إبداع
محمد فرحات
محمد فرحات

كاتب وناقد

نجيب محفوظ حين تتحول الرواية إلى نبوءة (4) العدل والعلم

أخذ عرفة يعود إلى السؤال الذي سبق أن حمله، جبل، رفاعة، وقاسم: أين العدل؟

مشاركة:
حجم الخط:

عرفة: حين يعود العلم إلى سؤال العدلمصر

لم تكن رحلة عرفة في أولاد حارتنا رحلة بحث عن القوة بقدر ما كانت، في نهايتها، رحلة بحث عن المعنى الذي ينبغي أن تُسخَّر له القوة.

فبعد أن ظن أن «سحره» بوصفه المعادل الرمزي للعلم الحديث  قادر على هدم عالم الفتوات وصناعة عالم جديد، اكتشف أن امتلاك القوة لا يعني امتلاك القدرة على صناعة العدل.

وهنا تحديدًا تتجاوز «أولاد حارتنا» حدود الصراع بين العلم والميتافيزيقا، لتصل إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا يفعل الإنسان حين يمتلك المعرفة، لكنه يفقد البوصلة الأخلاقية التي تحدد غايتها؟

من سحر عرفة إلى البحث عن العدل

كان عرفة قد دخل الحارة بعقلية مختلفة عن جبل، رفاعة، وقاسم هؤلاء جاءوا برسالة، بينما جاء هو بالمعرفة.

هؤلاء انتظروا الإشارة من عالم الغيب، بينما أراد هو أن يقتحم «البيت الكبير» ليتحقق بنفسه من حقيقة الجبلاوي.

وكانت المشكلة أن عرفة، بعد أن قضى على الفتوات، لم يستطع أن يحقق الحلم الذي ظن أنه قادر على تحقيقه.

إذ وقعت قوته في يد «ناظر الوقف»، وتحول العلم الذي كان يفترض أن يحرر الحارة إلى أداة في يد القوة والثروة.

محمد فرحات يكتب: نجيب محفوظ حين تتحول الرواية إلى نبوءة (3) أولاد حارتنا

وهنا تبدأ المراجعة الحقيقية

فقد أخذ عرفة يعود إلى السؤال الذي سبق أن حمله، جبل، رفاعة، وقاسم: أين العدل؟

لم يعد الأمر بالنسبة إليه مجرد توزيع لريع الوقف، وإنما أصبح العدل شرطًا لاستعادة قيمة الحياة نفسها

ولذلك يقول في حواره مع ناظر الوقف:

” لولا حسد المحرومين من حولنا لتغير مذاق الحياة في أفواهنا!”

فضحك الناظر ضحكة ساخرة وقال:

قول بالعجائز أجدر! هبنا استطعنا أن نرفع أهل حارتنا إلى مستوى حياتنا فهل يقلع الموت في اصطيادنا؟

فهز عرفة رأسه في تسليم حتى خفت حدة الرجل، ثم قال:

الموت يكثر حيث يكثر الفقر والتعاسة وسوء الحال

وحيث لا يوجد منها شيء يا أحمق.

فقال وهو يبتسم:

نعم لأنه معد مثل بعض الأمراض!

فضحك الناظر قائلا:

هذا أغرب رأي تدافع به عن عجزك.

فقال متشجعًا بضحكه:

نحن لا ندري عنه شيئًا فلعله أن يكون كذلك، وإذا حسنت أحوال الناس قل شره، فازدادت الحياة قيمة وشعر كل سعيد بضرورة مكافحته حرصًا على الحياة السعيدة المتاحة.

إن عرفة هنا لا يتحدث فقط عن الفقر بوصفه مشكلة اقتصادية، وإنما يربط بين العدالة الاجتماعية وقيمة الحياة ذاتها.

وهذه واحدة من أكثر طبقات الرواية إثارة للتأمل؛ فالعلم الذي لا يغيّر شروط الحياة الإنسانية يظل عاجزًا عن تحقيق الخلاص، مهما بلغت قدرته على السيطرة.

لكن المأساة أن عرفة لم يعد يملك القوة التي ظنها ذات يوم خلاصًا. والأسوأ أنه اكتشف أنه فقد شيئًا كان متوفرًا لمن سبقوه: الظهير الشعبي.

كان جبل ورفاعة وقاسم أبناء الحارة، يخاطبونها بلغتها، ويعيشون آلامها، ويتحركون بين أهلها، ولذلك وجدوا من يؤمن برسالتهم، حتى وإن انتهت تجاربهم إلى الانتكاس.

أما عرفة فجاء من خارج هذا السياق؛ جاء بالمعرفة، لكنه لم ينجح في تحويل المعرفة إلى وعي اجتماعي مشترك.

وهنا يبدو محفوظ شديد الاستبصار في رسمه صورة نخبوية العلم حين تنفصل عن محيطها الاجتماعي.

فالمعرفة وحدها لا تصنع حركة تغيير، ما لم تجد مجتمعًا يشاركها المعنى والغاية.

رسالة الجبلاوي… حين يعود المعنى من وراء الموت

لكن المفارقة الكبرى أن عرفة، بعدما ظن أنه قتل الجبلاوي، يجد نفسه أمام رسالة منه.

لقد كان الجبلاوي يرسل رسله إلى «جبل» و«رفاعة» و«قاسم» وهو حي، أما مع عرفة فتصل الرسالة بعد موته، على لسان خادمته:

“اذهبي إلى عرفة الساحر وأبلغيه عني أن جده مات وهو راض عنه”

هذه الرسالة ليست مجرد غفران لعرفة، وإنما يمكن قراءتها بوصفها إعادة فتح للباب الذي أغلقه عرفة بين المعرفة والمعنى.

فالجبلاوي لا يطالبه بالتخلي عن علمه، وإنما تأتي الرسالة في اللحظة التي اكتشف فيها عرفة أن العلم المنفصل عن القيمة قد يتحول إلى أداة في يد من يملك القوة.

ومن هنا يبدأ تمرده الحقيقي؛ لا على الجبلاوي هذه المرة، وإنما على ناظر الوقف، وعلى المنظومة التي جعلت علمه خادمًا للثروة والسلطة.

وفي لحظة استعادة للرسالة التي حملها السابقون، يصرخ عرفة:

« لم يكن ما رأيت سطلًا، ولكن حقيقة لا شك فيها»

إنها صرخة تستعيد، بصورة ما، صرخات «جبل» و«رفاعة» و«قاسم»:

” لست مجنونًا، وليس هو بالسطل!”

غير أن الفارق مأساوي؛ فقد كان السابقون يتلقون الرسالة من الجبلاوي وهو حي، أما عرفة فيتلقاها بعد موته.

ولذلك فقد القوة المعنوية التي كانت تمنح السابقين سندًا للاستمرار.

لقد عاد عرفة إلى الرسالة القديمة، لكن بعد فوات الأوان.

موت عرفة وضياع الكراسة وبقاء الأمل

تتحول الحياة، في هذه المرحلة، إلى سؤال عبثي ثقيل. يقول عرفة:

” هذا السجن لم يعد يمدني إلا بأفكار الموت، وكأن الطرب والشراب والراقصات ليست إلا ألحان الموت، وكأنني أشم رائحة القبور في أصص الأزهار”

ثم يقرر الهرب، حاملًا كراسة أسرار سحره، تلك الكراسة التي تتحول من مجرد سجل للمعرفة إلى رمز للرسالة التي يريد أن يعيد بها ما هدمه في نفوس أبناء الحارة.

لقد اكتشف عرفة أخيرًا أن المعرفة التي لا تنحاز إلى الإنسان يمكن أن تصبح عبئًا عليه، وأن العلم لا يستطيع أن يحل محل العدل، كما لا يستطيع أن يمنح الإنسان معنى للحياة بمجرد أن يمنحه القدرة على السيطرة عليها.

وفي لحظاته الأخيرة، تتبلور رسالته:

“الخوف لا يمنع الموت ولكنه يمنع الحياة. ولستم يا أهل حارتنا أحياء ولن تتاح لكم الحياة ما دمتم تخافون الموت”

لكن عرفة يموت، وتضيع الكراسة، وتظل الحارة معلقة بين اليأس والأمل.

ومع ذلك لا يغلق نجيب محفوظ الباب تمامًا. يعود أبناء الحارة إلى الانتظار، ويختلفون حول عرفة؛ فمنهم من يرفض أن يصدق أنه كان قاتل الجبلاوي، ومنهم من يراه رجل الحارة الأول والأخير ولو كان قاتله.

وهنا تبلغ عبقرية النهاية المحفوظية ذروتها:

يموت عرفة، لكن رسالته لا تموت؛ تضيع الكراسة، لكن احتمال المعرفة لا يختفي؛ ويسقط صاحب العلم، لكن سؤال العدل يبقى.

ولذلك يختم محفوظ روايته بتلك الجملة التي تبدو كأنها تلخص تاريخ الحارة والإنسان معًا:

“وكانوا كلما أضر بهم العسف قالوا: لابد للظلم من آخر، ولليل من نهار، ولنرين في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب”

وهكذا لا تكون «أولاد حارتنا» رواية عن انتصار العلم أو هزيمته، ولا عن انتصار الإيمان أو سقوطه، وإنما عن ضرورة أن تلتقي المعرفة بالعدل، والقوة بالمسؤولية، والإنسان بالمعنى.
ولعل هذا هو الاستشراف الأعمق في رواية كتبها نجيب محفوظ عام 1959:

أن مستقبل الإنسان لن يتحدد بقدر ما يمتلك من علم، وإنما بقدر ما يستطيع أن يجعل من هذا العلم طريقًا إلى حياة أكثر عدلًا.

وهنا تنتهي رحلة عرفة، لكن لا تنتهي النبوءة.

فالكراسة ضاعت، وعرفة مات، والجبلاوي غاب، والفتوات عادوا في صور جديدة. أما أهل الحارة، فما زالوا ينتظرون.

شارك المقال: