مقالات
أبراهيم القاضي
أبراهيم القاضي

كاتب وروائي

إبراهيم القاضي يكتب: أم كلثوم.. حين يصبح الصوت ذاكرة وطن

وحين تبلغ أم كلثوم ذروة الأداء،ترتفع من هنا أو هناك همسات الإعجاب: "الله يا ست... الله يا ست". لم تكن مجرد كلمات تقال، بل كانت تعبيرًا عن حالة اندماج كاملة بين الجمهور وال

مشاركة:
حجم الخط:

لا أعرف إن كان من العدل أن نصف الست بأنها مطربة فقط

أشعر دائمًا أن هذا الوصف يظلمها، لأن تأثيرها تجاوز حدود الفن منذ زمن طويل.

هناك أصوات نحبها، وأخرى تطربنا، وثالثة تذكرنا بمرحلة من العمر، أما أم كلثوم فقد أصبحت جزءًا من الوجدان المصري نفسه.

حتى بدا كأن حياة المصريين في القرن العشرين لا يمكن أن تُروى كاملة من دون أن يكون صوتها حاضرًا في الخلفية.

وحين أستمع إليها الآن لا أشعر أنني أعود إلى أغنية، وإنما إلى زمن كامل

زمن كانت فيه الأشياء أكثر بساطة، والأيام أكثر اتساعًا، والعلاقات أكثر دفئًا.

تمر أمامي وجوه رحلت، وبيوت تغيرت ملامحها، وشوارع طواها العمر، ويبقى صوتها وحده قادرًا على استدعاء كل ذلك من أعماق الذاكرة.

وقد يظن البعض أن كوكب الشرق كانت مطربة الحب الأولى فحسب، لكن الحب في عالمها لم يكن مرادفًا للضعف أو الاستسلام.

كانت تغني للعاطفة الإنسانية بأسمى صورها، بينما تقف أمام جمهورها في هيئة تفرض الاحترام والوقار.

لم تبد يومًا امرأة تتسول اهتمام حبيب أو تستجدي عطفه، وإنما شخصية تعرف قيمتها جيدًا، وتدرك أن المحبة لا تنفصل عن الكرامة.

لهذا ظل حبها مختلفًا عن كثير مما سمعناه بعد ذلك.

حتى في لحظات الشوق والخذلان كانت هناك نفس عزيزة ترفض الانكسار، يكفي أن نتأمل ذلك المعنى البديع الذي حملته كلمات “فات الميعاد”

حين تتسامح القلوب بينما تبقى للنفس جراحها التي لا تنسى بسهولة، كانت الرسالة واضحة، يمكن للعاشق أن يغفر.

لكن لا ينبغي له أن يهدر احترامه لنفسه، ولهذا خرجت أغانيها من حدود الغناء العاطفي إلى مساحة أرحب، تتحدث عن الكرامة الإنسانية بقدر ما تتحدث عن الحب.

وربما لهذا السبب بقيت أعمالها حية في وجدان أجيال متعاقبة،

فقد وجد فيها كل مستمع شيئًا يعبر نفسه، وجد فيها العاشق، والمفارق، والحالم، والمشتاق، والإنسان الذي يحاول أن يوازن بين القلب والكبرياء.

أشفق كثيرًا على أولئك الذين عاشوا زمن حفلاتها الشهرية، أشفق عليهم لأنهم عرفوا متعة لا يمكن أن تتكرر.

كيف كانت مشاعرهم وهم يسمعون للمرة الأولى “أنت عمري” أو “الأطلال” أو “ألف ليلة وليلة” أو “فات الميعاد”؟

كيف احتملت قلوبهم تلك اللحظات التي كانت فيها الأغنية تولد أمامهم مباشرة، من دون تسجيلات سابقة ولا ذكريات تراكمت حولها؟

لعل هذا السؤال هو ما دفعني، أثناء إعدادي لبعض رواياتي، إلى الجلوس مع كبار السن والاستماع إلى شهاداتهم عن تلك الأيام.

كنت أسألهم عن أم كلثوم، فتلمع أعينهم كأنهم يتحدثون عن شخص يعرفونه معرفة شخصية.

لم يكونوا يصفون حفلاتها باعتبارها برنامجًا إذاعيًا، بل باعتبارها موعدًا استثنائيًا ينتظرونه انتظار العاشقين.

سيدة الغناء العربي أم كلثوم
سيدة الغناء العربي أم كلثوم

كانوا يحدثونني عن ليلة الخميس الأول من كل شهر،

كيف كانت البيوت تستعد منذ وقت مبكر، تنتهي الأعمال، وتُنجز الواجبات، ويجلس الفلاحون على الجسر، وأعينهم شاخصة صوب جهاز الراديو المعلق في “شكمة” أحدهم.

لا يرغبون في تفويت لحظة واحدة. وما إن يبدأ البث حتى يسود صمت كامل، كأن الجميع دخلوا في طقس جماعي مهيب.

وكان أكثر ما يلفت انتباهي في رواياتهم أنهم يتذكرون التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة.

يتذكرون الأنفاس المحبوسة، والوجوه المتطلعة إلى الراديو، والعيون التي تتابع الصوت وكأنها ترى صاحبته أمامها.

وحين تبلغ أم كلثوم ذروة الأداء،ترتفع من هنا أو هناك همسات الإعجاب: “الله يا ست… الله يا ست”

لم تكن مجرد كلمات تقال، بل كانت تعبيرًا عن حالة اندماج كاملة بين الجمهور والصوت.

ومن أجمل ما سمعته منهم وصفهم لليالي الريف في تلك السنوات

كان الظلام يهبط على الحقول والطرقات، فتغرق القرية في عتمة واسعة لا يكسرها سوى ضوء مصباح متواضع أو قمر بعيد.

وفي وسط هذا السكون كان الراديو يصدح بصوت أم كلثوم، فيبدو كأنه نور آخر لا يشبه نور المصابيح.

نور معنوي يشق الظلام ويملأ القلوب دفئًا وطمأنينة.

كلما استمعت إلى تلك الحكايات فهمت لماذا بقيت أم كلثوم حاضرة في معظم رواياتي، فعندما أكتب عن مصر القديمة، وعن القرى التي نشأت فيها الحكايات.

وعن البشر الذين صنعوا هذا الوطن بصبرهم وأحلامهم، أجدها هناك دائمًا. ليست مجرد اسم يمر في السرد، وإنما جزء من روح المكان نفسه.

حضورها يشبه حضور النيل أو شجرة الجميز أو أصوات الساهرين في الليالي الصيفية.

أنا شخصيًا لا أستطيع أن أفصل بين كثير من ذكرياتي وبين أغانيها

فهناك أماكن لا أتذكرها إلا مصحوبة بكوبليه من إحدى أغنياتها، وأشخاص يعودون إلى الذاكرة كلما سمعت لحنًا معينًا، حتى إنني أحيانًا أشعر أنني لا أتذكر الأحداث ذاتها، بل أتذكرها من خلال الموسيقى التي كانت ترافقها.

لهذا لا أتعامل مع أم كلثوم باعتبارها فنانة عظيمة من الماضي فحسب، إنها جزء من الذاكرة المصرية، وشاهدة على حياة أجيال كاملة.

كانت حاضرة في لحظات الحب، وفي لحظات الفراق، وفي الأفراح والأحزان، وفي البيوت الفقيرة كما في القصور.

جمعت حول صوتها ملايين البشر، وجعلتهم يعيشون اللحظة نفسها رغم المسافات الشاسعة التي تفصل بينهم.

أنا أكتب عنها الآن لا أكتب عن مطربة فقط

إنما أكتب عن قطعة من عمري ومن عمر هذا الوطن.

أكتب عن الماضي الذي كان، والماضي الذي رحل، والماضي الذي لا نستطيع استعادته إلا عبر صوت ما زال قادرًا على أن يوقظ الذكريات بعد عشرات السنين.

لذلك أعود إليها دائمًا، لأنها لا تعيد إلي الأغاني وحدها، بل تعيد إلي مصر التي أحب، والناس الذين أحببتهم، والأيام التي عبرت وتركت في القلب أثرها الجميل.

لقد كانت أم كلثوم أكثر من ظاهرة فنية، وأكثر من حنجرة استثنائية.

كانت ذاكرة وطن كامل، وصوتًا استطاع أن يختصر مشاعر ملايين البشر.

وربما لهذا السبب ما زالت حية بيننا حتى اليوم، لأن بعض الأصوات لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تتحول إلى جزء من تاريخ الناس ووجدانهم، وتبقى ما بقيت الذكريات.

شارك المقال: