حمدين صباحي يكتب: طوفان الأقصى جولة على طريق تحرير فلسطين (1-3)
طوفان الأقصي جولة في العمق الحي للعدو، وليست حربًا في الغلاف على جبهات صحراوية نائية، جولة موجعة ومثيرة للقلق الوجودي عند الحالمين بـ«أرض اللبن والعسل»، كما روجت وكالات الهجرة اليهودية، ومحرفي التوراة
لم تكن معركة طوفان الأقصى سوى جولة من صراع متد بين حلم تحرير فلسطين وحلم كيان واهم
في ذكرى 7 اكتوبر العظيم الذي أفتتح هذه الجولة المجيدة الممتدة حتى الآن من صراعنا المستمر حتى النصر ضد الوجود الصهيوني على أرضنا أعيد نشر هذه القراءة التي قدمتها منذ عام في افتتاحية “المستقبل العربي “
حمدين صباحي
سنتان من الطوفان ولم تضع الحرب أوزارها، العدوان مسعور ومستعر، والمقاومة صامدة وباقية.
تحت النار يكبر السؤال عن النتيجة : نصر أم هزيمة؟
تتكاثر محاولات الإجابة، والإجابة بذاتها عامل في تكوين النتيجة، وسلاح في المعركة يصنع النصر أو يفرض الهزيمة.
طوفان الأقصى على أهميته وعمق آثاره هو معركة في حرب، والحرب هي جبهة اشتعال القتال ضمن صراع ممتد تاريخي حضاري مركَّب متعدِّد الجبهات بين الأمة وعدوها الصهيوني الاستعماري منذ ما قبل سنة 1948 إلى الآن وثمة مزيد.
نتيجة أية معركة تبقى نسبية مرحلية بانتظار آخر معارك الحرب، ولا قياس لنتيجة الصراع أدق من القدرة على تحقيق الهدف.
الهدف العربي واضح: استعادة حق الأمة المغتصب بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر.
وهدف الكيان واضح: تحقيق الوهم الصهيوني بإقامة إسرائيل الكبرى من النهر إلى النهر.
لهذا كله فإننا نعي بوضوح قاطع أنه لا نصر حاسمًا للأمة العربية قبل تحرير فلسطين، ولا نصر حاسمًا للكيان الغاصب قبل إقامة “إسرائيل الكبرى“
سيستمر الصراع بين الهدفين النقيضين: استعادة الحق مقابل «تجسيد الوهم»
سيأخذ الصراع مداه، وتتعدد جبهاته، وتتجدد معاركه، كما يذكّرنا التاريخ بجولات الصراع السابقة في الحروب الصليبية، حيث تناوبت جولات الحرب والهدنة، وتراوحت الخسائر والمكاسب، حتى تحقق النصر الحاسم لمنتصر ظاهر غالب، على حساب مهزوم ظاهر مغلوب.
لكن الغرب لم ينسَ الهزيمة، وعاد ليجدِّد صراع العصور الوسطى بأدوات جديدة وشعارات جديدة، لن يحسمها الدعم المفتوح للعدو، ولا خيانات والي عكا وأحفاده.
لهذا كله لا نستطيع الآن تقديم إجابة نهائية للسؤال: نصر أم هزيمة؟ لكن يمكننا الحديث عن مكاسب وخسائر.
عن ملامح وبشائر، فلا يصح الحديث الآن عن هزيمة، مهما بلغت خسائر العتاد والبشر، والزرع والحجر، فما دام الصراع مستمرًّا، والمقاومة صامدة، فإن أي حديث عن الهزيمة هو خذلان واصطفاف مع العدو، كذلك فإن الحديث عن النصر هو قفز على حقائق لا تزال قيد التكوّن.
صحيح أن أمنيات النصر إشارة من إشارات الانتماء والأمل، لكنها لا تكفي للحديث عن انتصار نهائي، أما حديث البعض عن هزيمة المقاومة، فهو إشارة ودليل يثبت انهزام الناطقين به أيًّا كانت مبرراتهم.
النظرة البصيرة للمعركة الدائرة، تضعها في مكانة متميزة ومتفردة في تاريخ الصراع العربي – الصهيوني، وأقول «العربي» على سبيل المجاز وتيمُّنًا بتمثيل الجزء لشرف المقاومة العربية والروح القومية التي يمثلها الفلسطينيون والمقاومون وخصوصًا أهل غزة، شعبًا ومسلحين.
فالكل مقاومة: المدني بصموده الذي أيقظ ضمير العالم الحر، والمسلح بعزة انتمائه وعقيدته الفاصلة: النصر أو الشهادة.
لماذا أقول إن هذه الجولة في الصراع متفردة، ومتميزة عن كل الجولات السابقة منذ عام 1936؟
لأنها جولة بدأت فلسطينية خالصة واستمرت بمساندة فاعلة من قوى المقاومة الشعبية العربية، لم يشارك فيها النظام الرسمي العربي برغيف أو رصاصة، جولة بلا جيوش دول، ولا إعلام أنظمة، سوى دعم ايران ثم مشاركتها.
كما أن طوفان الأقصي جولة في العمق الحي للعدو، وليست حربًا في الغلاف على جبهات صحراوية نائية، جولة موجعة ومثيرة للقلق الوجودي عند الحالمين بـ«أرض اللبن والعسل»، كما روجت وكالات الهجرة اليهودية، ومحرفي التوراة للانقلاب على تعاليم الرب، مقابل دولة عبرية تتبني القتل كسياسة سلام، وتسمي موضع الجلجثة “واحة الديمقراطية”
عرف الصراع العربي – الصهيوني جولات كثيرة، من الخطأ، ومن الخطل، أن ننزعها عن سياقها التاريخي وطبيعة أهدافها
يسري هذا على طوفان الاقصى كما يسري على ما سبقه، وما سيلحقه، من جولات، إذ انكسرت الأمة في جولات، أكثرها وجعًا نكبة 1948 ونكسة 1967، وانتصرت في جولات أعزها فخرًا دحر العدوان الثلاثي عام 1956، والعبور العظيم عام 1973، وصمود بيروت وتحرير لبنان من الصهاينة في أعوام 1982 و 2000 و 2006.
ولا ننسى أن كل مكسب أو خسارة في هذه الجولات المتتابعة، ظل رقمًا في معادلة أكبر وأشمل، لم يكن حاسمًا ولا فاصلًا في الصراع، بل نتيجة نسبية ومرحلية، لها إسهامها بالسلب والإيجاب في تحقيق الهدف النهائي، الجولة الرابحة تقربنا خطوة على طريق تحرير فلسطين، والجولة الخاسرة تؤخرنا عن الوصول.
من هنا يولد السؤال المستحق: في أي طرف من المعادلة نضع طوفان الأقصى؟
هل كان جولة تقدم على طريق التحرير؟
أم انتكاسة تعطيل وتأخير؟
على الرغم من أن الحصاد الفعلي لطوفان الأقصى يحتاج إلى وقت أطول لكي تظهر قيمته، وعلى الرغم من صعوبة تقييم نتائج معركة لم يخبُ أوارها بعد، فإن كل مبصر يستطيع أن يرى بوضوح خمس علامات فارقة تقربنا من النصر على طريق تحرير فلسطين كل علامة منها تمثل حقيقة راسخة تمكن طوفان الأقصى من إنشائها أو تأكيدها.
الفضل يعود إلى التضحيات الفائقة التي قدمها الشعب والمقاومة ثمنًا غاليًا لتقريب يوم النصر المستحق
شهداؤنا من قادتنا العظماء إلى أطفالنا الأبرياء ليسوا ضحايا بل هم أبطال تحرير دفعوا بسخاء ثمن التصدي الجسور للقتل الممنهج وأساليب الإبادة والتجويع ومحو المدن وتبوير الأرض وتدمير البنى التحتية ومقومات بقاء الأحياء من دون أن يرفعوا راية بيضاء.
امتلكوا فوق البصر بصيرة ترى المآلات، وتوقن أن الاحتلال إلى زوال مهما تجبر، وتتحلى بحكمة التاريخ كما يصوغها محمود درويش في ‹لماذا تركت الحصان وحيدًا› بلسان الأب الفلسطيني يخاطب ابنه الخائف في رحلة اللجوء الأول في نكبة 1948:
“يا ابني تذكر غدًا
وتذكر قلاعًا صليبيةً قضمتها حشائش نيسان بعد رحيل الجنود”
غدا في الجزء الثاني نتحدث عن العلامات الخمس المضيئة لطوفان الأقصى
شاركنا برأيك