مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

المتاهة الخليجية المستدامة 

الولايات المتحدة تستخدم قواعدها بالمنطقة لقصف ايران، وايران لا تستطيع قصف الاراضى الامريكية وبالتالى تقوم بما يطلق عليه عسكريا الرد على مصادر النيران، لكن هذا الرد الايرانى لم يعجب الخليجيون

مشاركة:
حجم الخط:

​​من يراقب الاصطفافات الخليجية المتعاقبة،حيال الأزمات الدامية التي تعصف بمنطقتنا، يلحظ نمطاً سياسياً يكاد يتكرر بنفس التماهى والانبطاح التام والمستمر أمام الأجندات الدولية المعادية،وتحديداً أمام الرؤية الأمريكية-الإسرائيلية، حتى وإن اصطدمت هذه الرؤية مع جوهر المصالح العربية والإسلامية.
و​بعيداً عن لغة التنظير الباردة، يكفي أن نستنطق ذاكرة الحروب والنزاعات التي أحرقت أخضر المنطقة ويابسها خلال العقود الأربعة الأخيرة، لنكتشف ببساطة أن المال والسلاح والسياسة والمنصات الإعلامية في الخليج، كانت تعمل في الاتجاه المعاكس تماماً لمصالح الأمة واستقرار شعوبها.

تمويل العراق خوفا من الثورة الإسلامية 

فمثلا فى الحرب العراقية الايرانية ​”التى ​بدأت في سبتمبر 1980، وقتها لم تكن ايران تمتلك صواريخ، ولامفاعلات نووية، ولاحتى محطات كهرباء ولاطيران مسير أو مخير ، ومع ذلك تحول الخليج إلى “الممول الأكبر” لمحرقة استمرت ثماني سنوات. حيث خُصصت عشرات المليارات من السعودية والكويت والإمارات لدعم آلة الحرب العراقية، بدافع الخوف الوهمى مما اطلق عليه وقتها بمصطلح تصدير الثورة( وهو نفس الدافع الذى جعل تلك الدول تعادى ثورة يناير فى مصر)
وفى النهاية انتهت تلك الحرب بين العراق وايران،لكن الحصاد كان مروعاً؛ مليونا قتيل، ومدن تحولت إلى ركام، وديون فلكية بذمة بغداد لجيرانها، وهي الديون ذاتها التي تحولت لاحقاً إلى فتيل شديد الانفجار أدى الى أزمة غزو الكويت عام 1990،فتحولت نفس الدول الداعمة للعراق ، الى داعم لاميركا وذيولها بحجة تحرير الكويت حيث تم قتل وإزهاق مئات الآلاف من الأرواح العربية مرة أخرى.

من تمويل العراق لتمويل امريكا ضد العراق 

ولم ينته الأمر عندئذ، فبعد أن تحررت الكويت ومضى أكثر من عقد من الزمان ​وتحديدا ​في عام 2003، قامت واشنطن وحلفائها باعادة غزو العراق بذرائع وجود “أسلحة الدمار الشامل” التي ثبت كذبها لاحقاً، وهنا، اعاد الخليجيون لعب دور “الرئة اللوجستية” للغزو الأميركى، فتحولت الكويت إلى منصة انطلاق برية، وقطر إلى مركز قيادة جوي في “العديد”، والبحرين مقراً للأسطول الخامس.
ونتيجة للقصف الممول خليجيا سقطت بغداد، ومعها انفرط عقد الدولة المركزية، وفُتحت أبواب الفوضى الطائفية التي لم تُغلق حتى اليوم. والمفارقة أن هذا الدعم اللوجستي هو الذي سلم العراق “على طبق من ذهب” لنفوذ أيران، وهى الدولة التى كانت دول الخليج نفسها تزعم دعم العراق لمحاربتها !؟

أموال الخليج في سوريا 

وفى دمشق القريبة من بغداد و​حين تحولت الاحتجاجات السلمية في سوريا إلى صراع مسلح عام 2012، دخلت الأموال الخليجية طرفاً أساسيا في مخطط “عسكرة الثورة”. فتعددت الفصائل بتعدد الممولين، وتضاربت الأجندات الإقليمية فوق أشلاء السوريين. وبدلاً من إنقاذ الشعب، ساهم هذا التدخل غير المنسق في تحويل سوريا إلى ساحة حرب دولية مفتوحة، مما أدى إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، وتعزيز الانقسامات التي لا تزال تمزق السوريين.

من سوريا إلى دعم التطبيع وغزة تباد 

أما حرب الابادة على أهل ​غزة،فقد كانت بوصلة كاشفة لزمن العهر و الترفيه.
فقد ​جاءت حرب غزة (أكتوبر 2023) لتعمق الفجوة بين “النبض الشعبي” و”القرار الرسمي”. وبينما كان الشارع العربى بأكمله يغلي، كانت بعض المنابر الإعلامية الخليجية تمارس خطاباً صهيونيا يُحمّل الضحية مسؤولية ذبحها، في محاولة لتسويق الرواية التي تخدم مسار “التطبيع” والبراجماتية السياسية.
كما أثار مشهد استمرار المهرجانات الترفيهية الصاخبة، وتجريم مظاهر التضامن الرمزي ولو بعلم فلسطينى في الملاعب، شعوراً بالانفصال التام عن الواقع المأساوي للفلسطينيين،و بدا المشهد كما وكأن هناك إرادة رسمية لعزل “المجتمعات الخليجية” عن محيطها القومي،وهويتها الاسلامية، واستبدال القضايا المركزية بـ “ترفيه” مشبوه لا يراعي حرمة الدم المسفوك،

الرد الإيراني على الهجوم عليها لا يعجبهم

​أما فى التصعيد الأخير ضد ايران والذى بدأ في نهاية فبراير 2026، بضربات أمريكية-إسرائيلية اجرامية، طالت عمق إيران وأدت لمقتل أعلى رمز دينى هناك ،ومئات الأطفال فى فاجعة مأساوية كبرى،وهو العدوان الذى ردت عليه ايران بضرب تل أبيب،وقصف المصالح والقواعد الأمريكية بالمنطقة، كرد طبيعى ومنطقى.

فالولايات المتحدة تستخدم قواعدها بالمنطقة لقصف ايران، وايران لا تستطيع قصف الاراضى الامريكية وبالتالى تقوم بما يطلق عليه عسكريا الرد على مصادر النيران، لكن هذا الرد الايرانى لم يعجب الخليجيون.

التناقض الخليجي 

 تجلى “التناقض الخليجي” في أبشع صوره؛ إذ أدانت هذه الدول الرد الإيراني واعتبرته مساساً بسيادتها، بينما صمتت عن استخدام أراضيها وقواعدها (العديد، الجفير، وغيرها) كمنصات انطلاق لتلك الضربات.التى قتلت مئات الاطفال.
هى ازدواجية تضع الخليج في موقع “المشارك ” في ترتيبات الحرب، ودعمها لتحقيق الاهداف الامريكية والصهيونية، وهو موقف متجدد
يكشف عن نمط سياسي يقدس “التحالف الأمني” مع القوى الغربية،مع السماح بتحويل الأراضي العربية إلى منصات لقتل الجيران،

شارك المقال: