مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

د. محمد الغمري يكتب: حين تفقد المؤسسات قدرتها على تصحيح نفسها

كيف تصل بعض المؤسسات إلى مرحلة يصبح فيها الامتثال أكثر قيمة من الإبداع، والانضباط الشكلي أكثر مكافأة من تحقيق الغاية التي أُنشئت المؤسسة من أجلها؟

مشاركة:
حجم الخط:

نظام التفاهة 

حين يتحول الخطأ إلى نمط

لا تنهار المؤسسات حين يخطئ أحد قادتها، ولا حين يصل إلى مواقع المسؤولية بعض محدودي الكفاءة.

فالخطأ وتفاوت القدرات جزء من طبيعة كل عمل بشري.

تبدأ الأزمة الحقيقية حين تتوقف المؤسسة عن اكتشاف أخطائها، أو تعجز عن مراجعة القواعد التي أنتجتها.

عندئذ لا يعود الخلل حادثًا عابرًا، بل يتحول إلى نمط يتكرر، فثقافة تسود، فمعيار يُقاس به النجاح.

وهنا لا تكون المشكلة في الأشخاص، بل في الطريقة التي تنتجهم بها المؤسسة، ثم تعيد إنتاجهم مرة بعد أخرى.

من هذه الزاوية يمكن قراءة كتاب «نظام التفاهة» للفيلسوف الكندي آلان دونو.

فالكتاب لا يدين أشخاصًا بعينهم، بقدر ما يلفت الانتباه إلى ظاهرة أعمق:

كيف تصل بعض المؤسسات إلى مرحلة يصبح فيها الامتثال أكثر قيمة من الإبداع، والانضباط الشكلي أكثر مكافأة من تحقيق الغاية التي أُنشئت المؤسسة من أجلها؟

ومن أدق ما يشير إليه دونو أن هذه المؤسسات تصل، دون أن تعلن ذلك، إلى قناعة ضمنية مفادها أن التميّز الزائد مصدر إرباك لا فرصة للتطوير؛ وهي اللحظة الدقيقة التي يتغير عندها معيار الاختيار بهدوء.

فلا يُستبعد صاحب الكفاءة لأنه أقل قدرة، بل لأنه أكثر قدرة على طرح الأسئلة التي تكشف مواطن الخلل، أو لأنه يهدد توازنًا اعتادت المؤسسة أن تعتبره دليلًا على نجاحها.

ولنتخيل مديرًا يعرض في اجتماع تقريرًا يكشف خللًا في إجراء معمول به منذ سنوات:

لن يُواجَه غالبًا بالرفض المباشر، بل بعبارات من نوع “هذا ليس وقته المناسب” أو “لنؤجل النقاش لجلسة لاحقة”.

وحين يتكرر هذا المشهد، يتعلم زملاؤه أن طرح الأسئلة الحرجة مكلف، وأن السكوت آمن؛ فيتحول ترددهم الجماعي، بعد قليل من التكرار، إلى عرف غير مكتوب في ثقافة الاجتماعات ذاتها.

غير أن هذه التحولات لا تبدأ بقرار كبير، بل بسلسلة اختيارات صغيرة تبدو كلها منطقية في وقتها:

يُفضَّل الأكثر هدوءً لأنه أقل إثارة للخلاف، ويُقدَّم الأكثر التزامًا بالإجراءات لأنه أكثر انضباطًا، ويُرقَّى من يحافظ على التوازن لأنه أكثر أمانًا.

وكل قرار، منفردًا، قابل للتبرير، لكن تكرار هذه القرارات عبر الزمن يعيد تشكيل طبيعة المؤسسة نفسها.

فما كان استثناءً يصبح عرفًا، وما كان عرفًا يتحول إلى معيار، ثم يصبح المعيار هو المرجع الذي تُقاس به الكفاءة.

وهنا لا تكون التفاهة سببًا للأزمة، بل إحدى نتائجها، فالخلل الحقيقي وقع قبل ذلك بكثير، حين بدأت المؤسسة تخلط بين الوسائل والغايات، وبين المحافظة على استقرارها والمحافظة على وظيفتها.

ومع هذا الخلط، يصبح النجاح مرهونًا بإتقان القواعد أكثر من تحسين النتائج، ويغدو الالتزام بالشكل أهم من تحقيق المقصد، وتصير سلامة الإجراءات أهم من سلامة المآلات.

ولهذا يلفت دونو النظر إلى أن التفاهة ليست نقصًا في الذكاء، بل صورة من صور التكيف مع بيئة تكافئ الامتثال.

فالأفراد يتعلمون سريعًا ما يفتح أبواب الترقية وما يغلقها

ثم يعيدون تشكيل سلوكهم وفق هذه الحوافز، حتى لا يعود الامتثال خيارًا فرديًا، بل يتحول إلى ثقافة مهنية تنتقل من جيل إلى آخر دون حاجة إلى تعليمات مكتوبة.

وتبدأ أخطر مراحل الاختلال حين يصبح الذين صعدوا وفق هذه المعايير هم المسؤولين عن اختيار القيادات الجديدة.

فيميلون، غالبًا من غير قصد، إلى اختيار من يشبههم في التفكير والأسلوب، فتتحول آلية الاختيار نفسها إلى وسيلة لإعادة إنتاج النمط ذاته.

وكل دورة جديدة تجعل التصحيح أكثر كلفة، لأن أدوات المراجعة أصبحت تعمل بالقواعد نفسها التي صنعت الخلل.

وتظهر هذه الآلية في صور تختلف تفاصيلها وتتفق جوهرًا.

ففي الجامعة، قد تتحول مؤشرات النشر إلى غاية مستقلة عن إنتاج المعرفة، فيُقاس الباحث بعدد أوراقه لا بأثرها.

وفي الإدارة، قد تعلو سلامة الإجراءات على جودة القرار، فيُحاسَب الموظف على التزامه بالخطوات المسطَّرة لا على نتيجتها، حتى لو تجاوزتها الجدوى.

وفي الإعلام، قد ينتصر ما يحقق الانتشار على ما يحقق الفهم.

وفي السياسة، قد يطغى تدبير اللحظة على بناء المستقبل، فتُدار الأزمات باحتواء أثرها الآني، بينما تُؤجَّل معالجة أسبابها البنيوية.

ورغم اختلاف هذه المجالات، فجوهر الظاهرة واحد: الوظيفة التي أُنشئت المؤسسة من أجلها تتراجع أمام متطلبات الحفاظ على نظامها الداخلي.

 الحالة المصرية: حين تُستبدَل الوجوه وتبقى القواعد

تبدو هذه الإشكالية في الحالة المصرية ذات دلالة خاصة، إذ ينصرف النقاش العام عند ظهور أزمة أو تعثر مشروع إلى البحث عن المسؤول المباشر أو المطالبة بتغيير بعض القيادات، بينما يقل الاهتمام بالسؤال الأعمق:

هل ما زالت قواعد الاختيار وآليات التقييم ونظم الحوافز ووسائل المراجعة الداخلية قادرة على إنتاج النتائج التي أُنشئت المؤسسة من أجلها؟

ويتضح هذا جيدًا في قطاع كالتعليم العالي،

حيث تتكرر دوريًا حملات “تطوير الجامعات” عبر تغيير القيادات الأكاديمية أو استحداث لوائح جديدة للترقيات، بينما تظل معايير التقييم الفعلية تكافئ عدد الأبحاث المنشورة بصرف النظر عن أثرها، وتُقاس الكفاءة الإدارية بالالتزام بالدورة المستندية لا بجودة القرار العلمي الذي تفضي إليه.

فحين تتغير الأسماء على رأس الكليات والأقسام دون أن تتغير هذه المعايير، تميل النتائج إلى إعادة إنتاج نفسها بصورة تكاد تكون متطابقة:

الباحث الذي يُكافَأ هو الأكثر التزامًا بشروط النشر الشكلية، لا الأكثر إضافة معرفية؛ والإداري الذي يُرقَّى هو الأكثر حرصًا على سلامة الإجراء، لا الأكثر قدرة على مساءلته.

فالأشخاص قد يتغيرون، لكن إذا بقيت القواعد التي تنتج الأداء على حالها، فإن النتائج تميل إلى تكرار نفسها بأسماء مختلفة.

ومن هنا فإن الإصلاح المؤسسي لا يبدأ بتغيير الوجوه وحده، بل بإعادة النظر في المعايير التي تصنعها، وفي قدرة المؤسسة على مراجعة نفسها قبل أن تفرض عليها النتائج مراجعة مؤلمة.

ما وراء تشخيص دونو: نحو معيار جودة المؤسسات

غير أن أطروحة دونو، على أهميتها، تتوقف عند تشخيص الظاهرة أكثر من تفسير آلية نشأتها.

فهو يصف بدقة كيف تنتهي بعض المؤسسات إلى مكافأة الامتثال وإقصاء التميز، دون أن يجيب بصورة كافية عن السؤال الذي يسبقه:

كيف تصل المؤسسة أصلًا إلى هذه المرحلة؟ فالتفاهة لا تنشأ فجأة، ولا تصبح نظامًا بقرار واعٍ، بل تتكون عبر تراكم اختيارات صغيرة، تتبدل معها معايير النجاح تدريجيًا حتى تنفصل الوسائل عن الغايات، وتصبح المحافظة على النظام الداخلي أهم من تحقيق الوظيفة التي أنشئت المؤسسة من أجلها.

وعلى هذا الأساس فإن تفسير الظاهرة لا يكتمل بالوقوف عند نتائجها

بل يقتضي تتبع الحركة التي أنتجتها، والبحث في قدرة المؤسسة على مراجعة قواعدها كلما بدأت نتائجها تنحرف عن مقاصدها. فحين تغيب هذه القدرة، لا تكون التفاهة سببًا للأزمة، بل أحد أعراضها الأكثر وضوحًا.

ومن هنا يمكن النظر إلى كتاب دونو باعتباره أكثر من نقد اجتماعي، إنه تنبيه إلى أن جودة المؤسسات لا تُقاس بعدد لوائحها، ولا بانضباط هياكلها، ولا حتى باستقرارها الظاهري، بل بقدرتها على تصحيح ذاتها كلما ابتعدت نتائجها عن الغايات التي وُجدت لتحقيقها.

فحين تصبح القواعد غاية، وتتحول الوسائل إلى أهداف، يبدأ التراجع حتى لو استمرت المؤسسة بالكفاءة الشكلية نفسها، لأن ما يتآكل ليس النشاط، بل القدرة على إنتاج الأثر الذي قامت المؤسسة من أجله.

ولذلك، فالسؤال الذي يثيره الكتاب ليس:

لماذا يصعد التافهون؟ فهذا ليس إلا العرض الأكثر ظهورًا.

أما السؤال الأعمق فهو:

كيف تعرف المؤسسة أن معاييرها ما زالت تقودها إلى وظيفتها الأصلية، لا إلى مجرد إعادة إنتاج نفسها؟

فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كانت المؤسسة قادرة على التجدد، أم أنها دخلت مرحلة يعمل فيها كل شيء كما ينبغي ظاهريًا، بينما تتآكل قدرتها الحقيقية على الإنجاز من الداخل.

فالمجتمعات لا تخسر مستقبلها يوم يقل فيها المبدعون، بل يوم تصبح مؤسساتها عاجزة عن التعرف إليهم، أو مهيأة لإقصائهم باسم الانضباط والاستقرار.

والتفاهة، في نهاية المطاف

ليست المرض بل أحد أعراضه؛ أما المرض الحقيقي فهو أن تتحول المؤسسة من كيان يسعى إلى تحقيق وظيفة، إلى كيان ينشغل بالمحافظة على نفسه أكثر من انشغاله بغايته.

فالتاريخ يعلّمنا أن المؤسسات لا تسقط عادة بسبب خصومها، بل حين تفقد قدرتها على مراجعة ذاتها.

ومستقبل أي مجتمع لا تحدده كفاءة أفراده وحدها، بل قدرة مؤسساته على أن تظل وفيّة لوظيفتها، وقادرة على تصحيح مسارها كلما أشارت النتائج إلى أن الطريق لم يعد يقود إلى الغاية التي خرجت من أجلها.

شارك المقال: