د. محمد الغمري يكتب: ابن سينا حين يختار العقل سيده (1-2)
تتجلى خصوصية هذه التجربة في أن ابن سينا لم يتعامل مع السلطة بوصفها غاية ولا خصمًا دائمًا، بل باعتبارها أحد مكونات المجال الحضاري

صورة تعبيرية للمقال
أولًا: الرجل الذي لم ينتظر
لا تكمن خصوصية تجربة ابن سينا في عبقريته الفلسفية أو الطبية وحدها، بل في الكيفية التي أدار بها علاقته بالمجال السياسي.
فهو لا يمثل نموذج العقل المنسحب حفاظًا على استقلاله، كما عند أبي العلاء المعري، ولا نموذج العقل المحترق طلبًا للاعتراف، كما عند أبي حيان التوحيدي، وإنما يقدم نمطًا ثالثًا هو العقل المفاوض، عقل يعيد ترتيب موقعه داخل المجال كلما تبدلت شروطه، دون أن يتخلى عن غايته المعرفية.
ومن ثم لا تنحصر أهمية تجربته في كيفية استجابة العقل لضغط البيئة، بل تمتد إلى سؤال أكثر تركيبًا:
إلى أي حد يستطيع العقل أن يختار المجال الذي يعمل فيه، وأن يوسع هامش حركته دون أن يتحول إلى تابع له؟
وُلِد أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا سنة 370هـ/980م في أفشنة قرب بخارى، في ظل الدولة السامانية التي هيأت بيئة علمية مزدهرة.
تلقى علوم القرآن واللغة والفقه، ثم اتجه إلى المنطق والفلسفة والطب، حتى ذاع صيته طبيبًا في مقتبل شبابه، وأتاح له قربه من رجال الدولة الاطلاع على مكتباتها ودوائرها العلمية، فأسهم ذلك في التكوين المبكر لمشروعه المعرفي.
غير أن التحول الحاسم في حياته لم يكن علميًا، بل سياسيًا.
فمع سقوط بخارى بيد القراخانيين سنة 389هـ/999م، وانهيار الدولة السامانية التي ارتبط بها هو ووالده ارتباطًا وظيفيًا، لم ينتظر أن تفرض السلطة الجديدة شروطها، بل غادر باحثًا عن مجال أكثر ملاءمة.
وقد لخّص هذا التحول في سيرته الذاتية، التي أملاها على الجوزجاني، بقوله: «ودعتني الضرورة إلى الارتحال عن بخارى»
وتكشف هذه العبارة أن الرحيل لم يكن اختيارًا حرًا مطلقًا، بل استجابة لضرورة فرضتها موازين القوى، مع احتفاظه بحرية تقدير التوقيت والوجهة.
ومنذ تلك اللحظة بدأ مسار تنقل بين خوارزم وجرجان والري وهمدان وأصفهان، لم يكن هروبًا دائمًا ولا استقرارًا دائمًا، بل إعادة متواصلة لاختيار المجال الأكثر إتاحة لاستمرار مشروعه.
وتتجلى خصوصية هذه التجربة في أن ابن سينا لم يتعامل مع السلطة بوصفها غاية ولا خصمًا دائمًا، بل باعتبارها أحد مكونات المجال الحضاري.
مارس الطب، وتولى الوزارة في بعض المراحل، ووظف خبرته الإدارية حين اقتضت الظروف، مقابل حماية وموارد واستقرار نسبي مكّنه من مواصلة التأليف.
ومع ذلك لم يكن يختار المجال بحرية مطلقة، وإنما كان ينتقي من البدائل التي يتيحها الواقع؛ فيغادر حين تضيق الخيارات، ويستقر حين يجد بيئة أكثر ملاءمة.
وتكشف هذه التجربة أن العلاقة بين العقل والمجال ليست دائمًا علاقة خضوع أو صدام.
ففي بعض اللحظات التاريخية يفضي التعدد البنيوي للمجال السياسي إلى توسيع هامش الحركة، بما يسمح للفاعل بإعادة توزيع علاقاته على نحو يحفظ مشروعه، من غير أن يتوهم الخروج من سلطان التاريخ.
ومن هنا تمثل تجربة ابن سينا انتقالًا مهمًا في هذه السلسلة، إذ تنقل النقاش من سؤال:
كيف يستجيب العقل لضغط المجال؟
إلى سؤال أكثر تركيبًا: كيف يدير العقل علاقته بالمجال حين تتوافر له بدائل حقيقية؟
ولم يكن ذلك ثمرة عبقريته وحدها، بل نتيجة تفاعل بين مشروع معرفي يمتلك قوة داخلية ومجال سياسي أتاح تعددًا فعليًا في مراكز الرعاية، فأصبح قادرًا على الانتقال بينها بدل الارتهان لسلطة واحدة.
ومن ثم يكشف هذا النموذج أن الفاعلية الحضارية لا تتحدد بما يملكه الفاعل من معرفة وإرادة فحسب، بل كذلك ببنية المجال، وبقدرته على قراءة شروطه واستثمار بدائله دون أن يفقد استقلال غايته.
فالفاعلية الحضارية لا تزداد بزيادة حرية الفاعل وحدها، وإنما بزيادة البدائل التي يتيحها المجال؛ إذ كلما اتسعت البدائل اتسعت قدرة الفاعل على تعظيم أثر مشروعه وتقليل كلفة البيئة.
ثانيًا: المنظومة في ظل التنقل
قد يوحي تنقل ابن سينا المستمر بأن حياته كانت أسيرة الاضطراب، غير أن إنتاجه العلمي يرسم صورة مغايرة، ففي خضم الانتقال بين الإمارات، والملاحقة، والسجن، أنجز واحدة من أكثر المنظومات الفكرية اكتمالًا في الحضارة الإسلامية، بما يكشف أن قوة المشروع المعرفي لا تُقاس باستقرار الظروف، بل بقدرته على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسه رغم تقلبها.
ويتجلى ذلك في كتاب «الشفاء»، أوسع مشروع فلسفي متكامل وصل إلينا من التراث الإسلامي، إذ جمع المنطق والطبيعيات والرياضيات والإلهيات في بناء معرفي واحد.
لم يكن مجرد تلخيص للفلسفة اليونانية، بل إعادة بنائها داخل نسق فلسفي أصيل ترك أثرًا عميقًا في الفكر الإسلامي، ثم انتقل تأثيره إلى الفكر اللاتيني في العصور الوسطى.
وبالموازاة مع مشروعه الفلسفي، ألّف «القانون في الطب» الذي لم يكن مجرد موسوعة جامعة، بل تأسيسًا لمنهج في تنظيم المعرفة الطبية يقوم على الملاحظة المنهجية، والتشخيص الدقيق، والتصنيف العلمي للأمراض والعلاجات، وهو ما جعله مرجعًا رئيسًا في التعليم الطبي في العالم الإسلامي وأوروبا لعدة قرون.
كما قدّم في «النجاة» خلاصة مكثفة لمشروعه الفلسفي، وكتب رسائل رمزية، مثل «حي بن يقظان»، «رسالة الطير» و«سلامان وأبسال» جمع فيها بين البرهان العقلي والرمز الأدبي، في محاولة لإيصال الفكرة الفلسفية إلى مستويات متعددة من التلقي.
واللافت أن معظم هذا الإنتاج لم يكن ثمرة مرحلة مستقرة، بل رافق أكثر فترات حياته اضطرابًا.
فقد سُجن في همدان أثناء الصراعات السياسية، ومع ذلك لم يتوقف عن التأليف والتعليم، ثم واصل مشروعه بعد انتقاله إلى أصفهان، حيث وجد بيئة أكثر استقرارًا أتاحت له استكمال أبرز أعماله.
وتكشف هذه السيرة أن السلطة لم تُنتج مشروعه المعرفي، لكنها أثرت في شروط عمله، فمنحته أحيانًا الحماية والموارد، وتحولت أحيانًا أخرى إلى مصدر تهديد مباشر.
ومع ذلك ظل مشروعه محتفظًا باتجاهه الأساسي، يوظف ما يتيحه المجال دون أن يستمد منه شرعيته أو يجعل منه غايته.
ومن هنا لا ينبغي تفسير كثرة تنقلاته بوصفها مجرد وقائع في سيرته، بل باعتبارها جزءًا من آلية استمرار المشروع ذاته.
فقد أتاح التعدد البنيوي للمجال السياسي إمكان الانتقال بين مراكز الرعاية، بحثًا عن بيئة أقل تقييدًا وأكثر قدرة على احتضان العمل العلمي، فغدا التنقل أداة للحفاظ على المشروع، لا دليلًا على اضطرابه.
وتشير سيرة تلميذه الجوزجاني، كما يبين ديمتري غوتاس، إلى أن ابن سينا ظل ينظم حياته بحيث يبقى التأليف والتعليم محور نشاطه، حتى في الفترات التي تولى فيها مناصب سياسية وإدارية.
وتكشف هذه الملاحظة أن علاقته بالسلطة بقيت علاقة وظيفية خاضعة لمقتضيات المشروع المعرفي، لا علاقة أعادت تعريف ذلك المشروع أو غيرت غايته.
ثالثًا: العقل المفاوض — بين حرية الاختيار وحدود المجال
تكشف تجربة ابن سينا نمطًا مغايرًا في علاقة العقل بالسلطة، فهو لم يتخذ من الانسحاب سبيلًا لحماية استقلاله، كما فعل أبو العلاء المعري ولم يندمج في المؤسسة حتى يصبح مشروعه امتدادًا لها، كما لم يحترق طلبًا للاعتراف كما انتهى إليه أبو حيان التوحيدي، بل أدار علاقته بالمجال بما يضمن استمرار مشروعه المعرفي.
ومن هنا يمكن وصفه بـ العقل المفاوض؛ لا لأنه امتلك سلطة على المجال، بل لأنه أحسن استثمار الهوامش التي أتاحها له.
غير أن هذا التفاوض لم يكن قائمًا على مساواة بين طرفين، بل على إدراك دقيق لاختلال ميزان القوة.
فقد وعى أن السلطة قادرة على منح الحماية كما تستطيع سلبها، وأن القرب منها ليس ضمانًا دائمًا، كما أن الابتعاد عنها ليس حلًا دائمًا. لذلك أبقى علاقته بها قابلة لإعادة التقدير كلما تبدلت الظروف.
ولهذا لم تكن حركته بين الإمارات بحثًا عن الحاكم الأفضل، بل عن المجال الأكثر قدرة، في تلك اللحظة، على احتضان مشروعه.
فالوزارة، والطب، والإدارة، لم تكن غايات في ذاتها، وإنما وسائل لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح باستمرار البحث والتأليف.
ومن ثم ظل المشروع المعرفي هو الأصل، بينما بقيت الوظائف السياسية أدوات تحكمها مصلحته لا العكس.
غير أن السلطة السياسية لم تكن الطرف الوحيد الذي استوجب التفاوض.
فقد نشأ ابن سينا، كما يروي في سيرته الذاتية، في بيت اتصل بالدعوة الإسماعيلية، وهي إشارة أحاطت بها لاحقًا تأويلات متباينة، واستُخدمت في سجالات عقدية وسياسية.
فقد وصفه ابن القيم بأنه “رأس ملاحدة الملة” ونسبه ابن تيمية إلى طريق «الملاحدة الإسماعيلية»
غير أن هذه الأحكام تُقرأ في سياقها الجدلي، وتعكس طبيعة الصراع الفكري في القرون اللاحقة أكثر مما تقدم وصفًا تاريخيًا محايدًا لموقف ابن سينا نفسه.
ولا تكمن أهمية هذه القضية، في سياق هذه الدراسة، في الفصل في عقيدته، وإنما في إبراز أن مشروعه كان مضطرًا إلى إدارة علاقته أيضًا بمصادر الشرعية الدينية والفقهية، التي نظرت بريبة إلى بعض أطروحاته الفلسفية، ولا سيما في مباحث الإلهيات والنبوة والمعاد، تمامًا كما كان يدير علاقته بالسلطات السياسية.
وسيظهر هذا التوتر بأوضح صوره بعد وفاته، حين خصص الغزالي في “تهافت الفلاسفة” نقدًا مباشرًا لثلاث من أشهر آرائه: القول بقدم العالم، ونفي علم الله بالجزئيات، وإنكار البعث الجسماني.
ومن ثم فإن تفاوض ابن سينا لم يكن مع السلطة السياسية وحدها، بل مع شبكة متداخلة من مصادر الشرعية السياسية والدينية، وهو ما يمنح هذا النموذج عمقًا يتجاوز العلاقة التقليدية بين العالم والحاكم.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يُفهم هذا النموذج بوصفه انتصارًا كاملًا للعقل على المجال.
فقد استطاع ابن سينا أن يختار رعاته، لكنه لم يستطع اختيار مصائرهم، ولا التحكم في الصراعات التي أحاطت بهم.
ولذلك تعرض للسجن، والتنقل القسري، وتقلب الأحوال، رغم دقة قراءته للمشهد السياسي.
ويكشف ذلك أن التفاوض يوسع هامش الحركة، لكنه لا يرفع الفاعل فوق قوانين المجال.
فحرية ابن سينا لم تكن حرية الخروج من البيئة، بل حرية الحركة بين بدائلها. وكلما اتسعت هذه البدائل اتسعت قدرة الفاعل على المناورة، وكلما انكمشت تقلصت خياراته مهما بلغت كفاءته.
ومن هنا فإن نجاح تجربته لم يكن ثمرة الإرادة الفردية وحدها، بل نتيجة تفاعلها مع التعدد البنيوي للمجال السياسي، الذي وفر بدائل حقيقية للرعاية ومراكز النفوذ، فأتاح له إعادة توزيع علاقاته بما يحفظ استقلال مشروعه النسبي.
ولو عاش في دولة شديدة المركزية تحتكر المجالين العلمي والسياسي معًا، حيث تضيق البدائل ويستحيل الانتقال بين مراكز الرعاية، لتضاءلت فرص المناورة، وربما تعذر أصلًا ظهور هذا النموذج.
ويبين ذلك أن التفاوض ليس مجرد مهارة شخصية، بل استراتيجية لا تعمل إلا داخل بنية تاريخية تسمح بوجود بدائل فعلية.
وهنا تتبلور خلاصة هذه التجربة
فابن سينا لم يشتر استقلاله بالانسحاب من المجال، ولا باستهلاك ذاته في الاندماج فيه، بل أعاد التفاوض باستمرار على الثمن الذي يدفعه مقابل حرية عقله، وكان هذا الثمن يتغير كلما تغيرت موازين القوى.
ومن ثم فإن الدرس الذي تقدمه هذه التجربة يتجاوز ابن سينا نفسه.
فالقضية ليست إمكان التفاوض مع السلطة فحسب، بل إدراك أن إدارة العلاقة بالمجال قد تكون، في ظروف معينة، أكثر فاعلية من الانسحاب الكامل أو الصدام المباشر.
ومع ذلك تبقى هذه الإدارة محكومة دائمًا بالحدود التي ترسمها البنية التاريخية، فلا تتحول إلى استقلال مطلق، ولا تلغي أثر المجال في تشكيل المآلات.
نستكمل تجربة ابن سينا في الغد : العقل المفاوض بين حرية الاختيار وحدود المجال






