سالم أبو رخا يكتب: خالد يوسف الحكاية من أولها
لم تكن هذه الصور مجرد ديكور أنيق أو تفاصيل تكميلية، بل كانت أشبه بسيرة ذاتية وثقافية معلقة على الجدران

صورة تعبيرية للمقال
في زمن تحولت فيه أغلب البرامج الحوارية إلى نسخ مكررة تدور حول الموضوعات نفسها مهما تبدلت الوجوه، نجح برنامج الحكاية من أولها الذي تقدمه الإعلامية غادة فتحي على قناة الحدث اليوم في تقديم صيغة مختلفة تستحق التقدير.
الفكرة في ظاهرها بسيطة لكنها تحمل عمقاً لافتاً
حيث ينطلق الحوار من الشخصيات والرموز المعلقة صورها على جدران مكتب الضيف، لتتحول تلك اللوحات إلى نوافذ واسعة تطل على التاريخ والسياسة والثقافة والفن.
نجحت فيما فشل الأخرون: بنجلاديش تنقذ الجاموس ترامب
سالم أبو رخا يكتب: “سعار” الهجوم الخليجي على مصر
في مكتب المخرج خالد يوسف
لم تكن هذه الصور مجرد ديكور أنيق أو تفاصيل تكميلية، بل كانت أشبه بسيرة ذاتية وثقافية معلقة على الجدران.
من جمال عبد الناصر إلى تشي جيفارا.
ومن أم كلثوم إلى نجيب محفوظ، وصولاً إلى يوسف إدريس ويوسف شاهين وعاطف الطيب.
كانت كل صورة تروي حكاية تفتح باباً لفهم التكوين الفكري والسياسي للرجل.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للعمل، فبدلاً من مطاردة الأخبار اليومية والاشتباكات العابرة، اختار البرنامج العودة إلى الجذور، إلى الشخصيات التي أسهمت في تشكيل الوعي المصري والعربي.
إن صورة عبد الناصر فتحت نقاشاً ممتداً حول المشروع الوطني والعدالة الاجتماعية.
بينما استدعت أم كلثوم الحديث عن القوة الناعمة المصرية في أوج تجلياتها.
وقاد نجيب محفوظ الحوار نحو أسئلة المجتمع والسلطة والإنسان، في حين فتحت صور يوسف إدريس وشاهين والطيب ملفات الإبداع والتمرد وعلاقة الفن بالواقع المعيش.
ولعل هذا العمق هو السر الحقيقي
وراء التفاعل الكبير الذي حظيت به الحلقات، مما يثبت خطأ النظرية الإعلامية السائدة التي تفترض أن الجمهور هجر المحتوى الجاد وملّ الثقافة والفكر.
ما مله الناس حقاً هو التكرار والابتذال والضجيج الذي احتل الشاشات لسنوات طويلة حتى كاد يصبح هو الأصل، بعد أن عاش المشاهد العربي حقبة هيمنت فيها برامج اعتقدت أن الصراخ بديل للحوار، وأن الإثارة المصطنعة قادرة على صناعة رأي عام، لتنتهي كل تلك المعارك الوهمية بمجرد انتهاء وقت الحلقة.
لذلك جاء تفاعل الجمهور مع البرنامج كرسالة واضحة
تؤكد أن الناس لا تزال تبحث عن المعنى، وأن الحديث عن تلك القامات ليس مجرد حنين أعمى للماضي بقدر ما هو محاولة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
ورغم بعض المحاولات العابرة لجر الحوار نحو مناطق أكثر خفة وأقل أهمية في بعض الأسئلة، فإن قوة الفكرة الأساسية ظلت طاغية، لأن المشاهد كان ينتظر شهادة حية على زمن كامل وتجارب صنعت جزءاً مهماً من الوجدان العربي.
من بين كل ما قيل في الحلقات
برز خالد يوسف نفسه كحالة تستحق التأمل، ليس فقط بوصفه مخرجاً يملك رؤيته الخاصة، بل باعتباره واحداً من أكثر الشخصيات التي تعرضت خلال السنوات الماضية لما يمكن تسميته بالحشد المضاد.
فقد كان الرجل حاضراً دائماً في قلب العواصف السياسية والثقافية، وهدفاً لحملات منظمة سعت في كثير من الأحيان إلى إغراق المجال العام في الضوضاء ليصبح الحديث عن الشخص نفسه أهم من مناقشة أفكاره ومواقفه.
هذه هي طبيعة الحشد المضاد في جوهره
فهو لا يسعى إلى الانتصار بالحجة أو تقديم رواية بديلة، بل يعمل على تعطيل النقاش ومحاصرة الأفكار بالاتهامات والصور النمطية الجاهزة.
لكن ما كشفته هذه اللقاءات هو أن تلك الآلية القديمة فقدت تأثيرها، فالجمهور الذي تابع خالد يوسف لم يكن مشغولاً بالمعارك القديمة أو حملات التشويه، بل كان مهتماً بما هو أبقى من ذلك كله؛ التجربة والرؤية والشهادة على العصر.
النجاح الحقيقي هنا يكمن في استعادة الإيمان
بأن المجال العام لا يزال قادراً على إنتاج نقاش جاد يحترم عقل المشاهد، ويدحض الفكرة السطحية التي روجت لعقود بأن الناس لا تريد سوى الإثارة.
فالجمهور لا يرفض المعرفة بل يرفض الملل، ولا يرفض الفكر بل يرفض الوصاية والانتصار الفارغ.
يمكن النظر إلى هذه الحلقات باعتبارها مؤشراً على حالة أوسع تعلن تراجع زمن الهرتلة الإعلامية الذي هيمن طويلاً، وبداية استعادة الجمهور لحقه في إعلام يضيف إلى وعيه.
ولهذا السبب تحديداً، بدت صور تلك القامات المعلقة على جدران مكتب خالد يوسف أكثر حضوراً وتأثيراً من العناوين الصاخبة التي تملأ الشاشات كل يوم، لتذكرنا بأن الأمم تُبنى بالمشروعات الفكرية والإبداع والثقافة، لا بالضجيج المؤقت الذي يذهب جفاءً.






