ترجمات

فورين أفيرز: هل تفشل سياسة «الضغط الأقصى» في إخضاع إيران؟

هل تنجح سياسة الضغط الأقصى على إيران؟ يرى تحليل في «فورين أفيرز» أن العقوبات والضغط العسكري أضعفا إيران، لكنهما لم ينجحا في إخضاعها أو تغيير نظامها، بينما ارتفعت كلفة التصعيد على واشنطن وحلفائها.

مشاركة:
حجم الخط:

خلص تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» إلى أن استراتيجية الولايات المتحدة القائمة على الضغط العسكري والاقتصادي

على إيران تواجه حدودًا متزايدة، معتبرًا أن الحرب التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على طهران

كشفت نقاط ضعف النهج الذي اتبعته واشنطن لعقود.

ويرى الكاتب نيت سوانسون أن محاولة ترامب تكثيف الضغط الاقتصادي على إيران قد تضر بمصداقية الولايات المتحدة

أكثر مما تدفع الاقتصاد الإيراني إلى الانهيار، خصوصًا بعدما أظهرت الحرب قدرة طهران على تحمل

ضربات عسكرية واسعة ومواصلة استخدام أدوات ضغط مقابلة.

ويقدم التحليل قراءة نقدية لمسار السياسة الأمريكية تجاه إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979،

وصولًا إلى الحرب الحالية والعقوبات الجديدة.

5 خيارات على طاولة ترامب لتصعيد الحرب الاقتصادية على إيران

47 عامًا من الضغط.. ماذا تغيّر؟

بحسب التحليل، اعتمدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مزيج من التهديد العسكري والإكراه الاقتصادي في محاولة لاحتواء إيران ودفعها إلى تغيير سلوكها.

لكن هذه الاستراتيجية، وفق سوانسون، لم تنجح في تحقيق هدفها النهائي.

فقد تعرضت إيران لعقوبات متتالية منذ أزمة الرهائن عام 1979،

ثم توسعت الإجراءات الأمريكية والأوروبية لتشمل قطاعات الطاقة والقطاع المالي، قبل أن تبلغ سياسة العقوبات ذروتها خلال ولاية ترامب الأولى.

ومع ذلك، ظلت الجمهورية الإسلامية قائمة، كما احتفظت بقدرات عسكرية وإقليمية مكّنتها من الرد على الضغوط.

الحرب كشفت حدود القوة العسكرية

يرى المقال أن الحرب الأخيرة أضعفت قدرات إيران العسكرية والبنية التحتية، وألحقت خسائر كبيرة بها، لكنها لم تؤدِ إلى انهيار النظام الإيراني.

بل يشير التحليل إلى أن الضربات العسكرية عززت قدرة النظام على الصمود داخليًا، بينما كشفت في الوقت نفسه حدود استعداد الولايات المتحدة للذهاب إلى خيار الغزو البري.

وبحسب المقال، أدركت طهران خلال الحرب أن واشنطن لا تبدو مستعدة لتحمل تكلفة عملية برية واسعة داخل الأراضي الإيرانية.

وهذا، وفق التحليل، أضعف قيمة التهديد العسكري الأمريكي كأداة لإجبار إيران على تغيير سلوكها.

مأزق استراتيجي في مضيق هرمز؟

مضيق هرمز.. ورقة ضغط إيرانية

من أبرز العوامل التي يناقشها المقال مضيق هرمز، الذي يمنح إيران قدرة على التأثير في حركة الطاقة والتجارة العالمية.

ويشير سوانسون إلى أن إيران تمكنت، رغم تعرضها لضربات واسعة، من الاحتفاظ بقدرات صاروخية وطائرات مسيرة

تسمح لها بفرض تكاليف على حركة الملاحة، وهو ما يمكن أن ينعكس على الولايات المتحدة وحلفائها والاقتصاد العالمي.

وبذلك، لم تعد كلفة الضغط على إيران تقع على طهران وحدها، وفق رؤية المقال،

بل يمكن أن تمتد إلى أسواق الطاقة والشركاء الإقليميين لواشنطن.

العقوبات.. ضغط كبير دون تغيير سياسي حاسم

ويعتبر التحليل أن العقوبات الاقتصادية كانت الركيزة الثانية للاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران.

ورغم تأثير العقوبات على الاقتصاد الإيراني، يرى المقال أنها لم تحقق في معظم الحالات التحول السياسي الذي استهدفته واشنطن.

ويشير إلى أن الولايات المتحدة فرضت آلاف العقوبات التي تستهدف قطاعات واسعة من الاقتصاد والحكومة الإيرانية،

إلا أن تعقيد منظومة العقوبات جعل رفعها لاحقًا أكثر صعوبة.

وفي الوقت نفسه، أصبحت العقوبات أداة سياسية سهلة نسبيًا، لأنها تسمح لواشنطن بإظهار اتخاذ إجراءات ضد إيران

من دون تحمل تكلفة مباشرة كبيرة على الجمهور الأمريكي.

الضغط الأقصى يدخل مرحلة جديدة

يرى سوانسون أن إدارة ترامب صعّدت سياسة الضغط الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة، خصوصًا من خلال استهداف الموانئ والتجارة الإيرانية.

لكن الكاتب يتوقع أن تؤدي هذه الإجراءات إلى إلحاق مزيد من الضرر بالاقتصاد الإيراني دون إجبار طهران على الاستسلام.

وبدلًا من ذلك، قد تستخدم إيران قدراتها الصاروخية والطائرات المسيرة وموقعها الجغرافي

لفرض تكاليف اقتصادية مقابلة، خصوصًا في مضيق هرمز ومنطقة الخليج.

وبذلك، تتحول استراتيجية الضغط، وفق التحليل، من آلية أحادية الجانب إلى مواجهة يتحمل فيها الطرفان وحلفاؤهما تكاليف التصعيد.

الحرب أضعفت قدرة واشنطن على الضغط

المفارقة الأساسية التي يطرحها المقال هي أن الحرب التي هدفت إلى زيادة الضغط على إيران قد تكون أضعفت قدرة الولايات المتحدة على استخدام الضغط مستقبلًا.

فقد أظهرت المواجهة أن طهران قادرة على تحمل مستوى مرتفع من الضربات، بينما تستطيع في المقابل التأثير في أسواق الطاقة والملاحة.

كما أن المفاوضات المتقطعة خلال الحرب، وفق المقال، غيّرت قيمة بعض أدوات الضغط الأمريكية، بعدما منحت واشنطن إيران إعفاءات مرتبطة بالنفط في مقابل تنازلات محدودة.

واشنطن أمام خيارين: التصعيد أم تغيير المسار؟

يشير التحليل إلى وجود تباين داخل الأوساط السياسية الأمريكية بشأن الخطوة التالية.

فبينما يميل بعض المسؤولين إلى توسيع استراتيجية الضغط ورفع كلفة عدم امتثال إيران،

يدعو اتجاه آخر إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

ويضع المقال هذا الخلاف في إطار سؤال أوسع حول مستقبل السياسة الأمريكية:

هل تستمر واشنطن في محاولة فرض تغيير سلوك إيران من خلال العقوبات والقوة، أم تعيد صياغة استراتيجيتها بالكامل؟

هل تحتاج واشنطن إلى استراتيجية جديدة؟

يرى سوانسون أن الولايات المتحدة لن تتمكن بسهولة من العودة إلى الاستراتيجية التقليدية التي اتبعتها تجاه إيران خلال العقود الماضية.

ويؤكد أن الضغط العسكري والاقتصادي حقق نتائج محدودة في بعض المراحل،

لكنه لم يسقط الجمهورية الإسلامية، ولم يجعل الولايات المتحدة أكثر أمانًا، كما يرى أن العقوبات ساهمت في زيادة معاناة المدنيين الإيرانيين.

ومن هذا المنطلق، يدعو التحليل إلى مراجعة شاملة للمفاهيم التي حكمت السياسة الأمريكية تجاه إيران،

وإلى منح الدبلوماسية دورًا أكبر دون اعتبارها حلًا تلقائيًا لجميع المشكلات.

الخلاصة

يضع تحليل «فورين أفيرز» السياسة الأمريكية تجاه إيران أمام مفارقة واضحة:

كلما زادت واشنطن الضغط على طهران، ارتفعت أيضًا احتمالات تحمّل الولايات المتحدة وحلفائها تكاليف التصعيد.

وبحسب المقال، فإن الحرب الأخيرة والعقوبات المتصاعدة قد تكونان نقطة تحول تجبر واشنطن على

إعادة التفكير في استراتيجية استمرت نحو خمسة عقود.

ويبقى السؤال المركزي: هل تستطيع الولايات المتحدة تحقيق أهدافها تجاه إيران بمزيد من الضغط،

أم أن نتائج الحرب أثبتت الحاجة إلى استراتيجية مختلفة؟

شارك المقال: