مقالات
حمدي عبد العزير
حمدي عبد العزير

كاتب وسياسي

حمدي عبد العزيز يكتب: لفافة وليلة طويلة (1-2)

المهم أنني استلمت لفافة البنك التي تحوي حركته المستندية والحسابية خلال هذا اليوم لتسليمها للفرع الرئيسي في المحمودية.

مشاركة:
حجم الخط:

لفافتين وليلة طولها ثلاثة أعمار متصلة 

في وقت متأخر من الليل، كنت عائدًا من مدينة دمنهور إلى مدينة المحمودية، وبعد أن تناولت عشائي الذي كان عبارة عن نصيبي في وجبة الغداء التي تعودت أمي أن تضعها لي على مكتبي إلى حين عودتي.

فقد كنت غالبًا لا ألحق بوجبة الغداء، وكنت أخرج من عملي في قرية 16 التي تبعد عن مدينة المحمودية مسافة تقترب من 16 كيلومترًا مربعًا فأركب أي سيارة نصف نقل يتصادف أن تمر على طريق القرية.

 كان الطريق في ذلك الوقت غير مسفلت لا تمر عليه في الغالب أية سيارة ركاب عادية.

 أصل مدينة المحمودية فأستقل منها مكانًا في إحدى سيارات الركاب التي تصل إلى دمنهور.

غالبًا إما لحضور اجتماع أمانة حزب التجمع في محافظة البحيرة أو لجنة المحافظة أو أي اجتماعات لمتابعة نشاط الهيئتين,

إلى جانب اجتماعات ولقاءات أخرى كلها تتعلق بنشاطي السياسي، وبالتالي لم يكن في الغالب لدي الوقت لتناول وجبة الغداء في البيت.

وكان الأمر يقتصر على تناول ساندوتش فول وفلافل مقابل أكواب الشاي التي كنت أشربها هنا أو هناك حيثما كان انعقاد الاجتماع أو المقابلة الشخصية أو خلافه كما أوضحت سالفًا.

حمدي عبد العزيز يكتب: الأوز وسيمفونية قلب البهجة!

تناولت طعامي الذي تركته أمي على مكتبي

وأعددت لنفسي كوب الشاي على السبرتاية التي أحتفظ بها بجوار مكتبي، ثم هممت أثناء تناول الشاي بفتح حقيبتي الجلدية لإخراج لفافة من الأوراق لفتحها وقراءتها قبل أن أنام.

 لم أكن أدري أنني في هذه الليلة تحديدًا لن أذوق النوم ولا الراحة فيها وأنها ستكون من أصعب الليالي التي مرت في حياتي.

ستكون الليلة التي عشت فيها ككائن تم تعليقه من ذيله في سقف غرفة مغلقة النوافذ منعدمة الهواء كالحة الإضاءة.

كان يجب أن تكون اللفافة التي امتدت يدي كما علمت من الرفيق شادي مسئول المنطقة تحتوي على أوراق لا تخص بالطبع حزب التجمع.

فقد أصبحت بيانات الحزب في تلك اللحظة شأنها شأن كل بيانات الأحزاب السرية يتم تداولها سرًا، خصوصًا بعد موقفه الرافض لزيارة السادات للقدس وعقده لاتفاقيات سلام منفردة مع إسرائيل.

ثم ما أعقب ذلك من تشديد للملاحقات الأمنية العنيفة لأنشطة الحزب وكوادره وأعضائه الذين أفلتوا من السجن.

أما الأخطر فقد كنت أعرف أن اللفافة كانت عبارة عن ورقة بيضاء لُفَّ بداخلها خمسة نسخ من نشرة (الوعي) وخمسة نسخ من نشرة (الإنتصار) لتبادل قراءتها ومناقشتها مع الرفاق في المحمودية كما أخبرني الرفيق شادي وهو يسلمها لي.

قبل أن أدسها على عجل داخل حقيبتي وأنصرف إلى ميدان إفلاقة حيث انتظر أتوبيس عمال شركة الغزل والنسيج بالمحمودية.

 كان الأتوبيس يمر على الميدان لأخذ عمال وردية منتصف الليل المقيمين في دمنهور وقراها وكذلك العمال الذين يقيمون في القرى التي يمر عليها أتوبيس العمال على طريق دمنهور المحمودية.

حيث كانت المواصلات العادية تنقطع تمامًا عن طريق دمنهور المحمودية بعد الساعة العاشرة مساء.

فلا تكون هناك أية فرصة للنجاة من التشرد الليلي سوى ركوب أتوبيس العمال الذي كان يمر تمام الساعة العاشرة والنصف مساء على ميدان إفلاقة.

كان سواق أتوبيس العمال يسترزق من وراء هذه المرؤة الليلية التي لم تكن لوجه الله والوطن وإنما كانت بمقابل يساوي أجرة السيارة العادية من دمنهور على المحمودية كنا ندفعها ونحن شديدي الامتنان له.

عندما مددت يدي داخل حقيبتي لأستخرج اللفافة التي سلمها لي الرفيق شادي في دمنهور ، اكتشفت أن اللفافة ليست هي اللفافة!

كانت لفافة تخص الحركة المستندية لبنك القرية الذي أعمل به.

هذ البنك البعيد عن المدينة، وكنت موظف الشئون الإدارية فيه، وتم إبعادي إليه بناء على طلب مباحث أمن الدولة من إدارة البنك لسببين.

الأول إبعادي عن التعامل مع الجماهير لكوني أشكل خطرًا على أمن البنك (كما قال لي مسئولوه بعد ذلك)

والثاني تأديبي بحيث يتم نقلي إلى بنك قرية في مكان مقطوع يقع على أطراف ثلاث مراكز هي إدكو ورشيد والمحمودية.

ويكفي فقط أن أعاني من مشقة الذهاب إليه والعودة منه ليهد كل طاقتي وقواي ولا يبقى شيء أقدمه للنشاط السياسي.

(وقد كان هذا بعد أن تم الإفراج عني عقب دخولي السجن بتهمة توزيع منشورات تحض على قلب نظام الحكم! هكذا كانت التهمة التي وجهت إلي)

وبغض النظر أنني مع الوقت قمت بتأسيس وحدة لحزب التجمع في هذا المكان وأصبحت مسئولًا عن عشرات الرفاق هناك بعد مرور ثلاث سنوات على انتقالي لهذا المكان ، فليس ذلك هو المهم في حكايتنا هذه.

المهم أنني استلمت لفافة البنك التي تحوي حركته المستندية والحسابية خلال هذا اليوم لتسليمها للفرع الرئيسي في المحمودية.

كان المفروض أنني أسلمها لحارس البنك المسائي ليقوم بدوره بوضعها في درج أخصائي الحسابات الذي يعود من بيته مساء ليسهر على تفريغ حركات البنوك، ليتم تسليمها في اليوم التالي إلى إدارة بنك المحافظة.

كانت أعمال البنوك في ذلك الوقت تتم يدويًا، ولم تكن حتى الحاسبات الآلية قد وجدت طريقها حتى ذلك الوقت إلى البنك.

وكان موظفو الحسابات ينكفئون بالنهار وبالليل على الدفاتر يدونون ما تم من حركات حسابية ويجمعون ويطرحون يدويًا.

وأحيانًا كان يستلزم الأمر من أحدهم أن يصل ليلتين بنهارين من أجل فارق قرش أو قرشين أو جنيه أو ثلاثة لا ينضبط الدفتر إلا بالعثور على هذا الفارق.

 تكهرب جسدي وكياني عندما فتحت اللفافة الورقية ووجدت أنها لفافة حركة البنك.

وأدركت أنني ارتكبت مصيبة كبرى ستجر وراءها مصائب لا قبل لي بها، فقد أجريت عملية (فلاش باك) سريعة لما جرى.

أرجعت شريط يومي المرهق إلى الوراء لأكتشف أنني بمجرد أن نزلت من أتوبيس المصنع ومررت على مبنى فرع البنك في المحمودية، وقرعت جرس الباب لتخرج رأس عم إبراهيم الحارس من الشباك في حين انفتحت عقيرته بكلمة:مين ؟

وما إن رددت عليه بإنه أنا.

حتى اختفت رأسه وأغلق شباك البنك ونزل إلى باب البنك ليفتحه فتحة تكفي لأن يمد ذراعه منها حيث استلم اللفافة التي جلبتها له من حقيبتي ثم مضيت إلى المنزل متنهدًا تنهد الذي ألقى حمله اليومي من فوق ظهره.

“ليت الأرض كانت قد انشقت لتبتلعني قبل أن أنطس في ناظري، وأدس يدي في حقيبتي لأعطي عم إبراهيم اللفافة دون أن أدرك أن لفافة ثانية تنام إلى جوارها في حقيبتي.

“وأنه كان علي أنا الغبي ابن كذا وكذا وكذا أن أدقق، وأن أميز بين اللفافتين لفافة البنك ولفافة الرفيق شادي “

أظلم العالم داخلي

بالرغم من أن حرائق الكون وبراكينه قد اشتعلت في عقلي، شتمت نفسي بأبشع الشتائم وأقبحها، ونعت نفسي بأقسى النعوت المجردة من أي سقف أخلاقي، بدءًا من وصفي لنفسي بالأوصاف التي تعني الميوعة والتهتك حتى وصلت إلى درجة أنني بصقت على نفس، باعتباري جالب العار لي ولكل من ساهم في تربيتي أو تعليمي يومًا ما.

ماذا حدث في اللفافة الثانية، وكيف كانت الخاتمة نستكمل غدا الحكاية. 

 

 

شارك المقال: