مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

العصر الحجري الثاني: حين يتصلب العقل العربي بدل أن يتجدد (١)

ثمة فرق بين إنسان يحمل حجراً لأنه لم يعرف الحديد بعد، وآخر يعرف الحديد لكنه لا يرى فرقاً بينه وبين الحجر.

مشاركة:
حجم الخط:

في عام 1798 حين وصل نابليون إلى مصر جلب معه المطبعة والمناطيد والعلماء. وحين رأى المصريون المناطيد لأول مرة لم يسألوا كيف تطير — بل سألوا إن كان فيها جن.

ليست أهمية المشهد في دقته التاريخية بقدر ما يكشفه رمزياً: عقل لا يزال يملك الفضول لكنه فقد الأداة التي تحول الفضول إلى سؤال منتج.

عقل لا يجهل فقط — بل فقد القدرة على تحويل الدهشة إلى معرفة.

وهنا يبدأ ما يمكن تسميته بالعصر الحجري الثاني.

ثمة فرق بين إنسان يحمل حجراً لأنه لم يعرف الحديد بعد، وآخر يعرف الحديد لكنه لا يرى فرقاً بينه وبين الحجر.

الأول في بداية المسار، أما الثاني ففي أزمة حضارية لا تبدو من الداخل أزمة، بل تبدو حفاظاً على الذات وثباتاً على الأصل.

العصر الحجري الثاني ليس جهلاً أصيلاً بل تصلباً مكتسباً.

ليس غياباً للقدرة بل تعطيل لها، وليس نقصاً في الموارد بل انغلاقاً في الرؤية. المجتمع الواقع فيه لا يفتقر إلى الإمكان، بل إلى القدرة على رؤيته.

لكن فهم هذا التصلب يقتضي أن نفهم أولاً ما الذي كان يتحرك — وكيف توقف.

أولاً: البداءة الأولى كانت انفتاحاً

العصر الحجري الأول لم يكن عصر جمود، بل عصر تجريب وتراكم بطيء. الإنسان الأول كان يخطئ ويصحح، يكتشف النار ثم يتعلم حفظها، يصنع أداة ثم يطورها عبر أجيال.

لم يكن يملك يقيناً مغلقاً، ولذلك ظل قادراً على الحركة.
والمفارقة أن العقل العربي لم يصل إلى التصلب من نقطة الصفر، بل من ذروة تراكم حضاري.

فالحضارة التي أنجبت ابن سينا والخوارزمي وابن رشد لم تسقط حين جهلت، بل حين تحول عقلها من الإنتاج إلى الحراسة.

وقد رصد ابن خلدون هذه اللحظة في حديثه عن انتقال الحضارات من طور البناء إلى طور المحافظة على القائم.

صحيح أن المجال العربي عرف لاحقاً محاولات نهوض، كما في نهضة القرن التاسع عشر التي تناولها ألبرت حوراني، لكنها بقيت محاولات تستعيد المخرجات أكثر مما تعيد تشغيل آلة الإنتاج الحضاري نفسها.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: العصر الحجري الثاني لا يأتي في بداية التاريخ، بل في منتصفه — حين تتراكم الأدوات ثم تتوقف القدرة على تحريكها.

ثانياً: كيف يتصلب ما كان يتحرك

العصر الحجري الثاني لا يبدأ بقرار مفاجئ، بل يتشكل عبر تراكم طويل من التحولات الصغيرة التي تبدو معقولة في لحظتها لكنها تنتهي إلى انغلاق شامل.

في العالم العربي ظهرت هذه الديناميكا بوضوح بعد الاستقلال. فقد امتلكت المجتمعات العربية طاقة اجتماعية حقيقية وإحساساً بأن التاريخ يُستأنف.

وكانت مشاريع التحديث قادرة بالفعل على تحريك قطاعات واسعة من المجتمع.

لكن هذه الطاقة لم تتحول إلى تراكم مؤسسي حقيقي.

فكما يوضح هشام شرابي، بُنيت مؤسسات حديثة الشكل لكنها لم تكتسب فاعلية مستقلة: جامعات بلا بحث، ونقابات بلا تمثيل، وجيوش بلا عقل استراتيجي.

وحين جاءت هزيمة 1967 كشفت — كما رأى صادق جلال العظم — أن الحداثة القائمة كانت قشرة فوق بنية لم تتغير جذرياً.

حين رفع لامين يامال علم فلسطين

د. محمد الغمري يكتب: ترامب والشجرة الصينية

التصلب الثاني جاء عبر التعليم.

فقد توسعت المنظومات التعليمية العربية كمّاً، لكنها ربطت التعليم بالحفظ والامتثال أكثر من ربطه بإنتاج السؤال.

وما كشفه تقرير التنمية الإنسانية العربية عام 2003 لم يكن مجرد ضعف معرفي، بل توقف القدرة على تحويل المعرفة إلى مسار.
وهكذا تعاضد تصلب المؤسسة مع تصلب العقل، حتى أصبح المجتمع يعيد إنتاج نفسه دون تراكم حقيقي.

ثالثاً: حين تتحول أدوات الحماية إلى جدران

كل مجتمع يواجه الضغوط يطوّر آليات للحماية، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الآليات من دروع مؤقتة إلى بنى دائمة.

في السياق العربي حدث ذلك على مستويين متوازيين.

الأول: الثروة كأداة تأجيل.

فقد وفرت الطفرة النفطية فرصة تاريخية لبناء تراكم معرفي ومؤسسي، لكن كثيراً من الدول استخدمت الثروة لشراء الاستقرار لا لبناء الفاعلية، كما شرح حازم ببلاوي في تحليله للدولة الريعية.

والمجتمع الذي يؤجل أسئلته الكبرى يراكم تصلبه بصمت.

الثاني: الهوية حين تتحول إلى وعاء مثقل بكل شيء.

فمع انغلاق المجال السياسي منذ الثمانينيات أصبحت الهوية الدينية حاملة لمعاني الكرامة والعدالة والانتماء والمستقبل دفعة واحدة.

وهنا يصبح التساؤل داخلها تهديداً وجودياً لا نقداً معرفياً، فتتجمد الحركة الداخلية للمجتمع.
والفرق هنا جوهري: الثبات على المبدأ قوة، أما الجمود فهو العجز عن التمييز بين ما يجب حفظه وما يجب مراجعته.

رابعاً: الانكسار المزدوج وتعطيل الخيال

أخطر ما ينتجه العصر الحجري الثاني ليس الجمود الظاهر، بل تعطيل القدرة على تخيل البديل.
وقد كشف الربيع العربي هذه الأزمة بوضوح.

فقد ظهرت طاقة اجتماعية حقيقية، لكن — كما يلاحظ آصف بيات — غابت البنية القادرة على تحويل الزخم إلى مسار تراكمي. كانت الطاقة موجودة، لكن القناة غائبة.

والنتيجة كانت انكساراً مضاعفاً: جيل رأى إمكانية التغيير ثم شاهد انهيارها سريعاً.

وهذا النوع من الانكسار أشد من الإحباط المزمن، لأنه يحول الأمل نفسه إلى مصدر خوف.

ومع ذلك، لا يصل التصلب إلى كل شيء. فثمة دائماً جيوب حية تنجو منه: مبادرات تعليمية جديدة، وشبكات معرفة رقمية، وتجارب مجتمعية صغيرة تواصل إنتاج السؤال رغم البيئة المغلقة.

وهذه الجيوب تكشف أن العصر الحجري الثاني ليس قدراً نهائياً.

تأمل هذا المشهد:

مدرس جامعي يشرح المادة نفسها منذ عشرين عاماً بالملازم نفسها. يسأله طالب سؤالاً خارج الملزمة، فيصمت طويلاً.
ثم يكتشف — للمرة الأولى — أنه لا يصمت لأنه يجهل الإجابة، بل لأنه نسي كيف يسأل.

هذه اللحظة ليست هزيمة، بل بداية الخروج. لأن العقل الذي يرى تصلبه يمتلك للمرة الأولى إمكانية كسره.

والمفارقة أن هذه اللحظة لا تأتي بقرار سياسي أو خطاب إصلاحي، بل تبدأ أحياناً من سؤال صغير لم يكن يفترض أن يُطرح.

خاتمة: كيف يُكسر الجمود دون كسر الهوية؟

السؤال الحقيقي ليس كيف نكتشف الجمود، بل كيف نتجاوزه دون أن نفقد ما يستحق الحفظ.
فالانقطاع الكامل عن الموروث لا يكسر العصر الحجري الثاني، بل قد يعيد إنتاجه بأدوات أكثر حداثة.

وقد أشار برهان غليون إلى هذه المفارقة حين وصف كيف استورد العالم العربي أشكال الحداثة دون بنيتها الداخلية، فأنتج مؤسسات حديثة شكلاً لكنها عاجزة وظيفياً.

لذلك فإن الخروج من العصر الحجري الثاني لا يبدأ من الخارج، ولا من استيراد نموذج جاهز، بل من تلك الجيوب الحية التي لا تزال قادرة على السؤال.

ويبقى السؤال الأصعب معلقاً:

حين يصبح التصلب هو العدسة الوحيدة التي يرى بها العقل العالم، كيف يستطيع أن يرى تصلبه أصلاً؟

ومن أين تأتي الصدمة التي تكسر اليقين المغلق دون أن تكسر الإنسان معه؟

هذا هو سؤال الحلقة القادمة.

شارك المقال: