عجل السامري وأوهام العبيد
ذه المتلازمة السيكولوجية تكاد تكون التوصيف الأدق للعلاقة الملتبسة بين ممالك الخليج والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في ظل الأزمات الراهنة التي تعصف بالمنطقة وتضع الجميع أمام اختبار الحقيقة.

ترامب صورة ا{شيفية
الضحايا يصنعون أوهام لهم
في القصة القرآنية الشهيرة، لم يصنع السامري عجل الذهب من عدم، ولم يأتِ به من الغيب ليفرضه على بني إسرائيل قسراً.
الحقيقة الدرامية الأكثر مرارة هي أن السامري طلب منهم حليّهم وذهبهم الذي يملكونه، صهره في النار، ثم أعاد صياغته لهم في شكل إله له خوار – صوت العجل –
لقد شارك الضحايا في صناعة وهمهم بكل ما يملكون من ثروة، ولذلك كان من المستحيل عليهم تقبل فكرة بطلان هذا الإله حتى بعد عودة موسى بالحق، لأن الكفر بالعجل كان يعني ببساطة الاعتراف بأن ذهبهم قد ضاع، وأن استثمارهم الطويل لم يكن سوى سراب.
العلاقة بين العجل الأمريكي و العبيد العرب
هذه المتلازمة السيكولوجية تكاد تكون التوصيف الأدق للعلاقة الملتبسة بين ممالك الخليج والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في ظل الأزمات الراهنة التي تعصف بالمنطقة وتضع الجميع أمام اختبار الحقيقة.
الالتباس ستلاحظه في تصريحات السيد أنور قرقاش مساعد رئيس دولة الإمارات العربية وصبيانه في الاعلام العربي الداعين للتقارب الاسرائيلي لردع العدوان الإيراني !
واشنطن تمارس دور السامري
على مدار عقود، مارست واشنطن دور السامري ببراعة منقطعة النظير.
لم تقدم حماية مجانية، بل طلبت الذهب أولاً.
الذهب العربي المطلوب
صفقات سلاح بالمليارات، استثمارات سيادية ضخمة، وتبعية اقتصادية كاملة.
كان هذا هو الذهب الذي صهرته أمريكا لتعيد تقديمه للمنطقة في قالب “المظلة الأمنية”.
هذا العجل الأمريكي كان له خوار دائم: تصريحات عن التحالف الاستراتيجي، وعود بالدفاع المشترك، واتفاقيات أمنية تملأ الدنيا ضجيجاً.
العجل الأمريكي لا يملك نفعا ولا ضرا
لكنه ظل جسداً بلا روح، ففي كل لحظة اختبار حقيقية، كان يتبين أن هذا العجل لا يملك نفعاً ولا ضراً لحلفائه إذا تعارضت مصالحهم مع الأولوية المطلقة والربّ الحقيقي للسياسة الأمريكية في المنطقة: أمن إسرائيل.
الأزمة الحقيقية اليوم ليست في الخديعة الأمريكية، بل في الإنكار الخليجي.
الإنكار الخليجي لعبودية العجل
من الناحية النفسية، يصعب على أي نظام سياسي استثمر عقوداً من الثروات والمواقف في بناء علاقة تبعية حمائية أن يعترف فجأة بأن كل ذلك كان وهماً.
الاعتراف بأن أمريكا تستنزف المنطقة بلا مقابل حقيقي، وأنها مستعدة للتضحية باستقرار حلفائها وحتى “بقاء حكمهم” في سبيل مصلحة إسرائيلية عابرة، هو اعتراف بـ فلاس استراتيجي.
لذا، يفضل البعض الاستمرار في عبادة العجل، وانتظار معجزة من واشنطن، على أن يواجهوا الحقيقة المرة: أن الذهب الذي دفعوه لم يصنع درعاً، بل صنع قيداً.
الجغرافيا ترفض العجل
في أدبياتنا، المكان هو البطل الحقيقي.
والجغرافيا هنا في الخليج والمنطقة العربية ترفض هذا العجل الغريب عنها.
الواقع يقول إن الأمن لا يُستورد في صناديق السلاح الأمريكية، ولا يُشترى بفوائض النفط. الأمن الحقيقي هو نتاج هوية وطنية وشراكة قومية ومشروع مستقل يدرك أن السامري سيرحل في النهاية تاركاً خلفه من عبدوا وهمه في تيه جديد.
إسرائيل أولوية أمريكية
لقد كشفت الأحداث الأخيرة أن الأولوية الأولى والأخيرة لواشنطن هي الحفاظ على التفوق الإسرائيلي، ولو كان ذلك على حساب خراب البلاد وزوال العباد.
ما يزال الصراخ في المنطقة يشبه صراخ بني إسرائيل أمام العجل؛ ليس إيماناً بقوته، بل خوفاً من ضياع الثمن الذي دُفع فيه.
آن الآوان لترك العجل الأمريكي وعبوديته
آن الأوان لإلقاء هذا العجل الذهبي في بحر الوعي الوطني، والبحث عن أمن ينبع من تراب المكان، وبتخالف أهله، بعيداً عن أوهام السامري الذي لا يهمه سوى جمع الذهب وترك الضحايا لمصيرهم.
فهل يتعلم عبيد الأوهام الدرس؟






