تقارير
فاطمة أبو نادي
فاطمة أبو نادي

صحفية من غزة ماجستير في الإعلام والاتصال الجماهيري .. محاضرة في جامعة غزة

تقرير: في غزة زوجات عالقات وأبناء يكبرون بلا أباء

أكدت "هديل حبيب حسين" الناطقة الرسمية باسم زميلاتها العالقات في قطاع غزة، فهو ملف يعتمد على المصادر المحلية، و غير الرسمية مثل الروابط والجهات المجتمعية  (رابط المصريين العالقين) بهدف حصر بيانات الزوجات العالقات وتنظيم ملفهن.

مشاركة:
حجم الخط:

أبواب مغلقة 

ملف الزوجات العالقات يزداد صعوبة في ظل غياب الجهات الرسمية، فلا يوجد جهة أو منظمة رسمية تتبنى ملف الزوجات العالقات والبالغ عددهن 830 زوجة عالقة، 1500 طفل.

حسب ما أكدت “هديل حبيب حسين” الناطقة الرسمية باسم زميلاتها العالقات في قطاع غزة، فهو ملف يعتمد على المصادر المحلية، و غير الرسمية مثل الروابط والجهات المجتمعية  (رابط المصريين العالقين) بهدف حصر بيانات الزوجات العالقات وتنظيم ملفهن.

وكأن ملف الزوجات العالقات في قطاع  غزة أمر ثانوي

في تفاصيل هذا الملف رأينا كيف تحول دور النساء في غزة في ظل غياب الزوج القسري؟

فهن تحملنَ أعباء الحرب بمفردهن ووجدن أنفسهن أمام مسؤولية كبيرة وهي رعاية أطفالهن في ظل ظروفٍ استثنائية، فضلا عن أنهن يخضن معركة الانفصال الجسدي والروحي معاً. 

“أنا مليش حد وعاوزة أرجع مصر” هكذا اختصرت نهال إسماعيل وجع حكايتها وتجربتها القاسية في مدينة غزة، بعد أن كانت سعيدة مع عائلتها الفلسطينية.

نهال أرملة مصرية عالقة في مدينة غزة، وزوجة شهيد فلسطيني.

جاءت من مصر لتعيش مع زوجها حالها كحال أي امرأة – تتزوج لتبدأ فصلا جديداً في حياتها، فتركت خلفها كل شيء جميل، وآثرت العيش في غزة رغم يقينها بمرارة العيش في مدينة لا ينتهي فيها فصل الموت.

لكن حبها لزوجها نزع الخوف من بين ضلوعها، فنهال سعيدة ومقبلة على الحياة تتشرب ثقافة أهل غزة، وأسلوب حياتهم وأكلاتهم المشهورة، وشاركتهم أفراحهم وأحزانهم، وأصبحت تتحدث بطلاقة لهجة أهل غزة، إلا أن سقطات اللكنة المصرية تحضُرأحياناً، وهو ما يعكس ارتباطها بمصر.

عندما تقترب منها لا تجد سوى ملامح وجهها الشاحب وتجاعيده، رغم أنها لم تتخطَّ سن الخامسة والأربعين.

اليوم لم تعد ملامح نهال تشبه سنّها، فالخوف، والجوع، والفقد في هذه الحرب القاسية تركت على وجه الأم لأربعة أطفال تجاعيد وثقلاً أكبر من عمرها، لتبقى كل أحلامها البسيطة محصورة في كلمة واحدة:

العيش بسلام.

“كنتُ أستمع إلى الأنباء في مصر عن القصف في غزة، لكنني لم أستوعب واقعيته إلى حين عشته لحظة ً بلحظة”

بهذه الكلمات اختصرت نهال صدمتها بالواقع القاسي الذي سلبها زوجها وبيتها وأمانها، وأصبحت بلا مقدمات أرملة شهيد” وأماً معيلة.  

 تحمل نهال في عينيها حزناً، يعكس مرارة وقسوة الحرب التي عاشتها في الحرب كانت كفيلة بعدم تحمل بقائها في غزة.

فتارة تبكي زوجها الشهيد الذي فقدته قبل ثلاثة أعوام، وتارة أخرى على ابنتها المصابة، وتحمل في يدها تقارير ابنتها المصابة التي تؤكد حاجتها الماسة للعلاج.

تراقب بشرود والحسرة تعصر قلبها في ظل انسداد الأفق، أمام بوابة المعبر التي تقف لها، ولكافة الزوجات العالقات بالمرصاد.

وأكدت أنها طالبت مرارًا المسؤولين تسهيل عودتها إلى مصر، وضرورة إجلاء طفلتها وإنقاذها من شبح الموت، والجهل خاصة أن التعليم داخل الخيام لم يعد بخير.

كل ما تريده هو النجاة بأطفالها والخروج من غزة، فهي باتت وحيدة بعد أن فقدت الاستقرار الذي كان يحتويها مبدية ً رغبتها بالعودة إلى مصر وإنهاء فصل المعاناة داخل خيمة نزوحها المهترئة.

وتختتم ألمها بمطالبة المسؤولين بالتدخل لإجلائها ولمّ شملها مع عائلتها، وأكدت “أنا مصرية، ومن حقي العودة إلى بلدي”  

ولاء حصلت على موافقة الخروج ولكنها معطلة بسبب المعبر

 أما ولاء الفتاة الغزية التي تتقاسم نفس الألم ليست أقل ضرراً، فنُهال على أقل تقدير عرفت مصيرها بأنها أرملة شهيد.

أما ولاء مازال الغموض يلتف حول مصيرها المرتبط بفتح المعبر لملف “لم الشمل”  فهي  تشعر بالحرقة في قلبها، وسؤالها اليومي في حديث نفسها “أنا معلقة أم مطلقة”

  ولاء ذات الـ 29عاماً  متزوجة  من شاب أردني ذات أصولٍ فلسطينية، ومقيم في أمريكا، وتعاني من وجع البعد القسري منذ فترة طويلة  الأمد، أي قبل وقوع الحرب على غزة.

  لكن وقوع الحرب  على جعل مشكلتها أكثر تعقيداً وصعوبةً، وضيع عليها  فرص خروجها من غزة.

بدت تقاسيم وجهها مليئة بالألم والحزن، وهي  تسرد محاولات  خروجها البائسة والمتكررة والتي  كانت تبوء دوماً بالفشل.

كانت  تتلقى  طلبات الموافقة الرسمية من السفارة الأمريكية في القدس لإجراء المقابلة واستكمال ملف خروجها من غزة ، لكن للأسف  لم يحالفها الحظ، رغم  تأكيدات السفارة الأمريكية لها بأنها  أرسلت لها طلب المقابلة  أكثر من مرة.

فتبَين لاحقا أن الجانب الإسرائيلي هو من يعيق وصول طلبات  المقابلة في كل مرة، وكأنه يتعمد منعها من السفر، ويحرمها من لقاء زوجها المقيم في أمريكا.

حياتي فقط انتظار، تسع سنوات من الانتظار راح فيها عمري

” وهي بين صراع العقل والقلب، وما بين البقاء أو الانفصال، وتؤكد زوجي غير قادر على دفع مبلغ يصل لـ 50,000 دولار من أجل التنسيق مع جهات غير معلن عنها بهدف الخروج من غزة، وكأنها تبحث عن إجابة!

  أكدت أن ملف لم الشمل لا يقل أهمية عن ملف الطلبة، والمرضى

نحن سيدات معرضات للطلاق ونعاني بصمتٍ، ووجعنا غير مرئي، أن العذاب النفسي أشد قسوة من الألم الجسدي. 

وصلت قضية ولاء إلى “جلالة” الملك عبد الله ملك الأردن للنظر في حالتها، علماً أن اسمها مدرج في القوائم.

إلا أن الجانب الأردني وضح لها أن مشكلتها تكمن عند الجانب الإسرائيلي والذي يرفض مغادرتها قطاع غزة.

“الموقف القانوني” في مثل ملف الزوجات العالقات واضح

حيث  يعتًبر أن كل المطالبات بالإجلاء من قطاع غزة خاصة في ملف شائك مثل ملف الزوجات العالقات هو حق قانوني تحت بند حرية التنقل والسفر والتي كفلتها جميع القوانين الدولية في المادة (13) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،

فهو إذن لا يندرج تحت بند التهجير القسري لطالما لهن أزواج يقيمون بدول مختلفة بل يُعد حق أصيل يندرج تحت مسميات عدة حالات إنسانية، وحاملي موافقات لم الشمل، وأصحاب الإقامات بالدول العربية والأوروبية. 

 صباح البيوك أمل لم ينقطع بلقاء زوجها في بلجيكا

للوهلة  الأولى من دخول خيمتها رغم حرارة الجو الشديد إلا أن هناك شي ما،  يرطب حر خيمتها وهو  الترتيب في زوايا الخيمة ، ومطبخها الصغير.

كل شي مرتب كأنها تحاول أن تكون طبيعية من بين كل الضياع والفقد، وأكوام الركام، في وقتٍ لم يُعد كل شي مألوفٍ كما كان.

حتى البوتاجاز الذي  كان مهترئ  وبلا قواعد “صباح” جعلته صالحاً للاستخدام من خلال علب السردين التي كانت رفيقة الغزيين بوقت المجاعة، حيث حولتها لقواعد  يصمد عليها البوتاجاز، فتطبخ لأطفالها بلا خوف لأنه اصبح ثابت، وحتى تتمكن من طبخ الملوخية التي طلبها ابنها  البكر عبد الله  بكل سلام.

صباح البيوك 32 عاماً  من مدينة رفح،  ونازحة في منطقة العطار في مدينة خانيونس، وهي أم لثلاثة أطفال أكبرهم عبد الله وعمره 9 سنوات، محمد 7 سنوات ، وسلامة 4 سنوات.

صباح زوجه عالقة في قطاع غزة

تحلم كأي زوجة أن تعيش في كنف زوجها يوسف أبو طه المقيم في بلجيكا، لكن  التعقيدات تحول بين يوسف وصباح وأطفالها الثلاثة.

بدأت تسرد كيف أن زوجها غادر قبل أسبوعين فقط من وقوع الحرب على قطاع غزة حيث خرج في تاريخ 21سبتمر/ 2023  للبحث عن حياة أفضل لعائلته.

عندما خرج يوسف وعد زوجته صباح بأنها ستلتحق به بعد عام، لكن وقع مالم يكن بالحسبان صار العام 3 سنوات 10 شهور، وما زالت صباح وأطفالها عالقين في غزة ، رغم حصولهم على لم الشمل في دولة اليونان أول دولة مر بها يوسف وكل شي قانوني ، ما يسهل خروجها من غزة.

لكن عراقيل المعبر، وغياب  ضغط السلطات اليونانية ، هو من ضيع أحلام صباح وكافة الزوجات العالقات معها.

كانت صباح تضع كف داخل كفن وكأنها تريد أن تطبطب على نفسها من هول ما رأت هي وأطفالها عندما كانت في حي المنارة في مدينة رفح.

استشهد والد زوجها، وإثنين من أعمام أطفالها بعد قصف مباشر على البيت في 1 أكتوبر/ 2024،  حيث فقد ابنها  محمد النطق وأصبحت التأتأة  مُلازمة له،  لأنه كان في حالة صدمة عصبية كبيرة وذلك عندما  رأى جده، وأعمامه شهداء  أمام عينه.

تقول صباح ما ذنب أطفالي أن يعيشوا في هذه الأجواء الطاحنة

كما تعرض عبد الله لتشنجات في يده وقدمه لدرجة أنه كان يصرخ من الألم الشديد فتبين لاحقا أنه نقص كالسيوم حاد بسبب المجاعة وسوء التغذية في ظل غياب الأب، واستشهاد من يتولون مسؤوليتهم  من بعد والدهم.

وتكمل صباح  الأمر لم يصل إلى هذا الحد فقط بل وصل إلى استشهاد عمات الأطفال بعد عام فقدان أعمامهم، هنا  توالت الصدمات على زوجها يوسف، ويلازمه شعوراً بالخوف من أن يفقد زوجته وأولاده  بسبب بالقصف المستمر على غزة،لدرجة أنه لو تأخرت زوجته بالرد على هاتفه يصاب بحالة انهيار وخوف شديد بسبب فقدانه لأهله.

صباح تفتقد المشاعر الحقيقية مع زوجها بحسب وصفها إن تواصلها مع زوجها يُعد نقطة في بحر من المشاعر الكبيرة، وتؤكد أن المشاعر الحقيقية هي وقت اللقاء.

هي تحاول جاهدة تحُمل مسؤولية أطفالها، ورعاية ظروف زوجها المغترب حتى لا تصل معه إلى طريق مسدود، فكل خبر تنقلهُ ليوسف حول الإجلاء لليونان أو لأي دولة أوروبية، دائما في حالة إنكار وجوابه أصدق عندما يفتح المعبر أبوابه لأصحاب لم الشمل، غير ذلك كذب! 

إن الفراق القسري، رغم مرارته، ليس نهاية الحكاية، لكل من نهال وصباح وولاء، وكافة الزوجات العالقات بل هو اختبار لصلابة الحب الذي لا تهزمه المسافات.

وسنوات الانتظار هذه ليست وقتاً ضائعاً، بل هن برهان قاطع على أن الرابطة التي تجمعهن بأزواجهن أقوى من كل الأسوار، وأن خلف كل باب مغلق فجْرٌ جديدٌ يلوحُ بالأمل، ليتحول هذا البعد قريباً إلى عناق أبدي يمحو وجع السنين.

 

 

 

 

شارك المقال: