إدريس وإحسان وبينهما المرأة!
بقلم: محمد رفعت حين سئل يوسف إدريس عما أضافه إحسان عبدالقدوس إلى الأدب العربي، أجاب بكلمات مكثفة ودالة: لقد غير نظرة المجتمع إلى المرأة.لم تكن هذه العبارة مجاملة عابرة بين…

الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس
بقلم:
محمد رفعت
حين سئل يوسف إدريس عما أضافه إحسان عبدالقدوس إلى الأدب العربي، أجاب بكلمات مكثفة ودالة: لقد غير نظرة المجتمع إلى المرأة.
لم تكن هذه العبارة مجاملة عابرة بين كاتبين كبيرين، بل توصيفا دقيقا لتحول حقيقي أحدثه إحسان في الوعي الجمعي من خلال الرواية، ثم عبر الشاشة الكبيرة والصغيرة حين تحولت أعماله إلى أفلام ومسلسلات.
قبل إحسان، كانت صورة المرأة في كثير من الأعمال السردية والدرامية محصورة في نموذجين متطرفين: إما المرأة الخاضعة المستكينة التي تعيش في ظل الرجل بلا صوت ولا إرادة، أقرب إلى صورة الست أمينة في ثلاثية أديب نوبل نجيب محفوظ، والتي ترمز إلى الطاعة المطلقة، وإما المرأة المنحرفة التي تخرج على الأعراف فتدفع الثمن أخلاقيا واجتماعيا.
بين هذين القطبين الضيقين غابت المرأة بوصفها إنسانا كاملا له رغباته وطموحاته وصراعاته الداخلية وحقه في الاختيار.
وجاء إحسان عبدالقدوس ليكسر هذه الثنائية الجائرة.
في رواية أنا حرة قدم بطلة ترفض أن تعيش نسخة مكررة من أمها أو خالتها، وتصر على أن تكون ذاتا مستقلة، تفكر وتحب وتخطئ وتتعلم.
لم تكن البطلة ملاكا منزها ولا شيطانا متمردا، بل إنسانة تبحث عن حريتها في مجتمع يضيق بها.
ومن خلال هذا العمل رسخ إحسان فكرة أن حرية المرأة ليست ترفا، بل حقا أصيلا، وأن صراعها من أجل الاستقلال الفكري والعاطفي هو جزء من معركة أوسع من أجل تحديث المجتمع كله.
وفي رواية أرجوك أعطني هذا الدواء اقترب إحسان من معاناة المرأة النفسية والاجتماعية في مجتمع يفرض عليها قيودا قاسية ويتركها فريسة للقلق والاضطراب.
هنا لا يدافع الكاتب عن المرأة بشعارات مباشرة، بل يكشف حجم الضغط الذي تعيشه حين تضطر إلى التوفيق بين صورتها في أعين الآخرين وحقيقتها الداخلية.
المرض في الرواية ليس مجرد عارض صحي، بل رمز لحالة اختناق روحي تعانيها امرأة وجدت نفسها محاصرة بتوقعات لا ترحم.
بهذه النماذج وغيرها، لم يقدم إحسان عبدالقدوس المرأة بوصفها قضية منفصلة عن المجتمع، بل بوصفها مرآته الصادقة.
فإذا كانت المرأة مقموعة، فالمجتمع كله مأزوم، وإذا كانت حرة وقادرة على الاختيار، فإن ذلك يعني أن المجتمع بدأ يتصالح مع قيم الحداثة والعدالة.
لقد نقل المرأة من الهامش إلى مركز الحكاية، ومن موضوع للوصاية إلى ذات فاعلة تصنع قرارها وتتحمل نتائجه.
هكذا يمكن فهم عبارة يوسف إدريس في سياقها الأوسع: لم يضف إحسان موضوعا جديدا فحسب، بل أعاد تشكيل زاوية النظر.
وجعل القارئ يرى المرأة بعين مختلفة، لا بوصفها ظلا للرجل، ولا خطيئة تمشي على قدمين، بل إنسانا كاملا، له الحق في الحب والرفض، في الخطأ والصواب، في الحلم والتمرد.

ومن هنا جاء تأثيره العميق في الأدب والسينما معا، إذ أسهم في إعادة تعريف صورة المرأة في المخيلة العربية، وفتح الباب أمام أجيال لاحقة لتواصل طرح الأسئلة نفسها بجرأة أكبر ووعي أعمق.
رابط المقال المختصر:




