كاتب وكتاب
أحمد رجب شلتوت
أحمد رجب شلتوت

كاتب وناقد وباحث

أحمد رجب شلتوت يكتب: حين يصبح الجسد مرآةً متبادلة بين الشرق والغرب

وجود تصور جنسي عن الشرق في كتاب لرحالة أوروبي لا يكفي وحده لإثبات أن هذا التصور كان له تأثير سياسي أو تاريخي مباشر.

مشاركة:
حجم الخط:

بين الصورة والسلوك

ينجح الكاتب بدرجة كبيرة في إثبات أن التصورات الجنسية كانت حاضرة في العلاقات بين الأوروبيين والعرب، وأن الأدب والرحلات والصور والوقائع الفردية ساهمت في تشكيل هذه التصورات.

لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما ينتقل من القول إن هذه التصورات موجودة إلى القول إنها أثرت في التاريخ.

فوجود تصور جنسي عن الشرق في كتاب لرحالة أوروبي لا يكفي وحده لإثبات أن هذا التصور كان له تأثير سياسي أو تاريخي مباشر.

المهم كيفية انتقال الصورة من المخيلة إلى السلوك، ومن السلوك إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى القرار أو الحدث التاريخي، وهذا ما لم يستطع الكتاب إثباته.

بمعنى أنه

نجح في إثبات حضور الجنس في التاريخ أكثر من نجاحه في إثبات أن الجنس صنع التاريخ.

حين يصبح الجسد مرآةً متبادلة بين الشرق والغرب (1-3)

لقاءات متبادلة

يمثل الفصل السابع، “أنماط السلوك الأوروبي” ثم الفصل الثامن “العلاقات المتبادلة” انتقالًا مهمًا من صورة الآخر إلى السلوك الفعلي في العلاقات بين الطرفين.

وهنا يستعيد الكتاب توازنه؛ لأن “هوبود” لا يكتفي بالصور العامة، بل يهتم باللقاءات الفردية.

وهذه اللقاءات تكشف أحيانًا أن الإنسان أكثر تعقيدًا من الثقافة التي جاء منها.

فقد يحمل الأوروبي معه صورة نمطية عن العربي، لكنه عندما يدخل في علاقة فعلية معه قد يكتشف أن الشخص الذي أمامه لا يطابق الصورة، والعكس صحيح.

وربما كان هذا هو المعنى الأعمق لفكرة “هوبود “عن العلاقة بين اللقاءات الفردية والتصورات العامة.

فالتاريخ لا يصنعه أصحاب الصور الكبرى وحدهم؛ بل يصنعه أيضًا أولئك الذين يتجاوزون الصور في لقاءاتهم اليومية.

البريطانيون في الشرق الأوسط

في الفصل التاسع “حيوات البريطانيين في الشرق الأوسط” ينقل الكاتب موضوعه من مستوى التصورات إلى مستوى الحياة اليومية.

فالاستعمار، في نهاية المطاف، لم يكن مؤسسة مجردة، كان مجموعة من البشر يعيشون في أماكن أخرى، ويحبون ويكرهون ويدخلون في علاقات ويكوّنون صداقات ويصنعون خصومات.

ولذلك فإن دراسة الحياة الخاصة لهؤلاء البريطانيين تكشف جانبًا من التاريخ لا يظهر في الوثائق السياسية.

فالإمبراطورية ليست فقط ما فعلته الحكومات، وإنما أيضًا ما فعله الأشخاص الذين عاشوا داخلها.

لكن يجب أن ننتبه كقراء إلى أن التجربة الفردية، ومهما كانت دالة ومثيرة، لا تسمح وحدها بتعميم الحكم على البريطانيين أو الفرنسيين أو العرب.

العرب في أوروبا

يكتسب الفصل العاشر، “العرب في أوروبا”، أهمية خاصة لأنه يعكس اتجاه النظرة الذي سيطر على جانب كبير من الكتاب.

فبعد أن تابع المؤلف الأوروبيين وهم ينظرون إلى الشرق ونسائه، ينتقل إلى العربي حين يعبر الحدود باتجاه أوروبا، ليصبح هو الآخر موضوعًا للتجربة والدهشة والاغتراب.

وبالطبع العربي يحمل معه صورة عن الغرب، كما تحمل أوروبا صورة عنه. فيصبح الانتقال الجغرافي دخولًا في مواجهة بين صورتين متخيلتين، سرعان ما تصطدمان بالواقع.

هنا يستعين المؤلف بعدد من الأعمال الأدبية العربية التي تصور تجربة العربي في أوروبا

منها رواية “بيرة في نادي البلياردو” لوجيه غالي، التي يتابع من خلالها تجربة مصريين يعيشان في لندن، وقد أدخلهما الانتقال إلى المجتمع البريطاني في حالة من الارتباك الأخلاقي والجسدي.

فالعلاقة بالجنس هنا تقدم باعتبارها تجربة تكشف هشاشة الهوية حين تنتقل فجأة من منظومة قيم إلى منظومة أخرى.

فالشخصيتان تنجذبان إلى الحرية الجنسية التي يتيحها المجتمع البريطاني، لكنهما لا تستطيعان الانفصال تمامًا عن منظومتهما الأصلية

فينشأ التمزق بين الرغبة والشعور بالذنب، وبين ما تتيحه البيئة الجديدة وما ترسخ في الداخل من قيم وتصورات.

والأكثر دلالة أن تجربة أوروبا لا تنتهي بانتهاء الإقامة فيها

إذ يحمل العائد معه آثار التجربة إلى بلده. وهنا تصبح أوروبا، بالنسبة إلى الشخصيتين، تجربة غيرت علاقتهما بأنفسهما قبل أن تغير علاقتهما بالآخر.

ويزداد الأمر وضوحًا في الأمثلة الأدبية الأخرى التي يستدعيها، مثل “الأشجار واغتيال مرزوق” لعبد الرحمن منيف، ففي هذه الأعمال يصبح الانتقال إلى الغرب وسيلة لاختبار منظومته الأخلاقية والاجتماعية، واكتشاف المسافة بين ما كان يتصوره عن أوروبا وما يجده فيها بالفعل.

وفي المقابل تتيح هذه الرحلات للغرب أن يظهر بوصفه موضوعًا للنظر العربي، وليس بوصفه النموذج الذي يقيس الآخر.

وهنا يؤكد الفصل على أن التصورات الجنسية ليست ملكًا لطرف واحد

فإذا كان الأوروبي قد صنع صورة عن الشرق بوصفه عالمًا للغموض والحريم والحسية، فإن العربي يستطيع بدوره أن يحمل إلى أوروبا صورًا عن المرأة الأوروبية وعن حريتها الجنسية وعن المجتمع الذي يسمح بها.

لكن “هوبود” يكشف أن الصورة المتخيلة تصطدم في النهاية بالإنسان الحقيقي.

ففي تجربة العربي في أوروبا قد تتحول الحرية نفسها إلى مصدر للقلق، وقد يتحول التحرر من بعض القيود إلى اغتراب عن الذات.

فالآخر ليس موجودًا خارجنا فقط،

نحن نحمله في خيالنا قبل أن نلتقيه، فالأوروبي يحمل صورة عن العربي، والعربي كذلك يحمل صورة عن الأوروبي، وعندما يلتقيان تبدأ عملية اختبار لهذه الصور.

وقد ينجح اللقاء في تحطيمها، لكنه قد يفشل أيضًا فيعيد إنتاجها بصورة أشد قسوة.

شارك المقال: