مقالات
سالم رخا
سالم رخا

كاتب صحفي

الانتحار صرخة مجتمع (6) ماذا حدث لنفسية المصريين؟

هذا الحراك النفسي العنيف لم يتوقف عند حدود الدهشة، بل استنفر "التحرك الشعبي" ومؤسسات المجتمع المدني التي حاولت تدارك الانهيار.

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم: سالم أبو رخا 

“ماذا حدث لنفسية المصريين؟”.. هذا السؤال الذي تفجر مجدداً وبقوة عقب فاجعة انتحار “بسنت”، سيدة الإسكندرية، التي اختارت الرحيل هرباً من ضغوط لم يرحمها فيها القريب ولا البعيد.

ليس حادث عادي بل كشف لشروخ المجتمع 

لم يكن انتحارها مجرد حادث عابر، بل صدمة كشفت عن شروخ غائرة في الوجدان الجمعي، وأعادت طرح التساؤل الأزلي حول مآلات القسوة وغياب السند النفسي والاجتماعي في حياتنا المعاصرة.

هذا الحراك النفسي العنيف لم يتوقف عند حدود الدهشة، بل استنفر “التحرك الشعبي” ومؤسسات المجتمع المدني التي حاولت تدارك الانهيار.

الانتحار صرخة مجتمع (3) ترند الانتحار

الانتحار صرخة مجتمع (4) : ازدواجية الرحمة

الانتحار صرخة مجتمع (5) بسنت وترحيل المشكلة برضه للشعب

 جامعة القاهرة وعلاج مرضى الاكتئاب 

رأينا مبادرات لافتة، لعل أبرزها إعلان “جامعة الأزهر” عن تدشين خط ساخن لعلاج مرضى الاكتئاب، في خطوة تعكس إدراكاً لخطورة الموقف النفسي، كما تزايدت أنشطة منظمات المرأة والمبادرات الفردية التي تسعى لخلق شبكات أمان معنوية.

لكن السؤال يظل قائماً: هل تكفي هذه المسكنات والمبادرات لعلاج جرح غائر في بنية الشخصية المصرية؟

أزمة الثقة وعقدة الخوف 

للإجابة، علينا العودة إلى دراسة سوسيولوجية فذة استغرقت أربعين عاماً من البحث والملاحظة؛ كتاب *”أزمة الثقة وعقدة الخوف داخل المجتمع المصري”* للدبلوماسي سامي الزقم.

في هذا الكتاب الصادرعن دار الكلمة للنشر والتوزيع في القاهرة 2009، يضع يده على الجرح النازف: إن ما حدث لنفسية المصريين ليس وليد اللحظة، بل هو حصاد مر لعقود من “الاستبداد” الذي لا يكتفي بقمع السياسة، بل يشوه الفطرة الإنسانية ذاتها

هنا يبرز جوهر الأزمة؛ الاستبداد هو “أبو الشرور”. فهو الذي رسخ الشعور العام بالإحباط، وجعل المواطن يعتقد يقيناً أن الغلبة لـ “المحظوظ” (بكل ما تحمله الكلمة من دلالات المحسوبية والولاء) وليست للمجتهد.

صورة من وحي المقال
صورة من وحي المقال

الإنسان المهزوم من الداخل 

هذه البيئة خلقت إنساناً مهزوماً من الداخل، لا يصدق ما كان، ولا يثق فيما هو كائن، ولا يملك ذرة أمل فيما هو قادم.

في هذه الأجواء، تفقد الروح قدرتها على المقاومة، وتصبح حوادث مثل حادثة بسنت هي “الصرخة الأخيرة” في وجه مجتمع فقد بوصلة الثقة.

الاستبداد والكتلة الصامتة 

يرى الزقم أن الاستبداد أدى إلى تضخم “الكتلة الصامتة” التي آثرت الانسحاب تحت وطأة الخوف.

هذا الصمت لم يحفظ الوسطية المصرية، بل أخل بها، محولاً الاعتدال التاريخي إلى حالة من الحدة أو اللامبالاة القاتلة.

إن الاستبداد في حقيقته هو “إهانة للمواطن”، ومن هنا تبدأ الهزيمة النفسية؛ فالإنسان الذي يُهان في كرامته يومياً، يفقد قدرته على حماية الآخرين أو التعاطف معهم، فتجف منابع “الرحمة” لتلحق بها القسوة والتشكيك.
يمتد التشويه النفسي ليصل إلى الطبقة المتعلمة. لاحظ الزقم كيف سعت السلطة لتسطيح دور الجامعة وتجريفها من أي دور طلابي فاعل.

النتيجة كانت جيلاً يملك “الشهادة” ويفتقد لـ “ملكة المناقشة” أو “الفكر الموضوعي”

عندما يفقد المتعلم القدرة على تقبل الاختلاف، يتحول المجتمع إلى جزر منعزلة من الصراعات الصغيرة، وتغيب “الموضوعية” التي هي صمام الأمان لأي مجتمع يواجه أزماته النفسية.

إن مأساة بسنت، والتحركات اللاحقة من مؤسسات كالأزهر ومنظمات المجتمع المدني، هي “الترجمة العملية” لما حذر منه الزقم طوال 40 عاماً.

إننا نعيش في حقبة تزداد فيها الأوضاع سوءاً، حيث يظن البعض أن “الإنجازات” المادية يمكن أن تعوض غياب الكرامة.

لكن الحقيقة التي يصرخ بها هذا الكتاب هي أنه لا قيمة لأي إنجاز بلا حرية، ولا أمل في تعافي “نفسية المصريين” طالما ظلت “عقدة الخوف” هي المحرك، وطالما ظل الاستبداد ينهش في جسد الثقة المتبادلة بين المواطن والوطن.

شارك المقال: