زكريا صبح يقرأ: المجموعة القصصية (آخر ما تبقى) (2-2)
ربما حلَّقت إنسانية الكاتب عاليًا حتى لا تكتفي بالتعبير عن معاناة الإنسان، بل تتعدى إلى التعبير عن الأشياء والكائنات

غلاف المجموعة القصصية آخر ما تبقى
في الجزء الأول من قراءته للمجموعة القصصية (آخر ما تبقى) للكاتبة الجزائرية حكيمة جمانة جربييع تناول الكاتب الموضوع في القصص وتساءل عن ماذا تقصد الكاتبة بهذا الآخر الذي تبقى هل ما تبقى من الحلم؟ أم الأمل؟ أم الوطن
في الجزء الثاني الجماليات الفنية من القراءة الدراسة يتناول الكاتب الجماليات الفنية في النصوص.
أولا النص
النص الأدبي هو النص الذي يتمتع بخصوصية وتميُّز عن غيره من النصوص المكتوبة، مثل النص الصحفي مثلًا.
وكذا فإن لغته لا بد أن تتميز عن غيرها من لغة نصوص غير أدبية، ولذا فإن الأديب الحق هو الذي يجعل من نصه أيقونة لغوية وواحة متى دخلها القارئ نال متعة مُركَّبة.
فهو يستمتع بالأداء اللغوي للكاتب وكذا يستمتع بالأفكار أو القضايا التي يُعبِّر عنها الكاتب.
والنص الجيد إذ يسعى إلى ذلك لا بد أن يجد فيه القارئ أو الناقد بعض ما يلي إذا لم يجد كل ما يلي.
زكريا صبح يقرأ: المجموعة القصصية “أخر ما تبقى”
اللغة
سيلفت نظر القارئ – بلا شك – لغة الكاتبة التي عبَّرت من خلالها عن أفكارها، فهي إذ تُحدِّثنا عن وقائع معاشة أو وقائع تاريخية فهي تلجأ إلى لغة تخصها، تنحت مفرداتها، وتبذل جهدًا كبيرًا في تركيب صورها.
لا تلجأ إلى المتاح من لغة يومية تعرف تمام المعرفة أنها ستصيب نصها بالسطحية والخفة، بل اختارت لغة مفارقة، تحتاج إلى قارئ ذواقة، ولديه من الصبر ما يجعله يعيد بناء النص في عقله.
تحيل النص إلى صورة وفكرة ميسورة الفهم مُرتَّبة الأحداث، واضحة الدلالة.
ولذا ليس غريبًا أن تجد الكاتبة تنحو بنصها نحو الشعرية، شعرية المفردات وشعرية التراكيب والصور على حد سواء.
على سبيل المثال لا الحصر:
تقول: «وأنا أدور حول نفسي على أرجوحة الهواجس»
: «يسيل حبر القلعة سيلان بحر غاضب».
: «يتلبسني الجرح فيتناسل الحزن الخبيث»
وتقول: «ماذا بقي لك أيتها الغريبة وأنياب الزمن الكلبي تنهش روحك البكر؟»
هذه الجمل والتراكيب والصور التي اختلقتها الكاتبة واصطنعتها لنصها إنما هي نماذج من قصة واحدة بعنوان «انهيار مملكة الورق»
فإذا ما أردنا أن نحصي الجمل والمفردات الشعرية في مجمل المجموعة سنحتاج إلى وقت كبير وصفحات كثيرة.

أنسنة الأشياء والكائنات
ربما حلَّقت إنسانية الكاتب عاليًا حتى لا تكتفي بالتعبير عن معاناة الإنسان، بل تتعدى إلى التعبير عن الأشياء والكائنات، فيجعل منها بشرًا يماثل البشر الذين يُعبِّر عنهم الكاتب.
وهذا ما يُعرَف في المصطلح النقدي بـ«أنسنة الأشياء»؛ حيث يتعامل الكاتب مع الأشياء والكائنات بوصفها ذات روح، ولها قدرة على التفاعل مع بني البشر.
مثلا تقول حكيمة في هذا المقطع من قصة «تراتيل امرأة طعنها البحر» فبدءًا من العنوان نلاحظ أنها جعلت من البحر إنسانًا يطعن امرأة.
ثم تقول في موضع أخر: «سور الملل وحصار الانتظار يغيبان فيها عنصر الزمن الذي أضحى هلاميًّا، فهي لا تعرف لها ربيعًا ولا صيفًا، وتتداخل عندها كل الفصول خارج إقليم العقل»
أرأيت كيف جعلت من الملل سورًا؟
إن المتأمل في نصوص المجموعة سيجدها محتشدة بمثل هذه الاستعارات التي تحيل الأشياء إلى بشر أو ما يشبه البشر بما يطرأ عليهم من أعراض ومظاهر.
من جماليات اللغة قدرتها ووعيها باختيار مفردات تُناسِب الفترة الزمنية للنص وتُناسِب ما كان يتسم به المكان الذي تتحدث عنه.
يظهر ذلك جليًّا في نص «مرافئ الحنين»
حيث تتحدث فيه عن الحنين لبلاد الأندلس، ولذا ليس غريبًا أن يكون عنوان النص «مرافئ الحنين» وتأمَّل معي في مفردة «مرافئ» تجد أنها تُحِيل العقل مباشرةً إلى الشاطئ.
وهل الأندلس ليست إلا شاطئًا يطل على مياه تفصل بينها وبين بلاد المغرب العربي الذي تعيش فيها الكاتبة؟
ثم تتحدث عن وتر زرياب الموسيقي الأندلسي الأشهر، وتتحدث عن الفردوس المفقود (تقصد الأندلس) وتُحدِّثنا عن فسيفساءالتناغم التي اشتهرت به بلاد الأندلس، وتتحدث عن أوتار القيثارة.
وتتحدث عن شعراء التروبادور وكلمة «تروبادور» أصلها عربي أندلسي، مُكوَّنة من كلمتين «طرب» و«دور» لأنهم كانوا يدورون من قصر إلى قصر ومن مدينة لأخرى، يعزفون الموسيقى ويغنون أشعارهم أمام الملوك والسلاطين، متنقلين بين القصور.
كما تُحدِّثنا عن صورة لراقصة فلامينكو، ثم تذكر ابن زيدون الشاعر والكاتب الأندلسي.
إن استدعاء كل هذه المفردات واستخدامها في نص «مرافئ الحنين» لهو نموذج على وعي الكاتبة بعالمها السردي، وعالمها اللغوي على حد سواء.
التصوير
كاتب القصة أو الرواية معنيٌّ في المقام الأول بالتصوير لا بالتقرير، والمقصود بالتصوير هنا هو التصوير بالكلمات.
وهكذا تفعل الكاتبة المبدعة حكيمة جمانة جريبيع في مجموعتها، انظر معي إلى هذا المقطع من قصة «تواقيع غيمة ربيع»
تقول: «جر جسمه الصغير الذي أبت الخطوات أن تحرره من حضنها»
هل أغمضت عينيك ورسمت الصورة؟
هل رأيت الصغير وهو ينزع نفسه من حضن أمه؟
هل رأيته وهو في حضنها مطوقًا عنقها بذراعيه؟
ثم هل أحسست معاناته وهو لا يستطيع التحرر من هذا الحضن رغم أنه شرع في السير بخطوات محددة؟
ثم تقول: «أقلته حافلة المدرسة، التفتت وهي تودعه، إلى غيمة غريبة، تظلل رأسه العاري…»
ثم تستكمل رسم الصورة مصحوبة بالحركة صانعة إيقاعًا سرديًّا يسرع حينًا ويبطئ حينًا.
هذا التصوير يجعل من القارئ مشاركًا في الأحداث بانفعالاته، بين حزن وفرح، لهفة واشتياق، سيرًا وجريًا.
ستجعل القارئ بعد قليل يتابع بقلب خافق وعين دامعة الحريق الذي التهم الصغير.
وعلى هذا المنوال راحت تغزل قصصها، لتحيلها إلى صورة مقروءة تلهب خيال قارئها.
الفلاش باك
هو الاسترجاع أو الفلاش باك أو السرد المرتد للماضي، وقد اعتمدت الكاتبة على هذه التقنية في قصة كاملة بعنوان «لعنة الرقم خمسة عشر»
حيث كانت الفتاة التي ارتكبت جريمة قتل رهينة السجن، وكانت تسترجع مع المحققة كيف وصلت إلى هذه اللحظة التي ربما تنتظر فيها حكم الإعدام جرَّاء قتلها صاحب العمل الذي كان يبيعها كل ليلة لعميل من عملائه، فضلًا عن أنها بقتله إياه فقد قتلت كل مَن ظلمها سابقًا منذ كانت طفلة غضة.
الحس الساخر
«شر البلية ما يضحك» هكذا قالوا وهكذا نقول، ربما كان ذلك ما نفطن إليه في بعض نصوص هذا العمل.
فلم تجد الكاتبة بدًّا من السخرية من بلاء أمة أضاعت ثرواتها، وسلَّمت مقدراتها للآخر طواعيةً.
أمة تعيش على كنز من بترول (الذهب الأسود)، وكذا باطن أرضها يزخر بالذهب الأصفر ومعانٍ أخرى، ومع ذلك تقبل الذل والهوان، وتُسلِّم قيادتها للآخر طواعيةً تارة وكرهًا تارة أخرى.
ولذا ليس غريبًا أن تسخر من هكذا أوضاع مقلوبة، فتُقدِّم لنا خليل مهندس البترول الذي يرضى بالعمل تحت إمرة شركة أجنبية راضيًا أن تنحني هامته.
ولما فكر في سر انحناء جسده وعموده الفقري لم يشأ أن يشير إلى الحقيقة المؤلمة وهو أنه مستعبد.
وعوضًا عن قوله الحقيقة هرب إلى العبث، فرد انحناءة هامته إلى حذائه! فأي سخرية هذه تمتعت بها الكاتبة فجعلتنا نسخر من أنفسنا معها؟!
دلالة الأسماء في القصص
عندما يشرع الكاتب في كتابة نص سردي، قصة كانت أو رواية، فإنه لا بد له أن يتخير لقصته بطلًا أو أكثر، وتبعًا لذلك لا بد أن يتخير لهذا البطل أو البطلة اسمًا يكون له ظلال نفسية لدى القارئ.
وقد نجحت الكاتبة في اختيار أسماء أبطال قصصها باقتدار، ففي قصتها «طعنة الباب وغرزة الحب» اختارت اسم «أصيل» للابن العاق في مفارقة صارخة.
حيث مهَّدت القارئ نفسيًّا لأن يكون الشاب بارًّا بوالدته بوصفه أصيلًا، بينما كان عاقًّا عقوقًا سافرًا، حيث أودع أمه دارًا للمسنين من دون أن تُحدِّثه نفسه بزيارتها.
في قصتها «لاجئة تنتعل الجمر» اختارت اسم «نادر» للابن الذي ضاع من أهله واغتالته يد الاحتلال الغاشم.
وهي إذ تختار أسماء الأبناء تُقدِّم مشاعر الأمومة على مشاعر الكاتبة، فتتخير للأبناء أجمل الأسماء (أصيل، ونادر، وجواد، ونجاة)
وأيضًا دلالة اسم (بشرى) في قصة «ما وراء النبض»؛ حيث إن طيفها هو الذي حمل البشرى للعالم الفذ الذي غادر أرضه، ثم على إثر طيفها عاد فكانت اسمًا على مُسمى.
وإذا كنا قد أكدنا كل ما هو إيجابي في العمل، فإنه تجدر بنا الإشارة إلى بعض الأمور التي أتمنى أن تضعها الكاتبة نُصب عينيها (إذا أرادت).
من هذه الأمور:
أولًا: الاستغراق، بل تعمُّد الجنوح إلى الشعرية المفرطة، لأننا بصدد نص سردي، ولسنا بصدد نص شعري.
والاستغراق في الصور البلاغية والوصف المبالغ فيه ربما أعاق السرد، وأعاق مسار الحكاية التي يتعلق بها القارئ.
ثانيًا: لاحظت بعض الهنات اللغوية التي قد يكون مردها لوحة المفاتيح، وأخرى قد يكون مردها الأخطاء الشائعة التي نقع فيها جميعًا.
ثالثًا: فن القصة القصيرة يعتمد على التكثيف، والتركيز على حدث بعينه، وقد لاحظت في غير ما قصة تشعُّب الأحداث؛ رغبةً من الكاتبة في لمس أكثر من قضية على هامش قضيتها الرئيسية.






