د.محمد الغمري يكتب: من عدل الحاكم إلى عدالة الدولة
وظيفة الدولة ليست أن تضمن صحة ما يقوله المواطن قبل أن تأذن له بقوله، وإنما أن يضع القانون الحدود، وأن تُختبر الأفكار بالأفكار، ويُكشف الخطأ بالحجة

جمال عبد الناصر
ما الذي بقي من درس 1968؟
قرأت مقال الصديق خالد يوسف، وأظن أن أهم ما فيه ليس استدعاء جمال عبد الناصر، ولا المقارنة بين زمن وزمن، بقدر ما هو السؤال الذي تفتحه واقعة 1968 على معنى الدولة وقدرتها على تصحيح مسارها.
فالقصة، كما يرويها خالد، تستحق التأمل:
شباب يحتجون، وسلطة تضيق باحتجاجهم، ثم رئيس يستمع إليهم ويتدخل للإفراج عنهم، في سياق مراجعة سياسية أوسع انتهت إلى بيان 30 مارس.
وتحفظ منهجي واحد يفرض نفسه هنا:
لم يكن البيان حصيلة تلك الواقعة وحدها، بل ثمرة ضغط أوسع تقاطعت فيه احتجاجات الشارع مع صراع داخل النخبة الحاكمة على شكل الدولة بعد الهزيمة.
غير أن هذا التحفظ لا يضعف الأطروحة، بل يجعل السؤال أدق: هل تحوّل ما نتج عن تلك اللحظة إلى قاعدة، أم بقي أسير توازناتها؟
د. محمد الغمري يكتب: لماذا ذهب المصريون إلى قاع الهامور؟
يمكن أن نتوقف عند موقف عبد الناصر فنراه استجابة تُحسب له.
لكن التاريخ يصبح أكثر فائدة حين نتجاوز الحكم على الأشخاص إلى السؤال عن المسار الذي أنتج الواقعة أصلًا:
لماذا وصل الشباب إلى السجن حتى صار الإفراج عنهم بحاجة إلى تدخل من رأس الدولة؟
هنا يظهر الفارق بين تصحيح الخطأ وتصحيح الآلية التي أنتجته.
قد يرفع حاكم ظلمًا أو يوقف تجاوزًا، لكن قيمة تدخله تظل محدودة ما دامت الآلية التي صنعت التجاوز قادرة على إنتاجه من جديد. فالدولة لا تتقدم فقط حين تصحح أخطاءها، بل حين تتعلم منها بما يمنع تكرارها.
ولهذا فالمسألة أعمق من عدل حاكم.
عدل الحاكم فضيلة، لكنه رهين شخصه وتقديره وحدود معرفته.
أما عدالة الدولة فأن تتحول الفضيلة إلى قاعدة، والقرار إلى مؤسسة، والحق من منحة قابلة للاسترداد إلى أصل لا يحتاج صاحبه في كل مرة إلى من يعيده إليه.
لكن الانتقال من المنحة إلى الحق لا يتعثر لمجرد أن أحدًا نسي أن يبنيه.
فمن زاوية السلطة، قد يكون بقاء التصحيح مكرمة لا قاعدة هو ما يحفظ مركزية القرار وهامش المناورة، فالمؤسسة التي تقيد السلطة التقديرية اليوم قد تقيدها غدًا حين تحتاج إلى إطلاق يدها.
لذلك لا يكفي أن نسأل:
ماذا بقي من درس 1968 في الدولة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما الثمن الذي كان على النخبة الحاكمة أن تدفعه لتحويل تلك اللحظة إلى قاعدة، ولماذا بدا الاحتفاظ بالمنحة أقل كلفة من تحويلها إلى حق؟
ومع ذلك، فهذه المعادلة ليست ثابتة.
إنها تتغير حين تصبح كلفة احتكار الحق في صورة منحة أعلى من كلفة الاعتراف به قاعدة:
حين يتراكم الخطأ غير المصحح حتى يهدد استقرار النخبة نفسها، أو حين ينقسم صفها فيحتاج بعضها إلى قاعدة تحميه من بعض، أو حين يفرض السياق الخارجي كلفة إضافية على الانفراد بالقرار.
عندها قد تتحول المؤسسة من قيد على السلطة إلى ضمان لاستمرارها.
ولعل هنا تكمن الدلالة الأبعد لتجربة 1968.
كانت مصر خارجة من هزيمة يونيو، تواجه واحدًا من أخطر امتحاناتها التاريخية.
وفي مثل هذه اللحظات يشتد إغراء إغلاق المجال العام، إذ قد ترى السلطة في الاعتراض عبئًا على دولة تخوض معركة وجود.
لكن الصوت المعارض قد يكون إنذارًا مبكرًا بخلل لم تعد مؤسسات الدولة قادرة على رؤيته من داخلها.
وحين تستطيع الدولة أن تسمعه، وتفهم ما يكشفه، وتحوله إلى مراجعة وتصحيح، يصبح الاختلاف جزءًا من قدرتها على الاستمرار، لا نقيضًا لها.
وليس معنى ذلك أن كل اعتراض صواب، أو أن كل معارضة تحمل تشخيصًا سليمًا.
فالمجال العام ينتج الخطأ كما ينتج الصواب، وقد يحمل المبالغة والشائعة وسوء التقدير.
لكن وظيفة الدولة ليست أن تضمن صحة ما يقوله المواطن قبل أن تأذن له بقوله، وإنما أن يضع القانون الحدود، وأن تُختبر الأفكار بالأفكار، ويُكشف الخطأ بالحجة، ويظل الفعل الذي يجرّمه القانون وحده محل العقاب، لا الرأي لمجرد مخالفته.
أما حين تنقطع القدرة على السماع، فيبدأ الخلل في التراكم.
تُحجب المعلومة لأن حاملها مزعج، فيتأخر اكتشاف الخطأ، وترتفع كلفة تصحيحه، حتى تجد الدولة نفسها أمام أزمة كان يمكن استدراكها يوم كانت مجرد اعتراض في جامعة، أو مقال في صحيفة، أو كلمة في المجال العام.
لكن الاختبار الأهم يبدأ بعد التصحيح.
فالدولة التي تواجه الأزمة، وتتعلم منها، ثم تحفظ ما تعلمته في قوانينها ومؤسساتها وممارساتها، لا تعود في كل مرة إلى نقطة البداية.
أما إذا ظل الدرس معلقًا بذاكرة الحاكم أو ظرف اللحظة، ثم اختفى باختفائهما، فإن التاريخ يكون قد مر بالدولة من دون أن يتراكم فيها.
وهنا يعود سؤال 1968 أكثر إلحاحًا:
ليس ماذا فعل عبد الناصر يومها وحده، بل ماذا بقي في الدولة المصرية بعد أن انتهى ذلك اليوم؟ وما الذي جعل بقاءه صعبًا؟
فقيمة استدعاء 1968 ليست في محاكمة الحاضر بالماضي، ولا في صناعة زمن مثالي منه، وإنما في اختبار ما إذا كنا قد تعلمنا منه، ومساءلة الشروط التي تجعل التعلم، حين يحدث، قابلًا للبقاء.
بعد ما يقارب ستة عقود، هل أصبحت مؤسسات الدولة أقدر على سماع الاعتراض، والتمييز بين الرأي والجريمة، واكتشاف الخطأ قبل استفحاله، وحفظ ما تتعلمه من أزماتها؟
فالتقدم لا يُقاس بما تغير منذ الماضي وحده، بل بما لم نعد مضطرين إلى تكراره منه.
ومن هنا تصبح القضية التي يثيرها مقال خالد أبعد من مطلب الإفراج عن سجناء الرأي، على ضرورته وإلحاحه.
إنها الانتقال من المكرمة إلى الحق، ومن انتظار القرار الاستثنائي إلى بناء القاعدة، ومن دولة تصحح التجاوز حين يبلغ رأسها إلى دولة تملك في داخلها القدرة على اكتشافه وتصحيحه والاحتفاظ بما تعلمته منه.
ومن هنا أتفق مع الرسالة التي ختم بها خالد مقاله:
أفرجوا عن سجناء الرأي.
وأضيف إليها ما أراه أبقى من الإفراج نفسه:
ابنوا المجال الذي يجعل الاختلاف ممكنًا من غير أن يتحول صاحبه إلى قضية، والمؤسسات التي تسمع الخطأ قبل أن يتراكم، والقواعد التي تجعل الحقوق مستقرة، لا معلقة على اتساع صدر هذا الحاكم أو ضيقه.
فالدولة الواثقة لا تخشى مواطنًا يتكلم.
وأخطر ما تفعله دولة بنفسها ليس أن تصمت أمام معارضيها، بل أن تحسب صمتهم دليل قوتها.






