تقارير
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

حدائق الأهرام تُختطف على مرأى الجميع

وصل ملف حدائق الأهرام إلى مجلس النواب منذ يونيو 2021، وطالبت لجنة الإدارة المحلية آنذاك بحصر مخالفات المباني وطلبات التصالح وتحديد مسؤوليات الحي والجمعية.

مشاركة:
حجم الخط:

العشوائية تزحف والجمعية والحي والنواب في قفص المساءلة

عشرون عامًا من تحويل الجراجات والأدوار الأرضية إلى تجارة، والمسؤولية تائهة بين الجمعية والحي والنواب.

دعونا نتوقف عن وصف ما يحدث في حدائق الأهرام بأنه مجرد «زحف للعشوائيات»

فالعشوائية هنا لم تهبط فجأة على المنطقة، ولم تبدأ بعشش على أطرافها، وإنما نمت داخل منطقة مخططة، وتحت أعين جهات تعرف الاشتراطات والتراخيص وحدود الاستخدام السكني والتجاري.

وهنا تكمن خطورة الأزمة.

نحن لا نتحدث عن محل مخالف هنا أو إشغال هناك، بل عن تغيير تدريجي للوظيفة العمرانية للمنطقة عبر سنوات طويلة، تحولت خلالها جراجات وأدوار أرضية كثيرة إلى محال ومخازن ومطاعم وكافيهات وأنشطة تجارية، حتى أصبح المشهد الجديد أقرب إلى «أمر واقع» يصعب اقتلاعه.

والمشكلة لم تعد انطباعات شخصية، الأرقام والقرارات الرسمية نفسها تقول إن هناك أزمة ممتدة تحتاج إلى مساءلة إدارية ورقابية حقيقية، لا حملة موسمية تنتهي لتعود المخالفات بعدها من جديد.

أرقام تصرخ: المشكلة ليست حالة فردية

في نوفمبر 2025 أعلنت محافظة الجيزة رفع نحو 1100 حالة إشغال للطريق العام في حملة واحدة بهضبة الأهرام، إلى جانب غلق وتشميع محال تعمل دون ترخيص، ورصد تحويل جراجات سكنية إلى أنشطة تجارية.

وقبلها، في مايو 2025، سُجل رفع 500 حالة إشغال وضبط مخالفة تحويل جراج إلى مخزن. أما عام 2024 وحده، فقد شهدت الحملات المعلنة أرقامًا لافتة: 3000 حالة إشغال في مارس، و2900 حالة تعدٍ في مايو، و2300 حالة في يونيو.

وهذه الأرقام لا يجوز جمعها باعتبارها مخالفات فريدة، لاحتمال تكرار الحالات، لكنها تكشف شيئًا أخطر: حجم التكرار واستمرار الظاهرة رغم الحملات المتعاقبة.

وفي أغسطس 2025 أُغلقت 786 منشأة لإدارتها دون ترخيص، كما أزيلت عشرات الأدوار المخالفة بالعقارات

فهل يعقل بعد كل هذه الحملات أن تظل المشكلة قائمة؟

400 قطعة أرض.. بيئة جاهزة لزحف العشوائية

في 28 أبريل 2026 أعلن محافظ الجيزة حصر 400 قطعة أرض فضاء بهضبة الأهرام، بعدما تحولت بعض الأراضي إلى نقاط لتجمع القمامة وأعمال الفرز العشوائي، ووجّه بتسويرها، ومراجعة تراخيص المباني والأنشطة التجارية، والتصدي للإشغالات.

وقبل ذلك بشهر، في 23 مارس 2026، أجرى المحافظ جولة بحدائق الأهرام وكلف رئيس حي الهرم بإعداد بيان تفصيلي عن عدد من حالات البناء، ومراجعة التراخيص ومدى الالتزام بالرسومات الهندسية والمواصفات.

هذه التوجيهات إيجابية، لكنها تفتح سؤالًا مشروعًا: إذا كان المحافظ يضطر في 2026 إلى طلب مراجعة التراخيص وحصر الأراضي والمخالفات، فأين كانت الرقابة اليومية التي يفترض أن تمنع المشكلة من البداية؟

الجمعية في دائرة المسؤولية أين حماية المخطط والاشتراطات؟

لا يمكن مناقشة حدائق الأهرام دون مساءلة الجمعية التعاونية لبناء المساكن وتعمير صحراء الأهرام عن حدود مسؤوليتها في حماية طبيعة المنطقة والاشتراطات المنظمة لها.

والأمر ليس اتهامًا مرسلًا؛ ففي عام 2021 ناقشت لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب الملف، وتحدثت صراحة عن مخالفات البناء وتغيير النشاط والأنشطة التجارية المخالفة، ودعت إلى التنسيق بين حي الهرم وجمعية صحراء الأهرام بشأن الأراضي الفضاء والاشتراطات، وطالبت برفع كفاءة الخدمات وتحديد المسؤوليات.

بعد خمس سنوات، يحق للسكان أن يسألوا: ماذا نُفذ؟ وما الذي لم يُنفذ؟ ومن المسؤول عن استمرار الخلل؟

الحي والمحافظة.. الحملات وحدها لا تصنع مدينة

ليس من الإنصاف تجاهل الحملات التي تنفذها محافظة الجيزة وحي الهرم، لكن الإنصاف أيضًا يفرض القول إن الإدارة الناجحة لا تقاس بعدد الإشغالات التي تُرفع، بل بعدد المخالفات التي لا يُسمح لها أصلًا بالنشوء.

عندما نزيل ألف مخالفة ثم نعود لإزالة آلاف أخرى، فالمشكلة ليست فقط في سلوك المخالف، وإنما في منظومة الرصد والردع والمتابعة بعد الإزالة.

السكان يريدون خريطة معلنة للمخالفات، وقاعدة بيانات للتراخيص، وجدولًا زمنيًا للإزالات، ومتابعة تضمن عدم عودة النشاط المخالف بعد أيام.

والنواب.. أين الرقابة المستمرة؟

وصل ملف حدائق الأهرام إلى مجلس النواب منذ يونيو 2021، وطالبت لجنة الإدارة المحلية آنذاك بحصر مخالفات المباني وطلبات التصالح وتحديد مسؤوليات الحي والجمعية.

ومن هنا يصبح السؤال عن فاعلية الدور الرقابي لنواب المنطقة سؤالًا لا يمكن الهروب منه.
إذا كانت الظواهر نفسها تتكرر بعد سنوات، فمن حق السكان معرفة: كم طلب إحاطة قُدم؟ كم جولة رقابية تمت؟ وما النتائج التي تحققت على الأرض؟

نحن لا نطلب من النائب أن يحمل معدات الإزالة، لكننا نطلب أن يستخدم أدواته البرلمانية في السؤال والمحاسبة والمتابعة.

حدائق الأهرام ليست غنيمة

المطلوب اليوم ليس حملة ليومين ولا صورًا لمعدات الإزالة، وإنما خطة إنقاذ معلنة يشترك فيها الحي والمحافظة والجمعية والأجهزة الأمنية والمرور والنواب، ويشارك السكان في مراقبة تنفيذها.
حدائق الأهرام لم تُبن لكي تتحول بالتدريج إلى نسخة أخرى من العشوائية التي هرب كثير من سكانها منها.
لقد دفع السكان ثمن حلم بمدينة منظمة، وليس من المقبول أن يدفعوا اليوم ثمن تقاعس أي مسؤول عن حماية هذا الحلم.
والرسالة إلى الجميع واضحة: أنقذوا حدائق الأهرام قبل أن يصبح ما نطلق عليه اليوم “زحف العشوائيات” واقعًا يصعب اقتلاعه غدًا.

شارك المقال: