مقالات
محمد الروبي
محمد الروبي

كاتب صحفي

محمد الروبي يكتب: لماذا يحب الناس محمد صلاح؟

صلاح، بالنسبة إلى ملايين المصريين والعرب، ليس مجرد لاعب كرة قدم بارع، بل قصة كفاح مكتملة الأركان.

مشاركة:
حجم الخط:

يتساءل كثيرون، وأحيانًا بشيء من السخرية أو الضيق: ما فائدة كرة القدم؟

كما يتساءل البعض عن جدوى السينما أو ضرورة المسرح والفنون، يطرحون السؤال نفسه: ما الذي يضيفه أن يركض اثنان وعشرون لاعبًا خلف كرة؟

وما الذي يدفع الملايين إلى متابعة مباراة تمتد تسعين دقيقة وكأن مصير العالم يتوقف على نتيجتها؟

محمد الروبي يكتب: دعمي لإيران ليس حباً أعمى

محمدالروبي يكتب: أن تكون فناناً بحق جعفر بناهي نموذجاً

تبدو هذه الأسئلة منطقية للوهلة الأولى،

لكنها تنطلق من تصور ضيق لطبيعة الإنسان واحتياجاته.

فالحياة لا تقوم على الطعام والدواء والعمل وحدها، وإلا لما احتاج البشر إلى الشعر والموسيقى والرسم والمسرح والرياضة.

لكل مهنة دورها

ولكل نشاط إنساني وظيفته، غير أن الفن والرياضة يحتلان مكانة خاصة؛ لأنهما يخاطبان شيئًا أعمق من حاجات الجسد، إنهما يخاطبان الروح والوجدان والخيال.

لعل العلم نفسه يفسر لنا جانبًا من هذه الظاهرة.

 فعندما يشجع الإنسان فريقًا يحبه، لا يتعامل دماغه مع المباراة باعتبارها حدثًا بعيدًا عنه، بل كأنه جزء منها. تتصاعد مشاعر الترقب، ويرتفع الأدرينالين في اللحظات الحاسمة، ثم تتدفق مشاعر البهجة عند الفوز.

لذلك نرى الجماهير تضحك وتبكي وتهتف وتقفز من أماكنها.

ليس لأن الأمر يتعلق بمجرد كرة، بل لأنه يتعلق بالانتماء والأمل والحلم المشترك.

ومن هنا يمكن فهم ظاهرة أخرى تبدو محيرة للبعض: لماذا تختار الجماهير شخصًا بعينه ليصبح رمزًا وأيقونة؟

فالناس لا يبحثون دائمًا عن أكثر اللاعبين مهارة، ولا عن أكثرهم تسجيلًا للأهداف.

ولو كان الأمر كذلك لامتلأ التاريخ بأسماء لا حصر لها من اللاعبين الذين سجلوا أهدافًا أكثر وحققوا بطولات أكبر.

لكن الجماهير تبحث، من حيث لا تدري، عن نموذج إنساني ترى فيه شيئًا من أحلامها وقيمها.

فالإنسان الذي يتحول إلى رمز لا تصنعه موهبته وحدها بل تصنعه شخصيته أيضًا.

يصبح أيقونة لأنه اجتهد حين استسلم غيره، وصبر حين تراجع آخرون، وحافظ على تواضعه رغم النجاح، واحترم الناس رغم الشهرة، ولم يتنكر للمكان الذي جاء منه.

إنه يمنح الآخرين شعورًا ثمينًا بأن النجاح ما زال ممكنًا لمن يعمل ويثابر.

ولهذا السبب تحديدًا لا يمكن تفسير شعبية محمد صلاح بالأهداف والبطولات وحدها.

فصلاح، بالنسبة إلى ملايين المصريين والعرب، ليس مجرد لاعب كرة قدم بارع، بل قصة كفاح مكتملة الأركان.

شاب خرج من قرية مصرية صغيرة، وقضى سنوات طويلة بين التدريبات والسفر والتعب والغربة، متحملًا ما لا يراه الجمهور عادة من ضغوط وإخفاقات وعقبات. وما وصل إليه لم يكن هبة من أحد، بل ثمرة سنوات من الانضباط والعمل الشاق والتضحية.

لكن صلاح ليس الوحيد الذي سلك هذا الطريق.

فالتاريخ الإنساني كله يكاد يكون سجلًا طويلًا لأشخاص لم يبلغوا ما بلغوه بالمواهب وحدها، بل بما فرضوه على أنفسهم من صبر والتزام.

تأملوا مثلًا سيرة نجيب محفوظ

نعم، كان موهوبًا، لكن الموهبة وحدها لم تصنع نجيب محفوظ. الذي صنعه حقًا ذلك الانضباط الصارم الذي التزم به سنوات طويلة.

ساعات يجلس فيها أمام مكتبه في موعد يكاد لا يتغير، ممسكًا بقلمه في مواجهة الصفحة البيضاء، يكتب حتى حين لا تزوره الفكرة، ويواصل العمل حتى حين يغيب الإلهام.

كان يدرك أن الموهبة بذرة ثمينة، لكنها لا تؤتي ثمارها إلا إذا سقاها صاحبها كل يوم بالكد والمثابرة.
وانظروا إلى محمد حسنين هيكل.

كم من العادات الصارمة روض نفسه عليها؟

كم من الساعات خصصها للقراءة والكتابة؟

وكم من الدعوات والمناسبات اعتذر عنها لأنها تتعارض مع نظام حياته الدقيق؟

لقد فهم مبكرًا أن الإنجاز الكبير لا يولد من الفوضى، بل من الانضباط.

وأم كلثوم، وهي التي ملأت الدنيا صوتًا وحضورًا، لم يكن صوتها معجزة هبطت من السماء ثم تُركت وشأنها.

كان وراء ذلك الصوت تدريب يومي شاق، ونظام حياة كامل، وحرص دائم على صيانة الموهبة وتطويرها.

تخيلوا فقط كيف كان يمكن أن يكون صوتها لو أنها توقفت عن تدريبه عامًا أو عامين.

وإذا أردنا مثالًا أقرب إلى أيامنا، فلنتأمل سيرة مجدي يعقوب. فخلف هذه المكانة الاستثنائية سنوات طويلة من الدراسة والعمل والتفرغ والانضباط والتضحية.

وما يراه الناس من إنجازات ليس سوى الجزء الظاهر من جبل هائل من الجهد الخفي.

إننا كثيرًا ما نرى الثمرة ونغفل الشجرة، ونرى المجد وننسى الطريق المؤدي إليه.

نرى الأضواء، لكننا لا نرى الساعات الطويلة من التعب والحرمان والانضباط التي جعلت تلك الأضواء ممكنة.

وربما لهذا السبب أثارت تصريحات محمد صلاح الأخيرة حول التضحيات التي قدمها للوصول إلى مكانته كل هذا الجدل.

فبينما سخر البعض من حديثه، أدرك آخرون حقيقة بسيطة: أن الإنجاز الكبير لا يولد من الفراغ.

فلكي يصبح الإنسان طبيبًا متميزًا، أو فنانًا كبيرًا، أو عالمًا بارزًا، أو رياضيًا استثنائيًا، فإنه يضطر غالبًا إلى أن يتخلى عن أشياء يحبها، وأن يدفع من وقته وجهده وراحته ما لا يراه الناس بعد ذلك.

وكل نجاح عظيم يخفي وراءه قدرًا من الحرمان لا يقل عن مقدار ما يمنحه من مجد.

والأهم من كل ذلك أن صلاح، رغم ما حققه من شهرة ومجد، ما زال يحرص على التأكيد أن ما وصل إليه لم يكن ليحدث لولا دعم الجماهير ومحبتهم.

وهي ليست مجرد عبارة بروتوكولية يرددها المشاهير، بل جزء أصيل من الصورة التي جعلت الناس يرون فيه نموذجًا للنجاح غير المتعالي، نجاحًا لم يقطع صلته بالناس الذين شجعوه وآمنوا به.

ولعل قيمة كرة القدم، والفن، والغناء، والكتابة، لا تكمن فقط فيما تمنحه من متعة أو ترفيه، بل فيما تقدمه من نماذج إنسانية تذكرنا بما يمكن أن نكونه.

فنحن لا نبحث في هؤلاء عن النجاح وحده، بل عن الدليل على أن النجاح ممكن، وعن البرهان على أن الجهد لا يضيع، وأن الأحلام الكبيرة يمكن أن تبدأ من الأماكن الصغيرة.

فالحياة لا تحتاج فقط إلى من يزرعون الحقول، أو يبنون البيوت، أو يداوون المرضى، بل تحتاج أيضًا إلى من يوقظون فينا الرغبة في الحلم.

والرموز الحقيقية، في الرياضة والفن والعلم، ليست سوى مصابيح صغيرة على جانب الطريق، تهمس لكل من يراها: امضِ قدمًا… فالوصول ممكن.

وكان محمد صلاح، وسيظل، واحدًا من تلك القصص الجميلة التي تذكرنا بأن الأحلام البعيدة ليست مستحيلة، وأن الطريق إلى القمة قد يكون طويلًا وشاقًا، لكنه يظل مفتوحًا لمن يملك الإرادة والصبر.

والله أعلم.

شارك المقال: