عمرو صابح يقرأ: كتاب هيكل عن حرب الخليج(2-3) غزو العراق للكويت
انتهت القمة إلى إدانة الغزو العراقي للكويت والمطالبة بانسحاب القوات العراقية منها فورًا، والتأكيد على احترام استقلال الكويت وسيادتها ووحدة أراضيها، ورفض أي تغيير للحدود أو ضم الأراضي بالقوة

محمد حسنين هيكل المؤلف
في 16 فبراير 1989، أي بعد أشهر قليلة من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، تأسس مجلس التعاون العربي وضَمَّ مصر والعراق والأردن واليمن الشمالي.
كان المشروع يحمل طموحًا أكبر من مجرد التنسيق السياسي.
كان محاولة لبناء إطار عربي للتعاون الاقتصادي والسياسي، في لحظة بدا فيها أن العراق خرج من حربه مع إيران قوة عسكرية كبيرة، وأن مصر استعادت موقعها الطبيعي في النظام العربي، وأن المنطقة تحتاج إلى صيغة جديدة للتعاون بعد سنوات من الانقسام.
وكان يمكن للمجلس أن يتحول إلى أحد أهم التجارب العربية في نهاية الثمانينيات.
لكن عمره كان قصيرًا جدًا بسبب مغامرة صدام حسين بغزو الكويت.
فبعد أقل من عام ونصف، دخل الجيش العراقي الكويت.
وانهار المجلس عمليًا مع اندلاع الأزمة، وتحولت الدول الأربع إلى مواقف متباينة.
دخلت مصر في التحالف الدولي ضد العراق، بينما وقف اليمن والأردن إلى جانب بغداد.
في 28 مايو 1990 انعقدت القمة العربية الاستثنائية في بغداد برئاسة صدام حسين.
كان صدام يرى أن العراق خاض حربًا طويلة دفاعًا عن الخليج في مواجهة إيران، وأن دول الخليج استفادت من تلك الحرب، وبالتالي فإن ديونها للعراق يجب أن تُسقط أو تخفف.
كان العراق بحاجة إلى أسعار نفط مرتفعة حتى يستطيع إعادة بناء اقتصاده وجيشه.
وفي قمة بغداد ظهرت الخلافات بصورة حادة، وتصاعدت لهجة صدام تجاه الكويت والإمارات.\
كان انخفاض سعر النفط يعني بالنسبة للعراق خسارة مباشرة في الإيرادات التي يحتاجها لإعادة بناء نفسه بعد الحرب.
ومن هنا جاءت اتهامات صدام حسين للكويت والإمارات بأنهما تنتجان فوق حصص أوبك.
كان صدام يرى أن العراق الذي تحمل الحرب مع إيران أصبح يُعاقب اقتصاديًا بعد أن انتهت الحرب عبر مؤامرة أمريكية تشارك فيها دول الخليج.
وفي الوقت نفسه، كان هناك سياق دولي أوسع يتعلق بالنفط.
فانخفاض أسعار النفط في الثمانينيات أضعف الاقتصاد السوفيتي، وكان النفط أحد عناصر الصراع الاقتصادي في السنوات الأخيرة من الحرب الباردة.
لم يكن النفط مجرد سلعة، وإنما كان أحد أسلحة الصراع الدولي.
انتهت قمة بغداد والخلافات العربية مشتعلة، وبوادر كارثة تلوح في الأفق.
وفي يوليو 1990 اتهم الرئيس العراقي صدام حسين الكويت والإمارات مجددًا بتجاوز حصص أوبك وإغراق الأسواق بالنفط، بما ساهم في خفض الأسعار وحرمان العراق من إيرادات يحتاج إليها بشدة.
ثم حدثت واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في الأيام التي سبقت الغزو العراقي للكويت، وهي لقاء السفيرة الأمريكية في بغداد أبريل جلاسبي بصدام حسين في 25 يوليو 1990.
كان صدام قد بدأ بالفعل في إطلاق تهديدات شديدة اللهجة ضد الكويت، وكانت واشنطن تعرف أن التوتر يتصاعد، وأجرت تحركات عسكرية في الخليج لتحذير العراق من استخدام القوة ضد الكويت.
تحول حديث جلاسبي مع الرئيس صدام حسين لاحقًا إلى واحد من ألغاز الحرب.
فقد قالت السفيرة الأمريكية للرئيس العراقي إن الولايات المتحدة لا تعتبر الخلافات الحدودية بين العراق والكويت شأنًا أمريكيًا، وإن واشنطن لن تتدخل في النزاع العراقي الكويتي.
وجد صدام حسين في حديث السفيرة ما يشجعه على المضي قدمًا في مخططه لغزو الكويت.
بعد ثمانية أيام فقط، وفي 2 أغسطس 1990 دخل الجيش العراقي الكويت.
كان ذلك اليوم نقطة التحول الكبرى.
فما كان يمكن أن يبقى خلافًا عربيًا حول الحدود والديون والنفط تحول فجأة إلى أزمة دولية.
أصدر مجلس الأمن في اليوم نفسه القرار 660، الذي أدان الغزو وطالب العراق بالانسحاب الفوري وغير المشروط.
في قلب الأزمة برز دور الرئيس حسني مبارك، فقد حاول تخفيف التوتر بين العراق والكويت قبيل الغزو العراقي.
وبعد اجتياح الجيش العراقي للكويت، سعى إلى منع الأزمة من التحول إلى حرب دولية ضد العراق، وتمسّك بإمكانية الوصول إلى حل يقوم على انسحاب العراق من الكويت.
ولذلك كثّف اتصالاته بصدام حسين، فأرسل إليه رسائل ومبعوثين وأجرى معه اتصالات مباشرة وغير مباشرة، محذرًا من أن استمرار الاحتلال سيغلق تدريجيًا أبواب التسوية السياسية، ويدفع المنطقة نحو مواجهة عسكرية واسعة من شأنها أن تدمر العراق.
لكن صدام حسين أخطأ في قراءة الموقف.
فقد بدا مقتنعًا بأن الوقت يعمل لصالحه، وأن الولايات المتحدة لن تخوض حربًا من أجل الكويت، وأن الانقسامات العربية والدولية، فضلًا عن قوة الجيش العراقي والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الكبرى، ستجعل الاحتلال أمرًا واقعًا يمكن التفاوض حوله لاحقًا.
ومن هنا تعامل مع التحذيرات المصرية والعربية باعتبارها ضغوطًا يمكن احتواؤها بالمفاوضات والمناورات السياسية، لا باعتبارها إنذارًا أخيرًا.
ولمناقشة الغزو العراقي للكويت، انعقدت القمة العربية الطارئة في القاهرة يومي 10 و11 أغسطس 1990 برئاسة حسني مبارك، في ظل انقسام عربي حاد لم تشهده المنطقة منذ سنوات.
وكانت القمة لحظة فارقة
لأنها نقلت الموقف العربي من مرحلة الوساطة بين العراق والكويت إلى اتخاذ قرار جماعي تجاه الغزو.
وانتهت القمة إلى إدانة الغزو العراقي للكويت والمطالبة بانسحاب القوات العراقية منها فورًا، والتأكيد على احترام استقلال الكويت وسيادتها ووحدة أراضيها، ورفض أي تغيير للحدود أو ضم الأراضي بالقوة.
كما قررت القمة تشكيل قوة عربية مشتركة للمساهمة في الدفاع عن دول الخليج، وخصوصًا المملكة العربية السعودية، التي أصبحت مهددة مباشرة بعد انتشار القوات العراقية في الكويت.
وكان القرار العربي شديد الأهمية
لأنه منح وجود القوات العربية والدولية في الخليج غطاءً عربيًا، وجعل مواجهة الغزو العراقي لا تبدو، في صورتها السياسية، حربًا أمريكية منفردة ضد العراق، وإنما تحركًا يستند إلى قرار عربي وإلى قرارات مجلس الأمن.
لكن القمة كشفت في الوقت نفسه حجم الانقسام العربي؛ فقد صوتت الأغلبية لصالح القرارات، بينما عارضتها دول عربية أخرى أو تحفظت عليها. وكان من أبرز المعارضين الأردن واليمن وليبيا ومنظمة التحرير الفلسطينية.
ثم جاء القرار الأممي رقم 662 في 9 أغسطس ليعلن أن إعلان العراق ضم الكويت باطل ولاغٍ ولا أثر قانونيًا له.
ومنذ تلك اللحظة لم تعد المسألة مجرد أزمة بين العراق والكويت.
لم تواجه الولايات المتحدة العراق وحدها، وإنما نجحت في تشكيل تحالف دولي واسع كان من أكبر التحالفات العسكرية التي عرفها العالم منذ الحرب العالمية الثانية.
شاركت في قوات التحالف 34 دولة، وجاءت الولايات المتحدة في القلب منه، إلى جانب بريطانيا وفرنسا وكندا وإيطاليا وأستراليا.
كما شاركت دول عربية بقوات عسكرية، في مقدمتها مصر والسعودية وسوريا، بينما قدمت دول أخرى دعمًا لوجستيًا وسياسيًا وماليًا.
تجاوز عدد القوات التي حشدها التحالف في مسرح العمليات نصف مليون جندي، ثم تحولت عملية الدفاع عن السعودية إلى الهجوم لتحرير الكويت مع بدء «عاصفة الصحراء» في 17 يناير 1991.
وهكذا وجد العراق نفسه أمام قوة عسكرية هائلة، لا تتفوق عليه في العدد والتسليح فقط، وإنما تمتلك تفوقًا ساحقًا في الطيران والاستطلاع والأقمار الصناعية والحرب الإلكترونية والاتصالات والأسلحة الذكية.
في يوم 17 يناير 1991 بدأت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الحرب على العراق، والتي امتدت حتى 28 فبراير 1991
خلال تلك الفترة أسقطت الطائرات الأمريكية 88 ألف طن من القنابل على العراق، بما يعادل القوة التفجيرية لسبع قنابل ذرية من طراز قنبلة هيروشيما، أي أن العراق تعرض أثناء الحرب للقصف بقنبلة ذرية كل أسبوع، توزعت على كل مناطق البلاد.
وأطلقت الدبابات الأمريكية ما بين 5000 و6000 قذيفة يورانيوم منضب، كما أسقطت الطائرات الأمريكية الآلاف من قذائف اليورانيوم المنضب على المدن العراقية، وقد تسببت تلك الأسلحة في موت 50 ألف عراقي في الأشهر الثمانية الأولى من عام 1991 نتيجة الإصابة بالأورام المختلفة.
استخدمت القوات الأمريكية قنابل النابالم الحارقة ضد الجنود العراقيين
كما استخدمت قنابل الفوسفور الأبيض الحارقة، واستخدمت القوات الأمريكية بكثافة قنابل «روك آي» التي تحتوي الواحدة منها على 247 قنبلة يدوية، وقد ألقتها بدون تفرقة على المدنيين والعسكريين العراقيين.
وقصفت الطائرات الأمريكية المدن العراقية بقنابل تفريغ الهواء التي تحدث مستويات شبه نووية من التدمير، وأسقطت البحرية الأمريكية وحدها أكثر من 4400 قنبلة عنقودية على المدن العراقية، وأسقطت القاذفات الجوية آلاف القنابل العنقودية من طراز «بي إل 755» المصممة لتمزيق أوصال البشر إلى قطع صغيرة.
قامت الطائرات الأمريكية بتدمير كل محطات توليد الكهرباء، ومحطات المياه، ونظام الاتصالات ومحطات التقوية، ومباني الإذاعة والتليفزيون.
ومعامل تصنيع الغذاء، ومعامل الحليب والمشروبات، ومواقع الري، ومزارع الحيوانات، ومحطات الحافلات ومحطات القطارات وخطوط السكك الحديد.
والجسور والطرق ومعابر الطرق السريعة، وآبار النفط ومصافيه ومنشآت تخزينه، وشبكات المجاري، والمصانع.
والكليات والجامعات والمدارس، والمستشفيات، والمساجد والكنائس والمواقع الأثرية، في أكبر جريمة ترتكب في تاريخ الآثار عبر التاريخ، والمصارف، ودور المعوقين، وملاجئ المدنيين، وتم تدمير حوالي 20 ألف وحدة سكنية، حتى المحلات الصغيرة والمطاعم والفنادق والجرارات الزراعية ومعاهد البحوث وسيارات الأجرة لم تسلم من التدمير.
ومن أشهر المآسي قصف ملجأ العامرية في بغداد يوم 13 فبراير 1991، الذي أدى إلى مقتل 408 مدني.
كانت عملية إبادة جماعية ممنهجة، ولا علاقة لها بخروج القوات العراقية من الكويت، كان هدف الساسة الأمريكيين تدمير العراق كدولة وكنظام اجتماعي.
وفي المرحلة الأخيرة من الحرب، يورد هيكل تفصيلًا لافتًا عن اسم عملية الالتفاف البري الواسع الذي نفذته قوات التحالف لدخول الكويت.
فبعد أسابيع من القصف الجوي، بدأت القوات البرية في تنفيذ حركة التفاف ضخمة حول القوات العراقية.
حملت العملية اسم «المجد للعذراء»، وهو اسم شبيه بالحملات الصليبية في القرون الوسطى
وكانت الفكرة العسكرية تقوم على الالتفاف من الغرب، وتجاوز الخطوط العراقية الأمامية، ثم ضرب القوات العراقية من الخلف.
وكان الجيش العراقي قد تعرض قبل ذلك لتدمير واسع في الاتصالات والإمدادات.
وفي 23 فبراير 1991 تعطلت آخر شبكة رئيسية للاتصالات العراقية مع القيادة العليا في بغداد، فأصبحت القوات الموجودة في الجبهة شبه معزولة.






