ليبيا بين تسوية تتقدم ودولة تتآكل.. من يسبق الآخر؟
الأزمة الليبية لم تكن في السنوات الأخيرة أزمة نقص في المبادرات، وإنما أزمة ضمانات التنفيذ وتوزيع السلطة بعد الاتفاق.

صورة تعبيرية للتقرير
ليست ليبيا اليوم أمام جولة جديدة من الفوضى بالمفهوم التقليدي، بل أمام مفارقة ربما تكون الأخطر منذ سنوات:
المسار السياسي يقترب نظرياً من نقاط تفاهم غير مسبوقة، بينما تتعرض الدولة على الأرض لتآكل متسارع في أدوات قوتها الأساسية.
فمنشآت الطاقة تُستهدف في الزاوية بالطائرات المسيّرة، ومدير الاستخبارات العسكرية في الشرق يُغتال في قلب بنغازي.
ومحافظ المصرف المركزي يطلب إعفاءه في توقيت بالغ الحساسية، فيما تتحرك عواصم إقليمية ودولية بسرعة لإبقاء مشروع التسوية الليبية على قيد الحياة.
السؤال لذلك لم يعد:
هل تستطيع الأطراف الليبية توقيع اتفاق جديد؟ بل هل تستطيع حماية الدولة التي يفترض أن ينفذ فيها هذا الاتفاق؟
اتفاق سياسي مهم.. ولكن الطريق إلى الانتخابات ما زال مفخخاً
في 18 يونيو، أعلنت قيادات مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي اتفاقاً على وثيقة مبادئ وخارطة طريق لإنهاء المرحلة الانتقالية.
تتضمن إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بصورة متزامنة في موعد أقصاه 17 فبراير 2027، إلى جانب تشكيل لجنة عليا لمتابعة العملية الانتخابية، ومعالجة ملف المناصب السيادية، وربط إدارة عائدات النفط والمؤسسات الاقتصادية بإطار أكثر توحيداً.
لكن التطور الأكثر أهمية جاء في 6 أغسطس، عندما أعلنت بعثة الأمم المتحدة أن مجموعة «4+4» توصلت إلى آلية لاختيار رئيس المفوضية العليا للانتخابات، وهي إحدى العقد العملية التي عطلت الانتقال من الاتفاقات النظرية إلى التنفيذ.
ولا تزال مشاورات أخرى مطلوبة قبل الوصول إلى صيغة نهائية متكاملة.
هذا التفصيل جوهري؛ لأن الأزمة الليبية لم تكن في السنوات الأخيرة أزمة نقص في المبادرات، وإنما أزمة ضمانات التنفيذ وتوزيع السلطة بعد الاتفاق.
وكلما اقتربت الأطراف من الانتخابات، ارتفعت كلفة التساؤل لدى القوى المسيطرة حالياً: ماذا سأخسر إذا جرت الانتخابات بالفعل؟
الزاوية.. عندما تتحول الطاقة إلى ساحة حرب
في الوقت نفسه، جاءت الهجمات المتتالية على الزاوية لتعيد الأمن إلى صدارة الحسابات.
فقد استُهدفت منشآت نفطية وكهربائية بطائرات مسيّرة، ثم تعرضت محطة جنوب الزاوية لهجوم تسبب في انقطاع واسع للكهرباء، بينما أوقفت شركة GE عملياتها وسحبت موظفيها من محطة الكهرباء بسبب تدهور الوضع الأمني.
أكثر من 700 ميغاواط من قدرة المحطة البالغة نحو 1300 ميغاواط خرجت من الخدمة.
وقبل ذلك أصابت الهجمات مجمع الزاوية النفطي، ما أدى إلى انهيار خزان يحوي نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين، في منشأة تضم أكبر مصفاة عاملة في البلاد بطاقة تصل إلى نحو 120 ألف برميل يومياً وترتبط بحقل الشرارة.
المؤسسة الوطنية للنفط حذرت من أن استمرار الهجمات قد يدفعها إلى إجراءات أشد، بينها احتمال إعلان القوة القاهرة.
هذه ليست قضية أمن محلي في الزاوية، من يستطيع تهديد المصفاة والكهرباء يستطيع عملياً تهديد العاصمة اقتصادياً واجتماعياً من دون دخولها عسكرياً.
وهنا تظهر الطبيعة الجديدة للصراع الليبي: استهداف القدرة على الحكم، لا احتلال مقر الحكومة فقط.
اغتيال المنصوري.. ثغرة في جدار الشرق
وفي الشرق، كان اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية فوزي المنصوري بعبوة ناسفة استهدفت سيارته قرب منزله في بنغازي تطوراً لا يقل خطورة.
لم تُحدد الجهة المسؤولة حتى الآن، وهو ما يفرض الحذر من نسب العملية إلى طرف بعينه.
لكن دلالة العملية السياسية والأمنية واضحة: بنغازي، التي يقدمها معسكر الشرق كنموذج لقدرة القيادة العامة على فرض السيطرة، شهدت اختراقاً استهدف مسؤولاً في قلب جهاز يفترض أنه معني بمنع مثل هذه العمليات.
لذلك سيكون من المبكر اعتبار الاغتيال بداية صراع داخلي، لكنه بالتأكيد جرس إنذار داخل بنية القوة في الشرق، خصوصاً في مرحلة تزداد فيها إعادة ترتيب مراكز النفوذ وحسابات ما بعد التسوية.
محافظ المركزي.. الاستقالة التي تضرب قلب التسوية الاقتصادية
ثم جاء طلب محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى إعفاءه من منصبه. المسألة تتجاوز التغيير الإداري، لأن المركزي أحد أهم الجسور القليلة المتبقية بين الشرق والغرب.
عيسى وصل إلى منصبه أصلاً عام 2024 بعد أزمة خطيرة حول قيادة المصرف تسببت وقتها في تعطيل إنتاج النفط في الشرق وانخفاض الصادرات.
ولهذا حثه رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة على الاستمرار مؤقتاً تجنباً لفراغ قد يضرب الاستقرار المالي والسياسي.
الخطورة مضاعفة لأن الأزمة تأتي بعد اتفاق أبريل على أول ميزانية وطنية موحدة منذ أكثر من عقد.
وقد دعمت الاتفاق آنذاك الولايات المتحدة ومصر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وقطر والسعودية وتركيا والإمارات وبريطانيا، معتبرة أنه خطوة نحو توحيد المؤسسات المالية وتعزيز استقلال المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.
أي انتكاسة في المصرف اليوم لا تهدد السياسة النقدية فقط؛ بل تهدد أحد أهم الأدلة العملية التي استند إليها أنصار التسوية لإثبات إمكانية إدارة المال العام بصورة مشتركة.
القاهرة وأنقرة وواشنطن.. تغير مهم في البيئة الإقليمية
الأكثر إثارة للاهتمام أن البيئة الإقليمية لم تعد منقسمة بالحدة التي عرفتها ليبيا في سنوات الحرب.
مصر أعلنت أخيراً أن تقسيم ليبيا «خط أحمر» وأنها تدعم كلاً من مسار الأمم المتحدة والمبادرة الأمريكية، مع استمرار اتصالاتها بالشرق والغرب والجنوب.
تركيا بدورها تتحرك بصورة مختلفة عن مرحلة 2019 و2020.
وزير خارجيتها هاكان فيدان يزور طرابلس وبنغازي معاً، ويطرح سياسة «ليبيا واحدة» فيما تشمل المحادثات الملفات السياسية والطاقة والدفاع والتعاون مع مختلف الأطراف.
أما واشنطن فتدفع باتجاه عملية ليبية توحد المؤسسات، بينما أصبح التقارب النسبي بين القاهرة وأنقرة عاملاً جديداً يمكن، إذا استمر، أن يقلص هامش الصراع بالوكالة الذي ساهم طويلاً في تجميد التسوية.
الولايات المتحدة ومصر وتركيا وقوى إقليمية أخرى كثفت بالفعل التنسيق حول الملف خلال الأشهر الأخيرة.
ثلاثة سيناريوهات أمام ليبيا
- السيناريو الأول هو الاحتواء: نجاح تفاهمات محلية ودولية في وقف المواجهات بالزاوية، حماية منشآت النفط، معالجة وضع المصرف المركزي والإبقاء على قنوات الاتصال بين الشرق والغرب.
- الثاني هو الفوضى المحسوبة؛ أي استمرار الضربات والاغتيالات والاشتباكات بصورة محدودة دون العودة إلى حرب شاملة، بينما تستخدم الأطراف الأمن والطاقة والمال لتحسين مواقعها قبل أي تسوية سياسية.
- أما السيناريو الأخطر فهو تزامن أزمة أمنية مع أزمة مالية ونفطية، بما يدفع أحد الأطراف إلى استخدام إغلاق النفط أو المؤسسات الاقتصادية أداةً للضغط، فتدخل ليبيا مجدداً في دائرة انخفاض الإيرادات، نقص العملة الأجنبية، ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات.
في تقديري، لا تبدو ليبيا عشية حرب أهلية شاملة بالمعنى التقليدي، لكنها بالتأكيد أمام مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوة.
والطائرات المسيّرة في الزاوية، وعبوة بنغازي، وخطاب محافظ المركزي ليست ملفات منفصلة، بل إشارات إلى أن الصراع الليبي ينتقل من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على شرايين الدولة نفسها.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: عندما تصبح الكهرباء والنفط والمصرف المركزي وأجهزة الأمن ساحات للصراع، يصبح الحفاظ على «اللاحرب» أكثر صعوبة بكثير من منع الحرب ذاتها.






