سالم أبو رخا يكتب: همسة في أذن المسلماني
ماسبيرو لم يكن يومًا مجرد مبنى أو مجموعة قنوات وإذاعات، بل كان مشروعًا وطنيًا لصناعة الوعي والثقافة والفن.

صورة تعبيريةللمقال
في كل مرة يُطرح فيها الحديث عن تطوير ماسبيرو،
يعود البعض سريعًا إلى استدعاء أمجاد الماضي، وكأن الحل يكمن في إعادة إنتاج ما نجح قبل عقود.
لكن الحقيقة التي ينبغي أن نتوقف أمامها بصدق هي أن إعادة إنتاج ما نجح في الماضي ليست إبداعًا بقدر ما هي محاولة لاستعادة زمن مضى، والزمن لا يعود، والجمهور لا يبقى كما هو، والإعلام بطبيعته لا يعرف الثبات.
ماسبيرو لم يكن يومًا مجرد مبنى أو مجموعة قنوات وإذاعات، بل كان مشروعًا وطنيًا لصناعة الوعي والثقافة والفن.
ومن هنا فإن الحفاظ على هذا الإرث لا يعني تجميده في صورة قديمة، بل يعني تطويره ليبقى قادرًا على التأثير في أجيال جديدة تختلف اهتماماتها وأدواتها وطريقة تلقيها للمحتوى.
حافظ المرازي يكتب: “من ماسبيرو” برنامج يعكس محنة مبنى ماسبيرو
لذلك فإن أزمة ماسبيرو الحقيقية لم تكن يومًا أزمة مواهب.
فالمواهب المصرية موجودة وكانت دائمًا موجودة، بل إن كثيرًا من الأسماء التي صنعت نجاحات كبيرة في الإعلام المصري والعربي خرجت من رحم هذه المؤسسة العريقة.
المشكلة كانت – ولا تزال في كثير من الأحيان – أزمة عقلية إدارية تنظر إلى الإعلام بمنطق الموظف لا بمنطق المبدع.
هناك فارق كبير بين من يدير مؤسسة بهدف الحفاظ على الروتين اليومي، ومن يقودها بهدف صناعة المستقبل.
الإعلام لا يُدار باللوائح وحدها، ولا بالقرارات المكتبية، ولا بالخوف من الخطأ.
الإعلام الحقيقي يولد من الجرأة على التجريب، ومن الإيمان بالأفكار الجديدة، ومن منح الفرصة للشباب، ومن القدرة على اكتشاف الاتجاهات قبل أن تتحول إلى ظواهر.
ومن هنا فإن استضافة أسماء إعلامية كبيرة بحجم محمود سعد، وهالة أبو علم، وسهير شلبي، وسناء منصور، وغيرهم من أصحاب التجارب الثرية والقامات المهنية المحترمة، يجب أن تُقرأ في إطار التكريم والاستفادة من الخبرات، لا باعتبارها مشروعًا للتجديد الإعلامي.
فكل التقدير لهذه الأسماء التي تركت بصمات مهمة في تاريخ الإعلام المصري، لكن تجديد الإعلام لا يتحقق بمجرد إعادة الوجوه التي نجحت في الماضي إلى الشاشة.
التجديد الحقيقي يقاس بقدرة المؤسسة على اكتشاف نجوم جدد،
وصناعة أفكار جديدة، وابتكار أشكال مختلفة من المحتوى تتحدث بلغة هذا العصر وتفهم طبيعة جمهوره.
أما الاكتفاء بالاعتماد على الأسماء التي صنعت نجاحها في زمن مختلف، فهو يعكس في كثير من الأحيان حنينًا إلى الماضي أكثر مما يعكس رؤية للمستقبل.
الإعلام الذي يبحث عن مستقبله لا يكتفي باستدعاء رموزه، بل يصنع رموزه الجديدة.
فالقيمة الحقيقية لأي مؤسسة إعلامية لا تكمن فقط في قدرتها على الاحتفاء بتاريخها، وإنما في قدرتها على إنتاج جيل جديد يضيف إلى هذا التاريخ ويمنحه امتدادًا واستمرارًا.
لذلك فإن الرهان على الأسماء الكبيرة وحدها، مهما بلغت مكانتها، لا يمكن أن يكون بديلًا عن مشروع متكامل لاكتشاف المواهب الشابة وتمكينها ومنحها الفرصة لتقديم رؤى وأفكار تناسب المتغيرات الهائلة التي يشهدها المشهد الإعلامي اليوم.
لقد تغير العالم الإعلامي بالكامل.
لم يعد المشاهد ينتظر موعد البرنامج أمام شاشة واحدة، بل أصبح يمتلك آلاف الخيارات بضغطة زر.
ولم تعد المنافسة محصورة بين القنوات التلفزيونية، بل أصبحت مع المنصات الرقمية وصناع المحتوى وشركات الإنتاج العالمية.
وفي ظل هذه المتغيرات، فإن النجاح لن يتحقق عبر استنساخ التجارب القديمة مهما كانت عظيمة، وإنما عبر إنتاج محتوى جديد يحمل روح العصر ويحافظ في الوقت نفسه على قيم المهنية والرسالة الوطنية.
إن ماسبيرو يحتاج اليوم إلى بيئة تسمح بالابتكار،
وتشجع الأفكار غير التقليدية، وتكافئ النجاح، وتتعلم من الفشل بدلًا من معاقبته.
يحتاج إلى قيادات تؤمن بأن التجديد ضرورة لا رفاهية، وأن الموهبة أهم من الأقدمية، وأن المستقبل يصنعه أصحاب الرؤية لا حراس الماضي.
لا أحد يطالب بقطع الصلة مع التاريخ، فالتاريخ هو مصدر القوة والهوية. لكن الفرق كبير بين الاستفادة من التاريخ وبين الارتهان له.
المؤسسات الكبرى لا تعيش على ذكرياتها، بل تبني كل يوم قصة نجاح جديدة تضاف إلى رصيدها.
ومن هنا تأتي هذه الهمسة:
إن إنقاذ ماسبيرو لن يتحقق بمحاولة إعادة الزمن الجميل، بل بصناعة زمن جميل جديد. فالمؤسسات التي تنشغل بتقليد نفسها تموت ببطء، أما المؤسسات التي تجرؤ على التجديد فإنها تظل حية وقادرة على التأثير مهما تغيرت الظروف.
السيد أحمد المسلماني أمام فرصة تاريخية،
ليس لإعادة تقديم ما عرفه المشاهدون من قبل، بل لإطلاق مشروع إعلامي جديد يعيد لماسبيرو دوره وتأثيره ومكانته.
فرصة لصناعة جيل جديد من الإعلاميين، وفتح النوافذ أمام الأفكار الجديدة، ومنح الجمهور سببًا حقيقيًا للعودة إلى شاشة طالما كانت عنوانًا للريادة.
إن مستقبل ماسبيرو لا ينتظر من يعيد إنتاج الماضي، بل من يملك الشجاعة لكتابة فصل جديد يليق بتاريخه العريق، ويمنحه مكانة توازي طموحات الأجيال القادمة.
فالإبداع الحقيقي لا يسكن في الذاكرة وحدها، بل في القدرة على صناعة ما لم يوجد بعد.
وتلك، هي القضية كلها.






