علي الأفريقي يكتب: هل كانت السودان جزءا من مصر (14)
في 24 يناير 1952، اجتمع مجلس الوزراء البريطاني وقال «تشرشل»: علينا الاستجابة لامريكا وبحث لقب الملك فاروق، بوصفه الشخص الذي نعتمد عليه في ايحاد حكومة مصرية تقبل اتفاقية الدفاع المشترك.

صورة مستوحاة من سلسلة المقالات
احترقت القاهرة.. فاحترق لقب ملك مصر والسودان
رأت امريكا أن الاعتراف بلقب “ملك مصر والسودان” هو المدخل لإقناع الحكومة المصرية بقبول الترتيبات الغربية للدفاع المشترك، والانضمام إلى حلف يواجه تمدد الشيوعية في إفريقيا، فضغطت على بريطانيا للتوصل مع مصر الي صيغة مرضية.
في 24 يناير 1952، اجتمع مجلس الوزراء البريطاني وقال «تشرشل»: علينا الاستجابة لامريكا وبحث لقب الملك فاروق، بوصفه الشخص الذي نعتمد عليه في ايحاد حكومة مصرية تقبل اتفاقية الدفاع المشترك.
قال “إيدن”: يمكننا الاعتراف الرمزي باللقب، على ألا يؤثر في الحكم البريطاني القائم بالسودان، أي يبقى فاروق ملكا على الورق، ثم يحسم الأمر بعد الحكم الذاتي عبر استفتاء تشرف عليه لجنة دولية
كان معنى اقتراح الثعلب “إيدن” أن بريطانيا، رضوخا للضغوط الأمريكية، ستترك “فاروق” يتمتع بلقبه الرمزي، بينما يستمر الحكم البريطاني للسودان تمهيدا للحكم الذاتي.
لكن في اليوم الثاني 25 يناير حدثت المأساة الشهيرة عندما قصفت المدفعية البريطانية مبني محافظة الاسماعيلية فسقط خمسين شهيدا من رجال الشرطة المصرية.
في اليوم الثالث 26 يناير انتشر خبر الحادث، فاندلعت مظاهرات عارمة تنادي بحمل السلاح ومحاربة الإنجليز، واتجهت إلى ميدان عابدين تهتف بسقوط الملك.
بينما كان “فاروق” يقيم بقصره مأدبة غداء احتفالا بميلاد ولي العهد، ثم توجهت إلى مبنى رئاسة الحكومة بالقصر العيني، وتوجهت مظاهرة اخري إلى ميدان الأوبرا.
أمام «كازينو بديعة»، شاهدوا ضابط شرطة يجالس راقصة ويحتسي الويسكي، فنهره المتظاهرون علي جلسته رغم استشهاد زملائه بالأمس، وأحرقوا الكازينو.
ثم اشتعلت سينما ريفولي وسينما مترو، وانتشرت الحرائق وامتدت إلى شارع الهرم، وسادت الفوضي، فأقال “فاروق” حكومة الوفد، وأعلن الأحكام العرفية، ووقف الدراسة، وحظر التجوال، ونزول الجيش.
أسفر حريق القاهرة عن تدمير مئات الفنادق والمتاجر والمطاعم ودور السينما والمقاهي والملاهي والبارات والبنوك والأندية، ومقتل 46 شخصا بينهم 14 انجليزيا، فتراجعت بريطانيا عن الاعتراف بلقب ملك مصر والسودان.
علي الأفريقي يواصل: هل كانت السودان جزء من مصر؟
علي الأفريقي يبحث: هل كانت السودان جزءا من مصر (13)
أمريكا تضغط وبريطانيا تناور
رفض “النحاس باشا” توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع امريكا لان الاتفاقية ستضم اسرائيل.
بعد حريق القاهرة تمت اقالته وتولى “نجيب الهلالي” بدلا منه، فوجدتها بريطانيا فرصة لاقناع “الهلالي” بتوقيع الاتفاقية، لكنه ربط الموافقة بالاعتراف أولا بلقب “ملك مصر والسودان”
ردت بريطانيا بانها تعهدت للسودانيين بعدم الاعتراف باللقب قبل استشارتهم، ولا تستطيع التراجع حتى لا تهتز ثقة الشعوب الإفريقية في تعهداتها.
تواصلت امريكا مع بريطانيا لايجاد مخرج للازمة
فقالت بريطانيا ان المجلس التشريعي السوداني أعلنوا أن مسألة اللقب ينبغي أن يقررها السودانيون وحدهم، كما أنهم يرفضون السيادة الرمزية لمصر قبل تقرير المصير، وقدمت بريطانيا مقترحات جديدة بشأن اللقب اعتبرتها أمريكا غير كافية لاقناع مصر بتوقيع اتفاقية الدفاع.
ومع وصول الازمة إلى طريق مسدود، بدأت امريكا تفكر في الاعتراف باللقب وحدها، ما اقلق بريطانيا فتقدمت في مايو 1952 بصيغة جديدة وهي:
“بما أن الحكومة المصرية أعلنت أن “فاروق” يحمل لقب ملك مصر والسودان، فإن حكومة صاحبة الجلالة تؤكد قبولها اما وحدة مصر والسودان تحت التاج المصري، او اي وضع اخر بشرط ان يكون نابعا من حق السودانيين في تقرير مستقبلهم بحرية، لذلك تعلن الدولتان استعدادهما للتشاور مع السودانيين للتوصل إلى حل مقبول، يتوافق مع التعهدات البريطانية”
وأكد وزير خارجية بريطانيا “إيدن” أن هذه الصيغة تمثل أقصى ما يمكن تقديمه بخصوص اللقب لعدم استعداد بريطانيا للتراجع عن تعهداتها للسودانيين، كما ان قبول السودانيين باللقب سيتطلب ضمانات مصرية كالاعتراف العلني بحق تقرير المصير، وأن يكون البرلمان السوداني هو الجهة التي تحسم مسألة اللقب.
وهنا أيقن “الهلالي” أن الحل يكون بالحوار المباشر مع السودانيين الاستقلاليين وزعيمهم “المهدي” فدعتهم إلى القاهرة.. وكانت اول مرة تدعو مصر “المهدي” لزيارتها فأحدثت الدعوة ردود فعل هائلة في بريطانيا وامريكا والسودان.
سري للغاية:
أسباب الضغط الأمريكي لتمرير لقب ملك مصر والسودان
تم تبادل برقيات سرية بين السفير البريطاني بأمريكا “ستيفنسون” ووزارة الخارجية البريطانية، وبين حاكم السودان “روبرت”، ووزير الخارجية “ايدن” حول الالحاح الامريكي المستمر في موضوع لقب الملك “فاروق”.
كان ملخص البرقيات ما يلي:
تمارس علينا امريكا ضغطا شديدا للاعتراف بلقب ملك مصر والسودان من اجل تسهيل اقناع مصر بابرام اتفاق عسكري نظرا للاهمية الاستيراتيجية والسياسية للممرات المائية وللتعاون المصري في ترتيبات الدفاع عن الشرق الاوسط.
ومواجهة التمدد السوفيتي خاصة وان الحكومة المصرية التي جاءت عقب حريق القاهرة الذي اطاح بحكومة الوفد مستعدة للدخول في الحلف الدولي الذي سيضم امريكا وبريطانيا وفرنسا وتركيا في حالة اعترافنا باللقب.
فاذا وافقت مصر سيكون الطريق مفتوحا لانشاء قاعدة عسكرية للحلف في قناة السويس،
وقاعدة للطيران الحليف، وموافقة مصر في حالة نشوب حرب علي تقديم التسهيلات والمساعدات لقوات التحالف والتجهيزات المطلوبة في المطارات المصرية وعبور طيران الحلفاء للاجواء المصرية وتامين قاعدة الحلفاء العسكرية علي ان تتولي القيادة المشتركة مسؤلية الدفاع الجوي عبر قيادة طيران الحلفاء.
فيما يتعلق بلقب ملك مصر والسودان سيعتقد السودانيون أن بريطانيا تخلت عن تعهداتها السابقة بعدم الاعتراف به.
لعلمنا انه لن يكون مقبولا في السودان
حيث ان كل الأحزاب السودانية ما عدا حزب الأشقاء رفضوا رفضا قاطعا لقب الملك فاروق مهما كانت الحجج القانونية والتاريخية لمصر.
ولذلك سوف تعطي امريكا تأكيدات للسودانيين بأنهم سينالون صفقة عادلة عند تقرير المصير.
وأنه سيترك للبرلمان السوداني عقب انتخابه حرية اتخاذ القرار وتحديد مستقبل بلادهم.
كما سيتم تكوين لجنة دولية للإشراف على مياه النيل لمصلحة مصر والسودان معا.
وسنحرص على ألا يظن السودانيون اننا نعقد صفقة مع مصر من ورائهم مقابل الحصول علي تنازلات استراتيجية في قناة السويس.
وأخيرا من الضروري المحافظة علي سرية هذه المحادثات وعدم تسريبها للصحافة.
المراجع :
1- كتاب (مصر والسودان الانفصال بالوثائق السرية البريطانية والامريكية) – محسن محمد- دار الشروق- الطبعة الاولي.
2- كتاب (الحركة السياسية في مصر بين اعوام 1945- 1952)- طارق البشري- دار الشروق- طبعة 1983.
3- كتاب (مقدمات ثورة يوليو 1952)- عبدالرحمن الرافعي – مراجعة المستشار حلمي شاهين – دار المعارف- الطبعة الثالثة 1987..
4- كتاب (الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان)- فيصل عبدالرحمن على طه- مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي- أم درمان.
5 – ملف الاستقلال: “السودان للسودانيين”- أم سلمة الصادق المهدي- سودانيل- 17/1/2020.
6- مصر والسودان- الهيئة العامة للاستعلامات – علاقات دولية – 17 ابريل 2017.
7- كتاب (السودان من الحكم البريطاني الي فجر الاستقلال)- السير جيمس روبرتسون – الحاكم البريطاني لنيجيريا.






