مقالات

مظاهرات 1968 أول مظاهرة

أخيراً وصلت التظاهرة إلى مقر البرلمان بعدما اخترقت شارع القصر العيني كله ، وأطل على الطلاب الغاضبين "أنور السادات" رحمه الله وكان رئيساً لمجلس الأمة وقتها كما كان يسمى

مشاركة:
حجم الخط:

شاركت في مظاهرة تحدثت عنها الدنيا!

عجائب عبدالقدوس

عنواني هذا قد يثير دهشتك وتتساءل عن هذا الاحتجاج الذي وقع من زمن بعيد وشاركت فيه ..
ولكن الأهم عندك بيان الأسباب التي جعلت من هذه التظاهرة حديث العالم ، وإلا اتهمتني “بالفرقعة” الصحفية ..
أبدا والله ..
الدنيا كلها تحدثت عما يجري في مصر.

والبداية زي النهارده من ٥٨ سنة بالضبط ..
أواخر شهر فبراير عام ١٩٦٨ كنت أنا وشقيقي الحبيب “أحمد” في أوائل دراستنا الجامعية ..
وتجمعنا وعدد من الطلاب في فناء كلية الحقوق بجامعة القاهرة احتجاجا على هزيمة ١٩٦٧ خاصة بعد صدور الأحكام ضد قادة الطيران ورآها الناس أنها لا تتناسب مع حجم الكارثة التي وقعت.

وهتفنا ..
وكنا لا نزيد عن عشرة ودخلنا مدرجات الحقوق وأوقفنا الدراسة وخرج طلابها معنا ، واتجهت التظاهرة إلى الآداب ثم الهندسة وبعدها كلية الطب ..
وكان الطلاب يستجيبون على الفور بحماس شديد وهتاف تحيا مصر ..
وفي أقل من ساعة توقفت الدراسة بجامعة القاهرة كلها ونزل طلابها إلى الشوارع وسط ترحيب من الأهالى وزغاريد وتصفيق وهتاف شدوا حيلكم يا رجالة ..
أنتم ضمير مصر ..
وتركزت مطالب الطلاب في أمرين ..
إعادة النظر في الأحكام المخففة التي صدرت بحق من كانوا السبب وراء البلوى التي حلت بمصر والعالم العربي كله ، لكن الأهم المطالبة بإصلاحات جذرية للنظام الحاكم ..
وأتذكر جيداً التظاهرة عندما مرت على مقر مؤسسة “روز اليوسف” التي أنشأتها جدتي ..
أخذنا نهتف: عايزين صحافة حرة .. العيشة بقت مرة !!

وأخيراً وصلت التظاهرة إلى مقر البرلمان بعدما اخترقت شارع القصر العيني كله ، وأطل على الطلاب الغاضبين “أنور السادات” رحمه الله وكان رئيساً لمجلس الأمة وقتها كما كان يسمى ..
وأخذنا نهتف والرجل يهز رأسه ويبتسم !!
وبعدها انصرفنا بعدما وصلت مطالبنا إلى المسئولين ..
وفي مساء ذات اليوم وكان يوم سبت على ما أتذكر أتصل “السادات” بوالدي وهو صديق قديم له وقال له في غضب: يا “إحسان” بدل ما تكتب قصص روح ربي أولادك !!
وتعجب أبي من هذه اللهجة التي تحدث بها “السادات” لأول مرة معه وقال لي: الراجل زعلان منكم قوي ..
ولم نكترث لهذا الزعل.

وفي اليوم التالي ذهبنا إلى الجامعة ..
وكان يوماً مختلف عما جرى بالأمس ..
الذي مر بهدوء ، لكن تاني يوم وقعت اشتباكات عنيفة مع الشرطة عند مدخل الجامعة بعد محاولة منعنا من انطلاق التظاهرة إلى قلب القاهرة ..
وكانت أعداد الطلاب أكبر بكثير جداً من اليوم الأول ..
ونجحنا في كسر طوق الشرطة ونزلنا بأعداد غفيرة إلى وسط البلد وسط ترحيب وتضامن من الناس العاديين ..
لأن مصر كلها كانت مستاءة وزعلانة ..
ورأت أن طلابها يعبرون عنهم ..
وتكررت الاشتباكات طيلة اليوم في أكثر من مكان وتعرضت يومها “لبهدلة شديدة” !!

وصدر قرار بإغلاق جميع جامعات مصر ، لكن الاضطرابات استمرت ..
وكان هناك اعتصام في كلية الهندسة بجامعة القاهرة شاركت فيه منذ يومه الأول أنا وشقيقي ..
وهذه الأحداث التي جرت كانت محل اهتمام العالم كله ومتابعته وتتصدر جميع نشرات الأخبار العالمية لأنها كانت فريدة من نوعها ، فلم تشهد مصر أبدا أي احتجاج ضد نظام “عبدالناصر” الذي أحكم قبضته على السلطة منذ عام ١٩٥٤.

ورأى “ناصر” أن هذه الاحتجاجات تضعف الجبهة الداخلية خاصة وأن مصر قد بدأت حرب الاستنزاف ضد العدو الإسرائيلي الرابض على أرض سيناء ..
وأراد أن يكسب الطلاب الغاضبين إلى جانبه ويعمل على تهدئتهم ..
وهكذا وجدنا أنفسنا نحن الطلاب المعتصمين في البرلمان أو مجلس الأمة بدعوة من رئيسه “أنور السادات” في حوار مفتوح وبحضور العديد من الوزراء على رأسهم وزير الداخلية والتعليم وغيرهم ..
وأكد رئيس المجلس أنه لا يمكن أن يقع صدام بين الثورة وبين طلاب مصر المخلصين ..
وأن ما جرى أمر مؤسف له ..
و”ناصر” يتفهم تماماً أسباب الغضب ويريد بدء صفحة جديدة ..
ولتأكيد ذلك فإن على الطلاب المعتصمين الانصراف إلى بيوتهم آمنين ..
مع قرار بالإفراج عن كل من تم اعتقاله في الأحداث ووعد بإجراء إصلاحات شاملة تستجيب للمطالب الشعبية في أقرب وقت.

وهكذا انتهت تلك الاحتجاجات التي كانت حديث الدنيا ، وصدر بيان ٣٠ مارس وعد فيه “ناصر” بإصلاحات عدة.

وبعدها بأيام قليلة وقع ما لم يكن في الحسبان ..
قرأ والدي رحمه الله خبر صغير لكنه بارز في الصفحة الأولى بالأهرام : عزل جميع المسئولين الذي أشترك أولادهم بالمظاهرات في بولندا !!
وتعجب أبي جداً من هذا الخبر وتخوف منه ..
وكأن الكلام لك يا جارة .. بالتعبير الشائع .. وبالفعل كان تخوفه في محله إذ صدر قرار بإعفائه من رئاسة تحرير أخبار اليوم التي كان يرأسها ..
يعني تم فصله بسبب ما فعله أولاده ..

والمفاجأة التي أقدمها لك أنه تعاطف معنا منذ البداية وبرغم غضب “السادات” منه ، لكنه كان يتساءل: وهل ستؤدي هذه المظاهرات إلى نتيجة إيجابية ..
أم أن مفيش فايدة ؟؟
ولم يغضب أبي من قرار فصله ، لأن “إحسان عبدالقدوس” الصحفي والكاتب المبدع أكبر من أي منصب ..

ملاحظة:
عاد إلى منصبه بعد فترة قصيرة لإنقاذ الصحيفة التي تركها بعدما تدهورت أحوالها ..
وفي عام ١٩٧١ بعدما أحكم صديقه الرئيس “أنور السادات” قبضته على السلطة قام بتعيينه رئيسا لمجلس إدارة المؤسسة الصحفية العريقة ونسى خناقه معه بسبب أبناءه المشاغبين !!
يا “إحسان” .. بدل ما تكتب قصص روح ربي أولادك !!

شارك المقال: