تقرير: اختبار جديد لغزة
تقول السلطات الصحية في غزة إن أكثر من 1250 شخصًا قتلوا في هجمات إسرائيلية منذ دخول وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة حيز التنفيذ في أكتوبر 2025

صورة تعبيرية للتقرير
خلاف نتنياهو وترامب يهدد مسار وقف الحرب ويؤجل ملف الإعمار
دخل ملف قطاع غزة مرحلة جديدة من التعقيد بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفضه الصيغة الأخيرة للخطة التي يدفع بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاستكمال وقف إطلاق النار والانتقال إلى ترتيبات سياسية وأمنية أكثر استقرارًا.
وتتمحور الأزمة الحالية حول ترتيب الخطوات المتعلقة بنزع سلاح حركة حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية، إذ تصر الحكومة الإسرائيلية على عدم تنفيذ أي انسحاب جديد قبل التأكد من نزع كامل سلاح الحركة.
بينما ترى حماس أن عملية تسليم الأسلحة يجب أن تسير بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي وتنفيذ الالتزامات الأخرى الواردة في خارطة الطريق.
تقرير: نزع السلاح في غزة كيف تستحضر الفصائل دروس العراق والجزائر وجنوب أفريقيا؟
وتكشف الأزمة عن فجوة أوسع من مجرد الخلاف حول جدول زمني للتنفيذ.
فالخطة الأمريكية تستهدف بناء عملية متدرجة تتراجع خلالها القوات الإسرائيلية قطاعًا بعد آخر مع تفكيك القدرات المسلحة لحماس، بالتزامن مع عمل قوة دولية للاستقرار وقوة شرطة فلسطينية جديدة.
وتقول حماس إنها ما زالت ملتزمة بخارطة الطريق التي جرى التوصل إليها خلال محادثات في القاهرة، لكنها ترفض عمليًا صيغة تجعل نزع السلاح شرطًا سابقًا لجميع الخطوات الإسرائيلية.
ضغوط انتخابية داخل إسرائيل وحسابات أمريكية أوسع
وترتبط حسابات نتنياهو بالوضع الداخلي الإسرائيلي بقدر ارتباطها بالميدان في غزة. فرئيس الوزراء يستعد لانتخابات مقررة في 27 أكتوبر، في وقت يواجه فيه ضغوطًا من حلفائه في اليمين الذين يعارضون أي تسوية قد تُفسر على أنها تنازل لحماس.
وأيد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش موقف نتنياهو الرافض للانسحاب قبل نزع السلاح، ما يوضح مدى حساسية الملف بالنسبة للتحالف الحكومي.
في المقابل، يريد ترامب تسجيل تقدم ملموس في غزة في وقت تتعثر فيه ملفات أخرى في الشرق الأوسط، وعلى رأسها المواجهة مع إيران وأزمة مضيق هرمز.
وهذا يجعل غزة جزءًا من حسابات سياسية داخلية متزامنة في الولايات المتحدة وإسرائيل.
السيطرة الميدانية تعقّد تنفيذ أي تسوية
وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن إسرائيل تسيطر حاليًا على نحو 60% من أراضي القطاع، بينما تسيطر حماس على الجزء المتبقي، وهو ما يجعل قضية الانسحاب ذات أهمية ميدانية وسياسية كبيرة.
وترى الوكالة أن أي جمود بشأن تنفيذ الخطة سيؤدي عمليًا إلى إبقاء ملفات أخرى، من بينها نشر القوة الدولية وإعادة إعمار غزة، معلقة.
ورغم لهجة نتنياهو المتشددة، رصدت التقارير تراجعًا في وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة.
كما تحدث مسؤول في مجلس السلام المشرف على الترتيبات عن تعاون يجري خلف الكواليس واستمرار المحادثات، وهو ما يشير إلى أن الرفض الإسرائيلي لم يغلق باب التفاوض بصورة نهائية.
إعادة الإعمار رهينة الاستقرار السياسي والأمني
اقتصاديًا، تمثل قضية إعادة الإعمار أحد أكبر الملفات المرتبطة بنجاح المسار السياسي.
فالانتقال من مرحلة وقف إطلاق النار إلى مرحلة إعادة بناء المساكن والبنية الأساسية وشبكات الخدمات يحتاج قبل كل شيء إلى بيئة أمنية يمكن للجهات المانحة والمقاولين والمؤسسات الدولية العمل داخلها.
ولهذا فإن تأجيل الترتيبات الأمنية أو بقاء خطوط التماس غير مستقرة يعني استمرار تجميد جزء كبير من النشاط الاقتصادي المتوقع.
وقد ربطت التقارير الدولية بين حل عقدة الانسحاب ونزع السلاح وبين إمكانية بدء إعادة الإعمار، ما يجعل الخلاف الحالي ذا آثار مباشرة تتجاوز الحسابات العسكرية إلى مستقبل الاقتصاد والحياة اليومية في القطاع.
الوضع الإنساني يضغط على مسار التفاوض
كذلك تبقى الأوضاع الإنسانية عنصر ضغط أساسي في المفاوضات.
تقول السلطات الصحية في غزة إن أكثر من 1250 شخصًا قتلوا في هجمات إسرائيلية منذ دخول وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، بينما قُتل أربعة جنود إسرائيليين في غزة خلال الفترة نفسها.
وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تأتي من أطراف الصراع ولا يمكن فصلها عن سياق الحرب، فإن استمرار سقوط الضحايا يعكس هشاشة الهدنة ويجعل أي تعثر سياسي قابلًا للتحول سريعًا إلى تصعيد ميداني أوسع.
العلاقة بين ترامب ونتنياهو أمام اختبار جديد
ويمثل الخلاف كذلك اختبارًا غير معتاد للعلاقة بين نتنياهو وترامب.
فقد ظلت العلاقة مع واشنطن أحد أهم أصول رئيس الوزراء الإسرائيلي السياسية، إلا أن مصالح الطرفين بدأت تتباعد مع سعي الإدارة الأمريكية إلى تخفيف بؤر التوتر الإقليمية والحد من التأثير الاقتصادي للحرب مع إيران وارتفاع أسعار الوقود.
وفي المقابل، يحتاج نتنياهو إلى الحفاظ على صورة الزعيم الذي لا يقدم تنازلات أمنية قبل الانتخابات.
لذلك فإن مساحة المناورة المتاحة أمامه تصبح أضيق إذا قرر ترامب ممارسة ضغوط أكبر لإنجاز الخطة.
سيناريوهات مفتوحة بين التسوية والعودة إلى التصعيد
وفي المحصلة، لم تنه إسرائيل خطة غزة الأمريكية، لكنها نقلتها إلى مرحلة تفاوض أكثر صعوبة. السيناريو الأقرب في المدى القصير هو استمرار المحادثات حول آلية متزامنة أو متدرجة لنزع الأسلحة والانسحاب بدل تنفيذ أي من الطرفين التزاماته بالكامل قبل الآخر.
نجاح هذه الصيغة سيحدد ليس فقط مستقبل وقف إطلاق النار، بل أيضًا موعد بدء إعادة الإعمار واستعادة النشاط الاقتصادي وفتح الطريق أمام ترتيبات حكم وأمن جديدة في غزة.
أما استمرار الجمود، فقد يبقي القطاع في منطقة وسطى بين الحرب والسلام، وهي الحالة الأكثر تكلفة سياسيًا وإنسانيًا واقتصاديا.






