مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب : دمياط ما بعد المسيّرة

السؤال هو: كم طبقة من الرصد والإنذار والحماية جرى تجاوزها قبل وصول المسيّرة إلى هدفها؟

مشاركة:
حجم الخط:

بعيدًا عن الضجيج الذي رافق الأنباء المتداولة حول استهداف مصالح أمريكية في دمياط، وبصرف النظر عما ستكشفه التحقيقات من تفاصيل، فإن القيمة الحقيقية للحدث، إذا ثبتت روايته، لا تكمن في حجم الأضرار التي أحدثها، بل في الدلالة العسكرية والاستراتيجية التي يحملها. فالحروب لا تتغير دائمًا بالضربات الكبرى، بل أحيانًا بالاختراقات الصغيرة التي تعيد طرح الأسئلة على منظومات الردع والحماية.

من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يُقاس نجاح أي هجوم بعدد المسيّرات أو الصواريخ المستخدمة فيه. فالعقيدة العسكرية الحديثة تجاوزت هذا المنطق منذ سنوات. هجمات الإغراق، التي تعتمد على إطلاق عشرات أو مئات المسيّرات، تقوم أصلًا على افتراض أن معظمها سيُسقط قبل الوصول إلى أهدافه، وأن نجاح العملية يتحقق بمجرد عبور نسبة محدودة منها. لذلك فإن إسقاط مئات المسيّرات لا يعني بالضرورة نجاحًا دفاعيًا كاملًا إذا تمكن عدد قليل منها من إصابة أهدافه.

أما إذا كان الحديث يدور عن مسيّرة واحدة استطاعت الوصول إلى هدف أمريكي داخل دمياط، فإن ميزان التقييم يتغير بالكامل. فالقضية لم تعد تتعلق بحجم الهجوم، وإنما بجودة الاختراق. لأن المسيّرة المنفردة لا تختبر كثافة النيران الدفاعية، بل تختبر قدرة منظومات الرصد والإنذار والاكتشاف على منع التهديد قبل أن يتحول إلى إصابة.

وفي حالة دمياط، تزداد المسألة تعقيدًا، لأن الحديث لا يتعلق بمنظومة أمريكية تعمل بمعزل عن محيطها، ولا بمنظومة مصرية منفصلة عن طبيعة الهدف. فالواقعة، إذا صحت، حدثت داخل المجال السيادي المصري، حيث تتحمل الدولة المصرية المسؤولية الأولى عن أمن المجال الجوي وحماية البنية الاستراتيجية، بينما تمتلك الولايات المتحدة، بحكم وجود مصالحها، إجراءاتها الأمنية الخاصة. وهذا يعني أن أي اختراق ناجح لا يختبر طرفًا واحدًا، بل يختبر بيئة دفاعية متداخلة، تتقاطع فيها القدرات المصرية مع الإجراءات الأمريكية.

ومن هنا تنشأ فرضيتان، لكل منهما دلالة مختلفة.

إما أن المسيّرة رُصدت، لكن تعذر اعتراضها، وهنا نتحدث عن قصور في التعامل مع التهديد بعد اكتشافه، سواء لأسباب تقنية أو تشغيلية أو تكتيكية.

وإما أنها عبرت إلى هدفها دون أن تُكتشف أصلًا، وهنا يصبح الخلل أعمق، لأنه يمس طبقة الإنذار المبكر نفسها، وهي الطبقة التي تُبنى عليها كل منظومات الدفاع الجوي، إذ لا يمكن اعتراض تهديد لم يُكتشف في الوقت المناسب.

ولا يعني ذلك القفز إلى استنتاجات متسرعة أو الحديث عن انهيار الدفاعات. فالاختراق قد يكون نتاج نافذة زمنية محدودة، أو مسار طيران غير متوقع، أو استخدام وسائل تخفٍ أو تشويش، أو خطأ بشري، أو ثغرة موضعية لا تعكس الأداء العام. ولهذا يبقى أي حكم مهني مرهونًا بما سيتوافر لاحقًا من معلومات دقيقة حول نوع المسيّرة، ومسارها، ونقطة إطلاقها، وآلية توجيهها، وطبيعة الهدف الذي أصيب.

غير أن ما لا ينبغي إغفاله هو خصوصية دمياط نفسها. فالمدينة ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل إحدى العقد البحرية واللوجستية المهمة على ساحل المتوسط، وتقع ضمن فضاء تزداد أهميته مع إعادة تشكيل خطوط الإمداد والانتشار العسكري في شرق المتوسط. ومن ثم، فإن أي استهداف لمصالح أمريكية فيها، إذا ثبت، لا يقتصر أثره على الموقع المستهدف، بل يحمل رسالة إلى مجمل البيئة العملياتية التي تتحرك فيها القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة.

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم كان عدد المسيّرات؟

السؤال هو: كم طبقة من الرصد والإنذار والحماية جرى تجاوزها قبل وصول المسيّرة إلى هدفها؟

هذا هو السؤال الذي يشغل العقول العسكرية، لأنه يكشف قيمة الاختراق أكثر مما يكشف قيمة الضربة. فالمنظومات الدفاعية لا تُقاس بعدد الأهداف التي تحميها في الظروف المثالية، وإنما بقدرتها على منع الاختراقات الاستثنائية، لأنها هي التي تكشف نقاط الضعف الكامنة.

وإذا ثبتت رواية التنفيذ بمسيّرة واحدة، فإن الرسالة العسكرية لا تتعلق بقوة الرأس الحربي الذي حملته، بل بقدرتها على إثبات أن الوصول كان ممكنًا. وفي الحروب، يكفي أحيانًا أن يثبت الخصم إمكانية الوصول مرة واحدة، حتى يُجبر الطرف الآخر على إعادة النظر في حساباته، ومراجعة انتشاره، وتعديل عقيدته الدفاعية، واستثمار موارد إضافية لسد الثغرة التي كُشفت.

لهذا قد لا تكون أخطر نتائج حادثة دمياط، إن تأكدت، فيما أحدثته المسيّرة من أثر مباشر، بل فيما قد تفرضه من مراجعات صامتة داخل غرف التقييم العسكري، المصرية والأمريكية معًا. فالتاريخ العسكري يعلمنا أن كثيرًا من التحولات الكبرى بدأت باختراق بدا صغيرًا في لحظته، لكنه كشف أن ما كان يُنظر إليه باعتباره حصانة، لم يكن سوى قابلية مؤجلة للاختبار.

شارك المقال: