د. أيمن خالد يكتب: نفط العراق يقوِّض الطموح الإستراتيجي الإيراني
أحد أكبر التحولات المحتملة يتمثل في انتقال العراق من كونه ساحة تنافس إقليمي إلى عقدة لوجستية إقليمية

صورة تعبيرية للمقال
إعادة رسم خرائط المنطقة
لم تعد المنافسة في الشرق الأوسط تُدار فقط عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل انتقلت تدريجياً إلى مستوى أكثر عمقاً وتأثيراً، مستوى الممرات الاقتصادية، وشبكات الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية.
ففي التاريخ السياسي الحديث، كثيراً ما كانت خطوط الأنابيب أشد أثراً من خطوط النار، لأن الجغرافيا التي تعبرها التجارة أكثر قدرة على إعادة تشكيل موازين القوى من الجغرافيا التي تعبرها الجيوش.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو التحولات الجارية في العراق مجرد مشاريع استثمارية أو خطط لإعادة تأهيل قطاع الطاقة، بل تمثل بداية إعادة هندسة الاقتصاد السياسي للمشرق العربي.
وهي عملية قد تفضي، إذا استمرت، إلى تقليص واحدة من أهم أدوات النفوذ الإيراني التي تشكلت منذ عام 2003.
ولعل القاعدة التي صاغها عالم الجيوبوليتيك البريطاني هالفورد ماكندر ما تزال صالحة لفهم هذه اللحظة التاريخية عندما قال:
“من يسيطر على المواصلات، يسيطر على الجغرافيا، ومن يسيطر على الجغرافيا، يؤثر في السياسة”
واليوم، يبدو أن الصراع لم يعد يدور حول السيطرة على المدن، بل حول السيطرة على اتجاهات الطاقة ومساراتها.
أولاً: من الميليشيا إلى الاقتصاد… تبدل ميدان الصراع
أخطأت إيران، في تقدير كثير من الباحثين، حين افترضت أن النفوذ العسكري وحده كفيل بضمان النفوذ السياسي طويل الأمد.
فالنفوذ الذي تأسس على الجماعات المسلحة، مهما اتسع، يبقى هشاً إذا لم يتحول إلى بنية اقتصادية مستدامة.
ولهذا، فإن التحرك الأمريكي الأخير تجاه العراق لا يقتصر على البعد الأمني، بل يبدو أقرب إلى محاولة لنقل مركز الثقل من الجغرافيا العسكرية إلى الجغرافيا الاقتصادية.
فالرهان لم يعد على احتواء النفوذ الإيراني بالسلاح فقط، وإنما بإعادة بناء الاقتصاد العراقي بحيث تتراجع حاجته البنيوية إلى الاعتماد على إيران في الطاقة والخدمات.
وهنا يكمن التحول الحقيقي.
ثانياً: الاستثمار الأمريكي… إعادة تشكيل معادلة الطاقة
إذا نجحت بغداد في توسيع إنتاج الغاز، واستثمار حقولها النفطية، وتطوير بنيتها التحتية بالشراكة مع شركات الطاقة الدولية، فإن العراق سيتحول تدريجياً من دولة تعتمد على الاستيراد إلى دولة تصدر الطاقة والخدمات اللوجستية.
وهذا التحول لا يحمل بعداً اقتصادياً فحسب، بل يحمل بعداً سيادياً بالغ الأهمية.
فكل ميغاواط ينتجه العراق داخلياً، وكل متر مكعب من الغاز يعالجه داخل حدوده، يعني تراجع مساحة الاعتماد الخارجي، وانخفاض قدرة أي طرف على توظيف الطاقة كورقة ضغط سياسية.
وهنا تستعيد الدولة أحد أهم مقومات استقلال قرارها.
ثالثاً: الأنابيب الجديدة… عندما تتغير وظيفة الجغرافيا
في العلوم الجيوسياسية، لا تُقاس قيمة الدولة بمساحتها فقط، وإنما بوظيفتها داخل حركة التجارة العالمية.
ولهذا تبدو مشاريع الربط بين الخليج والعراق وسوريا وتركيا والأردن وساحل المتوسط أكثر من مجرد مشاريع نقل.
إنها مشاريع تعيد تعريف موقع العراق داخل الاقتصاد الدولي.
فكل مسار جديد يصل الخليج بالبحر المتوسط أو بأوروبا، يعني عملياً تقليل الاعتماد النسبي على نقطة اختناق واحدة، ويمنح الأسواق بدائل إضافية في حال تعرض أحد المسارات التقليدية للاضطراب.
ولا يعني ذلك أن مضيق هرمز سيفقد أهميته؛ فالمضيق سيبقى لعقود أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، لكن قيمته الاحتكارية قد تتراجع تدريجياً إذا تنوعت مسارات النقل وتوسعت شبكات الأنابيب والربط البري.
وهذه نقطة كثيراً ما تغيب عن القراءة اليومية للأحداث.
د. أيمن خالد يقرأ: قرار ترامب بتمديد حالة الطوارئ في العراق
د. أيمن خالد يكتب: الكماشة الأمريكية لخنق التنين الصيني
رابعاً: العراق… من دولة عبور إلى دولة ارتكاز
أحد أكبر التحولات المحتملة يتمثل في انتقال العراق من كونه ساحة تنافس إقليمي إلى عقدة لوجستية إقليمية.
فالموقع الجغرافي العراقي يمنحه فرصة نادرة للربط بين الخليج وتركيا، وبين آسيا وأوروبا.
وإذا نجح مشروع طريق التنمية، بالتوازي مع تطوير موانئ الفاو وشبكات السكك الحديدية والطاقة، فإن العراق لن بستثمر في النفط فقط، بل في الموقع الجغرافي نفسه.
وفي الاقتصاد السياسي، قد تكون الجغرافيا أكثر ربحاً من الثروة الطبيعية.
خامساً: لماذا يثير هذا التحول قلق طهران؟
“لأن قوة إيران لم تكن نابعة من اقتصادها بقدر ما كانت نابعة من مشروعها في تحويل الجغرافيا العربية إلى مجال نفوذ سياسي وأمني، بحيث أصبحت بعض الممرات والحدود وأدوات القوة غير النظامية جزءاً من معادلتها الإستراتيجية.”
كلما أصبحت دول الجوار أكثر استقلالاً في الطاقة والنقل والتجارة، تقلصت الحاجة الموضوعية إلى الوسيط الإيراني.
وهذا لا يعني نهاية النفوذ الإيراني، لكنه يعني انتقاله من مرحلة التوسع إلى مرحلة الدفاع عن المكاسب.
وهنا تحضر قاعدة المؤرخ البريطاني بول كينيدي في كتابه الشهير صعود وسقوط القوى العظمى:
“الإمبراطوريات لا تنهار عندما تُهزم عسكرياً فقط، بل عندما تصبح التزاماتها الخارجية أكبر من قدرتها الاقتصادية على تمويلها.”
وهذه القاعدة لا تنطبق على القوى العظمى وحدها، بل على القوى الإقليمية أيضاً.
سادساً: ما الذي يتشكل أمامنا؟
إذا استمرت هذه المشاريع، فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة مختلفة تماماً.
لن تكون الأولوية فيها للسيطرة على المدن، بل للسيطرة على العقد اللوجستية.
ولن يكون السؤال:
من يسيطر على الحدود؟
بل:
من يسيطر على حركة البضائع والطاقة ورؤوس الأموال؟
وهذا انتقال من الجغرافيا العسكرية إلى الجغرافيا الاقتصادية، ومن ردع السلاح إلى ردع المصالح.
الخلاصة الإستراتيجية
ليست القضية اليوم أن العراق ينتج نفطاً أكثر، ولا أن شركات أمريكية تستثمر في حقوله.
القضية الأعمق أن الجغرافيا الاقتصادية بدأت تنافس الجغرافيا العسكرية في إعادة رسم النفوذ الإقليمي.
فإذا نجحت بغداد في استثمار موقعها، وربط الخليج بسوريا وبتركيا والمتوسط، وتطوير منظومتها اللوجستية والطاقة، فإن العراق لن يكون مجرد منتج للنفط، بل سيصبح مركزاً لإعادة توزيع القوة الاقتصادية في المشرق العربي.
وعندها، لن يكون التحدي الأكبر أمام إيران هو العقوبات، ولا حتى الضغوط العسكرية، بل فقدان الوظيفة الجيوسياسية التي منحتها نفوذاً واسعاً طوال العقدين الماضيين.
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تفقد مكانتها عندما تنفد ثرواتها، بل عندما تفقد وظيفتها داخل النظام الدولي.
ولعل هذا هو السؤال الحقيقي الذي يواجه المنطقة اليوم: هل نحن أمام إعادة توزيع للثروة فقط، أم أمام إعادة تعريف للدور الجيوسياسي لكل دولة في الشرق الأوسط؟






