فضيحة إعلام المومياوات!
نراه اليوم ليس مجرد ظاهرة فيسبوكية عابرة بل هو زلزال وجودي يضرب أسس منظومة إعلامية وسياسية تعفّنت حتى النخاع منظومة

بقلم: عماد عيساوي
كاتب تونسي
ها نحن نرقب بذهولٍ يشوبه القرف هذا المشهد السريالي في جمهورية الطناجر وبوتيكات تصفية الحسابات
حيث غدا الهاتف الجوال في كفّ امرأةٍ لا تملك غير صرختها أعتى وأنفذ من أجهزة دولةٍ مدججة بالبيروقراطية والنيشانات الكاذبة ومن إعلامٍ محنط أدمنَ الموت السريري في بلاتوهات التملّق الرخيص.
فكيف لـ باج على إنستغرام وصمت تلك التي يسمونها المدام باستهزاء صالونيّ فجّ أن تزلزل أركان الزيف وتفضح العفن الكامن في جحور الروضات المشبوهة، بينما يغطّ حراس المعبد الرسمي في سباتهم الشتوي الطويل؟
مفارقة تاريخية مضحكة ومبكية في آن أن تولّي تلك
الأم المسكينة وجهها شطر فضاء افتراضي لأنها أدركت بحسّ الفجيعة أن مؤسساتها الوطنية ليست سوى أطلالٍ تسكنها خفافيش اللوبيات وأن إعلام السيستام لا يفتح ميكروفوناته إلا لمن يدفع ثمن الإشهار أو لمن يتقن فنّ الرقص على حبال السلطة،فجاءت هذه الصفحة التي نعتوها بـ الشعبوية و النسوية و السطحية لتمارس دور القضاء والأمن والضمير في زمنٍ سقطت فيه كل الأقنعة عن وجوهٍ لا تستحي.
أين هي تلك الشعارات الجوفاء التي صدّعوا بها رؤوسنا
وهم يزعمون بغطرسةٍ جوفاء أن الدولة لا تُدار بالفيسبوك بينما نرى الدولة اليوم بكل هيبتها المزعومة وأجهزتها الثقيلة تلهثُ خلف منشور رقميّ لتتحرك ولا تستفيق من غيبوبتها إلا حين يشتعل الرأي العام في الفضاء الأزرق؟
إنها الهزيمة المدوية لإعلام المومياوات الذي انقطع بصره وبصيرته عن هموم الناس وقضاياهم الحارقة فصار المواطن يبحث عن عدالته الضائعة في باج الزهروني و باج المدام
لأنه لم يعد يرى في شاشاتكم غير غرفٍ مظلمة لطبخ الدسائس وبيع الأواني المنزلية وتلميع صور الفاشلين.
فهل هناك سقوط أخلاقي ومهني أشدّ من أن تصبح باج بسيطة هي الملجأ الأخير للمظلوم وهي المقصلة التي تقصّ رؤوس المجرمين وتعيد الحقوق لأصحابها في حين يكتفي إعلام النخبة بدور المتفرج أو الشامت عاجزاً حتى عن مجاراة إيقاع الشارع الذي هجرهم إلى غير رجعة؟
استفيقوا من أوهامكم وقوموا بعملية تحديث شاملة لضمائركم المتآكلة وعقولكم المتكلسة فما نراه اليوم ليس مجرد ظاهرة فيسبوكية عابرة بل هو زلزال وجودي يضرب أسس منظومة إعلامية وسياسية تعفّنت حتى النخاع منظومة لم تفهم بعد أن العالم قد تغير وأن التلفون الذي تستهزئون به قد صار برلماناً ومحكمةً وصوتَ من لا صوت له فالحقيقة المرة التي ترفضون ابتلاعها هي أن تلك الصفحة الشعبوية قد حققت في ساعاتٍ ما عجزت عنه أجهزتكم في سنوات لأنها ببساطة انحازت لدموع الأمومة المقهورة بينما انحزتم أنتم للأرباح وخدمة الأسياد.
ولتعلموا أن الإعلام الذي لا يشمّ رائحة وجع الناس ولا يتحرك لنصرة المستضعفين هو مجرد جثة هامدة في ثلاجة التاريخ فكفّوا عن السخرية من الباجات وانظروا في مرايا خيبتكم لعلكم تدركون حجم الفراغ الذي تركتموه فملأه البسطاء بهواتفهم وعزيمتهم التي لا تلين.
المصدر:صفحة الكاتب على فيسبوك
رابط المقال المختصر:





