مقالات
محمد قدري حلاوة
محمد قدري حلاوة

كاتب مصري وقاص

1977 العام المر (3)

بدأت الأحداث تنحو نحو الهدوء عندما حل الليل، اختفت المظاهرات، وكان حتميا بعدها أن يقيل " السادات" وزير الداخلية رغم أنه من القلائل الذين حذروا من عواقب اتخاذ قرارات رفع الأسعار

مشاركة:
حجم الخط:

البدايات التي لا تهم أحد

(7)

التاسع عشر من يناير 1977، رغم إعلان إلغاء قرارات رفع الأسعار أستمرت الأمواج البشرية تتدفق عاتية.. الهتافات تصبح أكثر عدائية، مجموعات من اللصوص استغلوا الفرصة السانحة للنهب والحرق، بعض الفقراء والمعدمين شاركوا في ذلك أيضا، وجدوا أمامهم صوب أعينهم وملك يمينهم تلك السلع الاستفزازية التي لا يستطيعون امتلاكها، وكان نهب وحرق ملاهي شارع الهرم وسرقة محتوياتها من أبرز الأمور التي لفتت انتباه الصحافة الرسمية، لكنها لم تهتم أبدا بمظاهر الإسراف والاستفزاز التي تمثله تلك المرافق في مجتمع يئن من الفقر والعوز.

بل أن كاتبا كبيرا مثل الراحل ” محسن محمد” _ رئيس تحرير جريدة “الجمهورية” الأسبق_ والذي دافع عن قرارات رفع الأسعار بقوة انتقد بشدة حرق ونهب ملاهي شارع الهرم. ولا سيما ” كازينو الليل” .الذي كانت تملكه الفنانة الراحلة ” شريفة فاضل” في مقاله ” وهي تبتسم “متحدثا عما أسماه البطولة في شارع الهرم” لافتا النظر إلى أن نجلها كان أحد شهداء حرب أكتوبر.. وزوجها كان طيارا مقاتلات سابقا في ذات الحرب!!.. النظر دوما للتداعيات دون المقدمات والمسببات ومحاولات الربط بين ذكرى وتضحيات مقدسة وحاضر زائف لا يتمتع بأي قداسة… ذلك المنهج المتبع في كل معضلة وأزمة وملمة..(تغطية أوسع لما أوردته الصحافة المصرية عن أحداث انتفاضة الخبز في الفقرات التالية)..

عجزت قوات الشرطة عن مواجهة الوضع.. وتردد ان أحد كبار مسئولي الأمن أخبر وزير الداخلية الأسبق ” سيد فهمي” عن الوضع قائلا ” العملية راحت خلاص”.. وكان لا مفر من نزول قوات الجيش للسيطرة على الوضع، أخذت تلك القوات تعلن في مكبرات الصوت عن إلغاء القرارات الاقتصادية التي أشعلت الأحداث.. حريصة كل الحرص على عدم الاصطدام بجموع المتظاهرين.

بدأت الأحداث تنحو نحو الهدوء عندما حل الليل، اختفت المظاهرات، وكان حتميا بعدها أن يقيل ” السادات” وزير الداخلية رغم أنه من القلائل الذين حذروا من عواقب اتخاذ قرارات رفع الأسعار، الشرطة دائما تتقدم الصفوف في المواجهة.. وتدفع ثمن السياسات والقرارات الخاطئة في كل حين..

ذهب الخوف والوجل، عدت أسيرا لأحزاني الشخصية اللقاء الضائع مع ” بابا ماجد ” تري، ماذا يقول عني الرفاق؟  هل أصبح مثار سخريتهم؟ أنا أيضا دفعت ثمن السياسات والقرارات الخاطئة.

في بدايات فبراير عقد ” السادات” بضعة لقاءات مع نوادي أعضاء هيئة التدريس واتحاد طلاب جامعات مصر واتحاد عمال مصر وشيخ “الأزهر” والبابا ” شنودة” وغيرهم من قوي وهيئات المجتمع المدني في محاولة منه لتوحيد الصف الداخلي وإطفاء حريق يناير وإعطاء الانطباع للعالم الخارجي عن وحدة المجتمع وأن متظاهري يناير محض قلة مارقة خارجة عن الإجماع الوطني.

على أية حال في العاشر من فبراير 1977 دعا الرئيس الراحل الناخبين للاستفتاء على قانون ” حماية أمن الوطن والمواطنين”.. وكان الاستفتاء بالطبع ردة فعل لما حدث في ” انتفاضة الخبز” مثلت مواد القانون تقليصا لمساحة الديمقراطية المحدودة، فرضت القيود على إنشاء الأحزاب، ووصلت عقوبة التجمهر والتظاهر للأشغال الشاقة المؤبدة، ولا حاجة لنا بالطبع أن نذكر نتيجة الاستفتاء.. وبدا أن الاستفتاءات هي الوسيلة المفضلة والمثلى للرئيس ” السادات ” في فرض رؤيته وبسط سلطته وترسيخ نظامه.. فقد بلغ عددها عشرة استفتاءات في عهده الذي لم يتجاوز إحدى عشر عاما.

(8)

المتتبع للصحف المصرية الرسمية بعد أحداث ” انتفاضة الخبز” يناير 1977 لا يندهش من تغطيتها التي التزمت بالخط الثابت المعروف من تأييد وجهة نظر السلطة وتكثيف الضوء عليها مع تنويعات في العزف تسمح بمساحة مبسوطة للمواهب الفردية التي تجيد إعادة توزيع اللحن بما لا يخل ” بالنوتة” الأصلية ويمنحه _ اللحن _توهجا وحياة.. النشاز غير مسموح به بأي حال من الأحوال..

بعد أن أعلنت صحف ١٨ يناير قرارات رفع الأسعار مع التركيز على تبريرها وإبراز حتميتها وضرورتها، بدأت الصحف القومية (ونتخذ هنا من جريدة الاخبار نموذجا حيث لم تختلف تغطية الصحف القومية عنها في كثير شيء يذكر) في اليوم التالي 19 يناير  بعد اندلاع المظاهرات في تسليط الضوء على فكرة المؤامرة وتسويق مبررارتها ودلائلها.. ورأت جريدة الاخبار أن ” المظاهرات تحولت إلى مؤامرة لتخريب مصر.. وأن الدولة سوف تتصدي بكل حزم لمثل تلك الأعمال التخريبية”..

وكانت المانيشتات الرئيسية تشير إلى أن ” عناصر تخريبية وجهت المظاهرات إلى حرق سيارات خاصة.. ووسائل نقل في الإسكندرية والقاهرة.. وبدأت المظاهرات في الإسكندرية والقاهرة في مواقع محدودة بتحريض من عناصر ماركسية تدعي شعار الناصرية بدأت بقيادة المظاهرات في الإسكندرية والقاهرة بهتافات واحدة سبق أن ترددت في مظاهرات سابقة، وكان بعضهم يحمل صورة عبد الناصر.

الجريدة كانت ترسخ فكرة” العدد المحدود ” من المحتجين و”التحريض” اليساري المنظم لتؤكد على فعل المؤامرة، ولا بأس من الزج باسم عبد الناصر  في إطار الحملة الممنهجة ضده حينذاك..

في العشرين من يناير كتب موسى صبري  رئيس مجلس إدارة جريدة” الأخبار ” يقول ” أن تلك الأحداث بالكامل هي مؤامرة تم تدبيرها تجاه مصر والديموقراطية ” ولم يشرح  صبري لقرائه كيف تم تدبيرها وهي لم تخرج سوي ردا على قرارات رفع الأسعار، ولم يجب عن تساؤل منطقي للغاية: هل كانت لتخرج _ المظاهرات _ أو يكون لها وجود لو لم يتم اتخاذ هكذا قرارات؟.. لم يكتف كتاب” الأخبار ” بذلك بل لمح” مصطفى آمين ” بوجود صلة تشابه بين أحداث يناير وحريق “القاهرة” ١٩٥٢.. وفي الواحد والعشرين من يناير رأت الجريدة أن تكرس فكرة التخريب ” وأن الأحداث تم تدبيرها على يد أعداء الوطن وتجلى ذلك من خلال خبر صغير بعنوان :” إسرائيل سعيدة بالتخريب في مصر”

في الثالث والعشرين من يناير كتب موسى صبري مقالا بعنوان ” ماذا تريد موسكو مؤكدا ان موسكو هللت لحوادث التخريب التي حدثت في مصر.. وصفقت لها وحرضت على المزيد من الخراب ” من الأفضل أن تكون المؤامرة مزيجا بين أطرافا محلية وخارجية حتى يتحفز المواطن المتوجس على استقرار وأمن بلده وسيادتها..

(9)

أما” روز اليوسف” بطبيعتها ومدرستها وميلها الطبيعي نحو اليسار فقد قدمت عدد المجلة بعنوان” أسبوع الحرائق ” وكتب رئيس مجلس إدارتها في ذلك الحين  عبد الرحمن الشرقاوي مقالا بعنوان ” الوحدة في مواجهة المخربين قال فيه” إلقاء تبعات التخريب على تنظيم سري يسمى نفسه حزب العمال الشيوعي ثم تعميم المسئولية وإلقاء التبعة على كل الماركسيين والشيوعيين إنما هو تسطيح للأمور لا يفيد بل يضلل الباحثين عن الحقيقة ” وتمادي ” الشرقاوي” مدافعا عن اليسار والشيوعيين ليقول مؤكدا على أنهم بكل فئاتهم ” لا يملكون إلا التعبير بالكلمة فقط ” ووصفهم” بأنهم عناصر بناء وليس هدما…وأنهم حلفاء النظام الوطني الذي يقوده “السادات” وطالب ” بعدم عزل النظام الوطني عن خيرة حلفاؤه وقوته الضاربة”

يمكن بالطبع تخيل شكل ومضمون تغطية مجلة” الطليعة “صوت اليسار في مصر في مقالتها الافتتاحية في عدد فبراير 1977 الذي كتبه ” لطفي الخولي” منتقدة التغطية الإعلامية الحكومية التي نزعت عن الحكومة اية مسئولية عن الأحداث وعزتها إلى الشيوعيين واليسار ورأت ” ان أسباب الهبة الجماهيرية _ كما وصفتها _ يكمن في السياسة غير الواقعية وغير العصرية وغير المسئولة التي انتهجتها الحكومة”

وعندما تتصفح مجلة” الدعوة” لسان حال” الإخوان المسلمين” نجد أنها عبرت في تغطيتها للأحداث بنوع من الانتهازية السياسية المحملة بالعداء السافر للشيوعية واليسار برمته وإن لم تخلو من قدر ضئيل من الرؤية الموضوعية.. كتب” محمد جمعة العدوى ” مقالا بعنوان” هل يهجر الشيوعيين شيوعيتهم؟”..متسائلا” إذا كان أصحاب الشيوعية قد أوشكوا على هجرها.. فهل يهجرها الشيوعيون المصريون ؟.. ومن ثم يختتم مقاله بدعوة الشيوعيين المصريين بالعودة إلى الله! هو إذن يحمل التيار اليساري والشيوعيين مسئولية الأحداث مطابقا ومؤيدا للرؤية الرسمية.. بل زاد عليها وأفاض حتى كاد ان يخرجهم من الملة!!!..

أما القيادي الإخواني ” صلاح شادي ” فوصف أحداث يناير بأنها “فتنة “.. متسائلا” هل قامت الفتنة بسبب هذه العزلة بين نواب الشعب من حزب الوسط _ منبر الوسط حزب مصر الحزب الحاكم صاحب الاغلبية حينها _وبين طوائف الشعب الأخرى التي رفضت القرارات الاقتصادية؟.. أم تراها قامت بسبب نشاط هذه الطائفة من الماركسيين الذين ينتمون بفكرهم وسلوكهم إلى وطن آخر. يفزعون إليه ويرقصون على أنغامه السكري.. بالطعن والسفك والتخريب؟

هنا يلمز جانب الحكومة بلطف شديد مجرد عزلة أدت لما حدث.. لكنه عندما يأتي لليساريين والماركسيين فإنه ينزع عنهم صفة الوطنية!!! هكذا كحكم بات نهائي، كما أخرحهم صاحبه من الملة.

أما مقال الدكتور” محمد حافظ أبو الفتوح ” والذي كتبه تحت عنوان ” لا تدفنوا رؤوسكم في الرمال”.. رأي، فيه ” أن ماجري يعود إلى أسباب عديدة منها افتقاد العدل في المجتمع.. إلى جانب تعدد الوعود من قبل المسئولين مع ضعف التنفيذ.. وأن الشيوعيين ربما أن حاولوا ان يركبوا موجة الأحداث.. لكنهم بالتأكيد لم يصنعوا المقدمات التي أدت لها” وكان المقال موضوعيا إلى حد كبير…

وظل الرئيس الراحل يردد رؤيته للأحداث ومن صنعها ودوافعها قائلا ” فئة قليلة لا يحركها إلا الحقد.. وهو ما شكوت منه إنها انتفاضة الحرامية”  بل إن الكاتب النابه الأستاذ ” أحمد بهاء الدين” أشار إلى أنه وبصفة خاصة بعد ” انتفاضة الخبز”

أنور السادات

صار الرئيس الراحل يكره القاهرة وكل ما تمثله ” وكان يشعر أن القاهرة بالذات ضده، فهي في نظره مدينة المشاغبين من الطلبة والعمال والمتحذلقين والصحفيين والكتاب وكل من أصبح يسميهم الأفنديات والأرذال  ربما يفسر ذلك لجوء ” السادات” لاستراحاته المتعددة وتفضيله العزلة، قد يكون أيضا يسلط الضوء على ضيقه بالنقد والمراجعة.. وانتهت أحداث ” انتفاضة الخبز ” في يناير ١٩٧٧ إلا أن ما حدث في يناير قد كان حدثا وحدا فاصلا أثر على ما جاء بعده من تداعيات وأحداث، في مقبل الأيام ولنهاية عهده _ السادات _ . بل يجوز القول أننا نعيش حتى الآن في مألات سياسات وقرارات عصره وتوجهاته وانحيازاته أيضا ...

هامش

1-أسفرت ” انتفاضة الخبز” 1977 عن سقوط 79 قتيلا و 214جريحا.. وأحيلت القضية لمحاكمة في إبريل 1978 وتم النطق بالحكم في إبريل 1980.

وحكم فيها القاضي الجليل المستشار “حكيم منير صليب” بحكم البراءة على جميع المتهمين المحالين للقضية وعددهم ١٧٦ متهم وقال في حيثيات حكمه التاريخي نافيا فكرة التدبير والمؤامرة مسقطا الرواية الرسمية للأحداث والتي ظلت وسائل الإعلام ترددها وترسخها في الأذهان

” والذي لا شك فيه و تؤمن به هذه المحكمة ويطمئن إليه ضميرها ووجدانها.. أن تلك الأحداث الجسام التي وقعت يومي 18و 19يناير 1977 كان سببها المباشر والوحيد هو إصدار القرارات الاقتصادية برفع الأسعار فهي متصلة بتلك القرارات اتصال المعلول بالعلة والنتيجة بالأسباب ولا يمكن في مجال العقل والمنطق أن ترد تلك الأحداث إلي سبب آخر غير تلك القرارات، فلقد أصدرت علي حين غرة وعلي غير توقع من أحد، وفوجئ بها الناس جميعا بمن فيهم رجال الأمن، فكيف يمكن في حكم العقل أن يستطيع أحد أن يتنبأ بها ثم يضع خطة لاستغلالها ثم ينزل إلي الشارع للناس محرضا ومهيجا ” وكان قاضي اليمين المستشار على عبد الحكيم عمارة  وقاضي اليسار المستشار أحمد محمد بكار 

شارك المقال: