د. محمود عبد اللطيف يكتب: معركة البقاء أو الزوال؟
الإدارة بالكفاءة: يُختار الشخص بناءً على مؤهلاته، خبراته، اختباراته، وقدراته المثبتة. السؤال: "هل أنت الأفضل لهذا المنصب؟"

صورة تعبيرية للمقال
الإدارة بالمحسوبية والإدارة على أساس الكفاءة
ليست هناك معركة غير متكافئة في عالم الإدارة مثل المعركة بين المحسوبية والكفاءة.
فالأولى تعيش على الوهم والعلاقات الواهنة، والثانية تقوم على الجهد والإنجاز الحقيقي.
لكن الفرق الأعمق أن المحسوبية تبني صروحاً من الرمال، بينما الكفاءة تشيد معاقل من الجرانيت. دعونا نقارن بين العالمين بكل شفافية وجرأة.
معايير المقارنة
أولاً: أساس الاختيار والتعيين
· الإدارة بالمحسوبية: يُختار الشخص بناءً على قرابته أو صداقته أو انتمائه لجهة نافذة، وليس بناءً على ما يعرف أو ما يستطيع تقديمه. السؤال المحوري هنا: “من تعرف؟” وليس “ماذا تعرف؟”
· الإدارة بالكفاءة: يُختار الشخص بناءً على مؤهلاته، خبراته، اختباراته، وقدراته المثبتة. السؤال: “هل أنت الأفضل لهذا المنصب؟”
محمود عبد اللطيف يكتب: سارقو الأحلام وكيف يدمر الغش مستقبل الوطن
ثانياً: جودة القرارات
· المحسوبية: القرارات تتخذ لإرضاء أصحاب المصالح، وليس لحل المشكلات.
مدير بالوساطة يتخذ قرارات ترضي من وسّط له، حتى لو كانت خاطئة. ومدير بالمجاملات يوزع الترقيات على من يسترضيه، وليس على من يستحقها.
· الكفاءة: القرارات تستند إلى بيانات وتحليل ومنطق.
تقييم الأداء موضوعي، والترقيات قائمة على إنجازات ملموسة.
الجودة هي المعيار، وليس العلاقة.
ثالثاً: بيئة العمل والثقافة التنظيمية
المحسوبية: تتحول المؤسسة إلى غابة من الشائعات والتآمر والتملق. الموظف المخلص المجتهد يشعر بالإحباط عندما يرى الزميل “المحظي” يتقدم بلا جهد.
الثقة تنهار، والروح المعنوية في الحضيض.
الجميع يراقب من يتصل بمن، وليس من يؤدي عمله بأفضل صورة.
· الكفاءة: ثقافة العدالة والشفافية تسود.
الجميع يعرف أن العمل الجاد سيُكافأ.
التنافس شريف ومحفز. الموظف يشعر بالانتماء لأنه يعلم أن مكانته مستحقة. بيئة جاذبة للإبداع والمبادرة.
رابعاً: الاحتفاظ بالمواهب وجذبها
· المحسوبية: المواهب الحقيقية أول من يهرب.
لماذا يبقى مهندس مبدع في مكان يُرى فيه زميله غير المؤهل يتولى منصباً أعلى لأنه ابن العم؟
هنا يحدث “هجرة الأدمغة” الداخلية إلى الخارج، فتخسر المؤسسة ألمع عقولها لصالح المنافسين.
· الكفاءة: تصبح المؤسسة “مغناطيس مواهب”
أفضل الكفاءات تريد العمل في مكان يقدّر إمكانياتها.
معدل دوران الموظفين منخفض، ومعنويات الفريق مرتفعة.
خامساً: الإنتاجية والابتكار
المحسوبية: تراجع تدريجي مؤكد.
الموظف غير المؤهل لا يستطيع إنتاج النوعية المطلوبة. وخريطة المحسوبيات تضع أناساً في مناصب لا يستطيعون شغلها، فتتعطل العمليات، وتتراكم الأخطاء، وتتلاشى روح الابتكار لأن الخوف من المخاطرة والإبداع يخنق الجميع.
الكفاءة: إنتاجية قصوى، لأن كل شخص في المكان المناسب.
ابتكار متدفق، لأن الموظف القادر يشعر بالأمان في تجربة أفكار جديدة. مرونة عالية في مواجهة التحديات، فالفريق مؤهل ومدرب.
سادساً: التكلفة الاقتصادية
المحسوبية: تكلفة خفية لكنها مدمرة: تكلفة الفرص الضائعة (خسارة عقود، تأخر مشاريع، ضعف تنافسية) + تكلفة تسرب المواهب + تكلفة التدريب غير المجدي لمن لا يستحق + تكلفة الأخطاء المتكررة. في النهاية، المحسوبية أغلى بكثير مما يتصور أصحابها.
الكفاءة: استثمار يعود بفوائد مضاعفة.
المال يُنفق على التدريب والتطوير الحقيقي، وليس على رواتب لمن لا يعمل.
العائد على الاستثمار في رأس المال البشري يظهر في النمو والربحية.
سابعاً: الاستدامة والمستقبل
المحسوبية: نموذج غير مستدام بالمرة.
يمكن أن يصمد في مؤسسات احتكارية أو بيئات فاسدة لا رقابة فيها، لكن بمجرد دخول منافس كفء أو تغير ظروف السوق، تنهار المؤسسة سريعاً.
الكفاءة: مؤسسات تبنى للأجيال.
قادرة على التكيف مع التغيرات التكنولوجية والاقتصادية.
تبني سمعة طيبة تجعلها الخيار الأول للشركاء والعملاء والموظفين.
آثار مقارنة على المجتمع ككل
ليست المسألة محصورة بالمؤسسة فقط. المحسوبية تخلق مجتمعاً غير عادل: يشعر الشباب الطموح بأنه لا جدوى من الدراسة والعمل الجاد، لأن “فلاناً سيوظف قريبه”.
في المقابل، الإدارة بالكفاءة تحفز الجميع على التطور: فكلما زاد جهدك وإتقانك، زادت فرصك.
هذه ليست مجرد سياسة إدارية، بل فلسفة بناء حضارة.
الخلاصة القاسية
ما بين المحسوبية والكفاءة، لا يوجد تعادل ولا وسطية.
المحسوبية هي الطريق السهل الظاهر، لكنه يقود إلى الانهيار البطيء والمهين.
الكفاءة هي الطريق الصعب الذي يحتاج إلى شجاعة في اتخاذ القرارات، لكن نتائجه هي البقاء والسيادة.
أي مجتمع يريد أن يكون له مستقبل، عليه أن يختار حرباً لا هوادة فيها ضد المحسوبية بكل أشكالها، ويجعل الكفاءة هي البوصلة الوحيدة.
فالإدارة بالمحسوبية ليست مجرد خطأ إداري، بل هي جريمة في حق الطموح والإبداع والعدالة.
والوقت ليس في صالح المترددين.





