تقارير

كيف أعاد الانقلاب الفاشل تشكيل تركيا؟

غيّرت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016 شكل النظام السياسي ومؤسسات الدولة. وخلال عشر سنوات، خضع أكثر من 720 ألف شخص لإجراءات قانونية مرتبطة بالقضية، بينما عززت أنقرة الرقابة المدنية على الجيش.

مشاركة:
حجم الخط:

بعد 10 سنوات على محاولة الانقلاب.. كيف غيّرت أحداث 15 يوليو وجه تركيا؟

تحيي تركيا، اليوم 15 يوليو/تموز 2026، الذكرى العاشرة للمحاولة الانقلابية الفاشلة التي استهدفت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان عام 2016. وبينما تؤكد السلطات التركية أنها نجحت في تفكيك البنية التنظيمية لجماعة الخدمة المتهمة بتدبير الانقلاب،

 لا تزال تداعيات تلك الليلة حاضرة في المشهد السياسي والقضائي والأمني للبلاد.

وخلال العقد الماضي، لم تقتصر آثار المحاولة الانقلابية على المجال الأمني فحسب، بل امتدت إلى بنية النظام السياسي التركي،

وأعادت رسم العلاقة بين الدولة والمؤسسة العسكرية، كما عززت صلاحيات الرئاسة وأحدثت تحولات عميقة في مؤسسات الحكم.

ترامب يعتزم إبلاغ أردوغان باستعداده لإعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات إف-35

محاولة الانقلاب غيّرت النظام السياسي

شكّلت أحداث 15 يوليو 2016 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الجمهورية التركية الحديثة.

 فبعد إفشال المحاولة الانقلابية، أطلقت الحكومة حملة واسعة لملاحقة المتهمين بالارتباط بجماعة الخدمة بقيادة فتح الله غولن.

وفي الوقت نفسه، دفعت التطورات السياسية البلاد نحو التحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي.

ونتيجة لذلك، أُلغي منصب رئيس الوزراء وأصبحت السلطة التنفيذية بيد رئيس الجمهورية بشكل مباشر.

كما عززت هذه التغييرات موقع الرئيس أردوغان داخل النظام السياسي، بينما أعادت الحكومة هيكلة عدد من المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية.

كيف عززت علاقة أردوغان بترامب نفوذ تركيا داخل الناتو؟

أكثر من 720 ألف شخص خضعوا لإجراءات قانونية

تكشف الأرقام الرسمية حجم الإجراءات التي اتخذتها الدولة التركية خلال السنوات العشر الماضية.

فبحسب وزير العدل التركي أكين غورليك، خضع 720 ألفاً و338 شخصاً لإجراءات قانونية مرتبطة بقضايا جماعة الخدمة.

كما أصدرت المحاكم أحكاماً بحق أكثر من 636 ألف شخص، في حين أسقطت السلطات التهم عن مئات الآلاف بعد استكمال التحقيقات.

وفي المقابل، لا يزال أكثر من 10 آلاف شخص يقضون عقوبات أو ينتظرون استكمال إجراءاتهم القضائية،

بينما تستمر التحقيقات بحق عشرات الآلاف الآخرين.

أنقرة: خطر الجماعة لم ينتهِ

رغم وفاة فتح الله غولن في أكتوبر/تشرين الأول 2024، تؤكد الحكومة التركية أن التهديد لم ينتهِ بعد.

وفي هذا السياق، قال وزير العدل إن الجماعة ما تزال تحاول الحفاظ على شبكاتها الخارجية عبر شركات وأنشطة تجارية وواجهات مختلفة خارج تركيا.

لذلك، تواصل السلطات عمليات الملاحقة الأمنية والقضائية ضد الأشخاص المشتبه بارتباطهم بالتنظيم.

وخلال النصف الأول من عام 2026 فقط، نفذت الأجهزة الأمنية أكثر من ألف عملية أمنية، وأسفرت عن

 توقيف آلاف المشتبه بهم في مختلف الولايات التركية.

استمرار الاعتقالات في الذكرى العاشرة

بالتزامن مع إحياء الذكرى السنوية العاشرة، أعلنت وزارتا الداخلية والعدل تنفيذ حملة أمنية واسعة شملت عشرات الولايات.

وأسفرت الحملة عن توقيف 968 شخصاً يشتبه بانتمائهم إلى جماعة الخدمة، ما يعكس استمرار المخاوف الرسمية من نشاط الجماعة داخل البلاد وخارجها.

وفي المقابل، ما تزال أنقرة تسعى لاستعادة عدد من القيادات المقيمة في أوروبا والولايات المتحدة،

 إلا أن هذه الجهود لم تحقق النتائج التي تطمح إليها الحكومة حتى الآن.

هل انتهى خطر الانقلابات العسكرية؟

يرى مسؤولون في حزب العدالة والتنمية أن تركيا تجاوزت مرحلة الانقلابات العسكرية بعد الإصلاحات التي أعقبت أحداث 2016.

وفي هذا الإطار، أكد مسؤولون حزبيون أن الدولة اتخذت إجراءات واسعة لضمان السيطرة المدنية على المؤسسات العسكرية

ومنع تكرار سيناريوهات الماضي.

كما أشاروا إلى أن المجتمع التركي بات أكثر حساسية تجاه أي محاولة تستهدف النظام الديمقراطي،

وهو ما ظهر خلال تصدي المواطنين للمحاولة الانقلابية قبل عشر سنوات.

خبراء: الرقابة المدنية أصبحت أقوى

من جهة أخرى، يرى محللون أن التغييرات التي شهدتها تركيا خلال العقد الماضي عززت الرقابة المدنية على الجيش بشكل غير مسبوق.

ويشير الكاتب التركي إلياس قلج أصلان إلى أن المؤسسة العسكرية أصبحت أقل حضوراً في الحياة السياسية مقارنة بما كان عليه الوضع في العقود السابقة.

كما يؤكد أن المحاكمات المرتبطة بمحاولة الانقلاب أوشكت على الانتهاء في معظم الملفات، بينما يقضي المحكوم عليهم عقوباتهم وفق الأحكام الصادرة بحقهم.

جدل مستمر حول تداعيات الانقلاب

ورغم مرور عشر سنوات على الأحداث، لا يزال الجدل قائماً داخل تركيا وخارجها بشأن تأثير المحاولة الانقلابية على الحياة السياسية.

فبينما ترى الحكومة أن الإجراءات المتخذة كانت ضرورية لحماية الدولة والديمقراطية،

يعتبر منتقدون أن المرحلة اللاحقة للانقلاب منحت السلطة التنفيذية نفوذاً أوسع داخل مؤسسات الدولة.

ومع ذلك، يتفق كثير من المراقبين على أن محاولة 15 يوليو شكّلت نقطة تحول تاريخية ما تزال آثارها واضحة في المشهد التركي حتى اليوم.

الخلاصة

بعد عقد كامل على المحاولة الانقلابية الفاشلة، تبدو تركيا مختلفة سياسياً ومؤسسياً عما كانت عليه قبل عام 2016.

 فالإصلاحات الأمنية والقضائية، والتحول إلى النظام الرئاسي، واستمرار ملاحقة جماعة الخدمة، كلها عوامل أعادت تشكيل الدولة التركية.

 ومع أن احتمالات تكرار الانقلاب تبدو ضعيفة حالياً، فإن ذكرى 15 يوليو ما تزال حاضرة بقوة في الوعي السياسي التركي.

شارك المقال: