصر
القاسم المشترك في عدد كبير من الحرائق يبدأ غالبًا من تفاصيل تبدو صغيرة: أحمال كهربائية مرتفعة، وصلات ومشتركات رديئة، أجهزة تكييف تعمل لساعات طويلة

صورة تعبيرية للتحقيق
انذار أحمر في الأسواقl
لم تعد مشاهد ألسنة اللهب وهي تلتهم واجهات المحلات والمراكز التجارية في مصر مجرد حوادث متفرقة تمر سريعًا في نشرات الأخبار.
ففي أيام قليلة، استيقظ المصريون على سلسلة من الحرائق والانفجارات التي ضربت منشآت تجارية في القاهرة والجيزة، وخلف بعضها قتلى ومصابين وخسائر مادية جسيمة، لتعيد إلى الواجهة سؤالًا أكثر إلحاحًا:
هل إجراءات الوقاية من الحرائق تواكب بالفعل التوسع الهائل في المولات والمخازن والأنشطة التجارية؟
الأرقام الرسمية تضيف بعدًا أكثر خطورة للمشهد، إذ سجلت مصر خلال عام 2025 نحو 51 ألفًا و29 حادث حريق، مقابل 46 ألفًا و925 حادثًا في 2024، بزيادة بلغت 8.7%.
وبحساب المتوسط، يعني ذلك وقوع نحو 140 حريقًا يوميًا على مستوى الجمهورية.
ايام ساخنة.. من حدائق الأهرام إلى التجمع الخامس
في 11 أغسطس 2026، تحولت واجهة مول تجاري قريب من بيتي بمنطقة حدائق الأهرام في الجيزة إلى كتلة من النيران.
وأعلنت السلطات العثور على 3 جثامين عقب السيطرة على الحريق.
وأشارت التحريات الأولية إلى أن النيران بدأت نتيجة ماس كهربائي في جهاز تكييف، قبل أن تنتشر بسرعة بسبب طبيعة المواد المستخدمة في واجهة المول، بينما كانت المحال المتضررة تعمل في بيع السجاد والبويات والبلاستيك، وهي مواد يزيد وجودها من سرعة انتشار اللهب عند اندلاع الحريق.
وبعد يومين فقط، في 13 أغسطس، شهد مول أرابيلا بلازا بالقاهرة الجديدة حادثًا أكثر صدمة، بعدما انفجرت أسطوانة معبأة بغاز الهيليوم داخل محل لبيع الهدايا بالطابق الأرضي.
وأدى الانفجار إلى حريق وتلفيات في واجهات محال مجاورة
بينما أعلنت وزارتا الداخلية والصحة وفاة 3 أشخاص وإصابة 17 آخرين، مع الدفع بثماني سيارات إسعاف إلى الموقع.
وأمرت النيابة العامة بفحص تراخيص المركز التجاري ومدى الالتزام باشتراطات الحماية المدنية، كما استدعت مسؤولي إدارة المول، في مؤشر على أن التحقيق لم يقتصر على سبب الانفجار، وإنما امتد إلى منظومة السلامة والإدارة داخل المنشأة.
وفي صباح 15 أغسطس، اندلع حريق جديد داخل مخزن أخشاب بمنطقة الهرم، ما استدعى الدفع بسيارات إطفاء وفرض كردون أمني لمنع امتداد النيران إلى العقارات والمنشآت المجاورة، في واقعة تعكس مرة أخرى خطورة تخزين المواد شديدة الاشتعال داخل الكتل العمرانية.
الأرقام تتكلم.. 51 ألف حريق في عام واحد
تكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن مؤشرات لافتة خلال عام 2025:
• 51,029 حريقًا على مستوى الجمهورية، بزيادة 8.7% عن 2024.
• 15,997 حادثًا ارتبطت بالنيران الصناعية، مثل أعقاب السجائر وأعواد الثقاب والمواد المشتعلة والشماريخ، بما يعادل 31.3% من المسببات.
• 9,153 حادثًا بسبب الماس الكهربائي أو الشرر الاحتكاكي، بنسبة 17.9%.
• تصدرت القاهرة المحافظات بـ 6,968 حريقًا، تلتها الجيزة بـ 4,360 حريقًا.
• سجل مايو أعلى عدد شهري بواقع 5,794 حريقًا، يليه يونيو بـ4,829 حادثًا.
• بلغ عدد الضحايا خلال 2025 نحو 180 وفاة و738 مصابًا.
لماذا تشتعل المحلات والمولات؟
القاسم المشترك في عدد كبير من الحرائق يبدأ غالبًا من تفاصيل تبدو صغيرة:
أحمال كهربائية مرتفعة، وصلات ومشتركات رديئة، أجهزة تكييف تعمل لساعات طويلة، تخزين أخشاب أو بلاستيك أو دهانات ومواد سريعة الاشتعال، أو التعامل غير الآمن مع أسطوانات الغازات.
وتحذر إرشادات الحماية المدنية من أن كثافة تشغيل الأجهزة الكهربائية، خصوصًا خلال فصل الصيف، واستخدام الوصلات الكهربائية غير المطابقة، ووجود مواد قابلة للاشتعال بالقرب من مصادر الحرارة، كلها عوامل ترفع احتمالات نشوب الحرائق واتساعها.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في لحظة الاشتعال فقط، بل في قدرة المنشأة على احتواء الحريق خلال الدقائق الأولى:
هل تعمل أنظمة الإنذار؟
هل توجد طفايات مناسبة؟
هل شبكة الإطفاء جاهزة؟
هل مخارج الطوارئ مفتوحة؟
وهل العاملون يعرفون كيفية الإخلاء والتصرف؟
الوقاية قبل صافرات سيارات الإطفاء
الحل يبدأ من تحويل اشتراطات الحماية المدنية من إجراءات ورقية إلى منظومة تشغيل يومية، عبر الفحص الدوري للتوصيلات ولوحات الكهرباء وأجهزة التكييف.
ومنع تخزين المواد الخطرة بكميات كبيرة داخل المنشآت المزدحمة، وفحص أسطوانات الغازات ومصادر الضغط.
وضمان صلاحية أنظمة الإنذار والرش الآلي والطفايات، وإبقاء مخارج الطوارئ ومسارات الإخلاء مفتوحة طوال ساعات العمل.
كما يجب إجراء تدريبات إخلاء دورية للعاملين
ومراجعة تراخيص الأنشطة ومدى تناسبها مع طبيعة المبنى، مع تشديد الرقابة على المخازن والمنشآت التي تضم مواد شديدة الاشتعال.
حرائق الأيام الماضية أطلقت جرس إنذار واضحًا: إطفاء الحريق بعد اندلاعه نجاح ضروري، لكن النجاح الأكبر هو منع الحريق من أن يتحول أصلًا إلى كارثة.
وبين ماس كهربائي، وأسطوانة غاز، ومخزن قابل للاشتعال، تظل الوقاية والرقابة الصارمة هما خط الدفاع الأول لحماية الأرواح والأسواق والاقتصاد.






